مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ} (31)

قوله تعالى : { قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال } .

اعلم أنه تعالى لما أمر الكافرين على سبيل التهديد والوعيد بالتمتع بنعيم الدنيا ، أمر المؤمنين في هذه الآية بترك التمتع بالدنيا والمبالغة في المجاهدة بالنفس والمال ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي { لعبادي } بسكون الياء ، والباقون : بفتح الياء لالتقاء الساكنين فحرك إلى النصب .

المسألة الثانية : في قوله : { يقيموا } وجهان : الأول : يجوز أن يكون جوابا لأمر محذوف هو المقول تقديره : قل لعبادي الذين آمنوا أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا . الثاني : يجوز أن يكون هو أمرا مقولا محذوفا منه لام الأمر ، أي ليقيموا كقولك : قل لزيد ليضرب عمرا وإنما جاز حذف اللام ، لأن قوله : { قل } عوض منه ولو قيل ابتداء يقيموا الصلاة لم يجز .

المسألة الثالثة : أن الإنسان بعد الفراغ من الإيمان لا قدرة له على التصرف في شيء إلا في نفسه أو في ماله . أما النفس فيجب شغلها بخدمة المعبود في الصلاة . وأما المال فيجب صرفه إلى البذل في طاعة الله تعالى . فهذه الثلاثة هي الطاعات المعتبرة ، وهي الإيمان والصلاة والزكاة وتمام ما يجب أن يقال في هذه الأمور الثلاثة ذكرناه في قوله تعالى : { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } .

المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : الآية تدل على أن الرزق لا يكون حراما ، لأن الآية دلت على أن الإنفاق من الرزق ممدوح ، ولا شيء من الإنفاق من الحرام بممدوح . فينتج أن الرزق ليس بحرام . وقد مر تقرير هذا الكلام مرارا .

المسألة الخامسة : في انتصاب قوله : { سرا وعلانية } وجوه : أحدها : أن يكون على الحال أي ذوي سر وعلانية بمعنى مسرين ومعلنين . وثانيها : على الظرف أي وقت سر وعلانية . وثالثها : على المصدر أي إنفاق سر وإنفاق علانية . والمراد إخفاء التطوع وإعلان الواجب .

واعلم أنه تعالى لما أمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة قال : { من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال } قال أبو عبيدة : البيع ههنا الفداء والخلال المخالة ، وهو مصدر من خاللت خلالا ومخالة ، وهي المصادقة . قال مقاتل : إنما هو يوم لا بيع فيه ولا شراء ولا مخالة ولا قرابة ، فكأنه تعالى يقول : أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في مثل هذا اليوم الذي لا تحصل فيه مبايعة ولا مخالة . ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة البقرة : { لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة } .

فإن قيل : كيف نفى المخالة في هاتين الآيتين ، مع أنه تعالى أثبتها في قوله : { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } .

قلنا : الآية الدالة على نفي المخالة محمولة على نفي المخالة بسبب ميل الطبيعة ورغبة النفس ، والآية الدالة على ثبوت المخالة محمولة على حصول المخالة الحاصلة بسبب عبودية الله تعالى ، ومحبة الله تعالى ، والله أعلم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ} (31)

المفردات :

لا بيع فيه : لا فدية فيه .

ولا خلال : الخلال معناه : المخالة وهي : الموادة ، أو جمع خليل ، وهو الصديق ، أو جمع خلة ، بضم الخاء وتشديد اللام مفتوحة ، وهي : الصداقة .

التفسير :

{ قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة . . . } .

من طبيعة القرآن الكريم المراوحة في الحديث ، والتنقل بين الحديث عن الكافرين ، وتوجيه الخطاب إلى المؤمنين .

والمعنى : قل يا محمد لعبادي ، الذين استجابوا لدعوة ربهم :

{ يقيموا الصلاة } . يحافظوا على إقامة الصلاة في أوقاتها ، مع خشوعها وخضوعها وحضور القلب فيها ، وإتمام أركانها ؛ حتى تؤدي دورها في إصلاح الفرد والمجتمع .

{ وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية } . ويقدموا للفقراء والمساكين والمحتاجين ، جانبا من المال الذي استخلفهم الله فيه ، سواء أكان على وجه الصدقة فالإسرار فيه أفضل ، أم كان على وجه الزكاة فالإعلان فيه أفضل .

{ من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال } .

أي : يقيموا الصلاة والعبادة ، والزكاة والصدقات في هذه الدنيا ، من قبل أن يجيء يوم القيامة ففي هذا اليوم لا يستطيع المقصر في العمل أن يفدي نفسه ، بالبيع والشراء ، ولا يستطيع الخليل أن ينقذ خليله من أهوال هذا اليوم ؛ لأن العملة الوحيدة في ذلك اليوم هي العمل الصالح ، الذي قدمه الإنسان في دنياه .

وفي هذا المعنى يقول الله تبارك وتعالى : { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون }( البقرة : 254 ) .

وعلى لسان إبراهيم الخليل يقول سبحانه : { ولا تخزني يوم يبعثون* يوم لا ينفع مال ولا بنون* إلا من أتى الله بقلب سليم }( الشعراء : 87 89 ) .