قوله تعالى { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا }
المسألة الأولى : أنه تعالى لما قال في الآية الأولى : { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه } ومعناه : أن كل أحد مختص بعمل نفسه ، عبر عن هذا المعنى بعبارة أخرى أقرب إلى الأفهام وأبعد عن الغلط فقال : { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها } يعني أن ثواب العمل الصالح مختص بفاعله ، ولا يتعدى منه إلى غيره ، ويتأكد هذا بقوله : { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى } قال الكعبي : الآية دالة على أن العبد متمكن من الخير والشر ، وأنه غير مجبور على عمل بعينه أصلا لأن قوله : { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها } إنما يليق بالقادر على الفعل المتمكن منه كيف شاء وأراد ، أما المجبور على أحد الطرفين ، الممنوع من الطرف الثاني فهذا لا يليق به .
المسألة الثانية : أنه تعالى أعاد تقرير أن كل أحد مختص بأثر عمل نفسه بقوله : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } قال الزجاج : يقال وزر يزر فهو وازر ، ووزر ووزرا وزرة ، ومعناه : أثم يأثم قال : وفي تأويل الآية وجهان : الأول : أن المذنب لا يؤاخذ بذنب غيره ، وأيضا غيره لا يؤاخذ بذنبه بل كل أحد مختص بذنب نفسه . والثاني : أنه لا ينبغي أن يعمل الإنسان بالإثم ، لأن غيره عمله كما قال الكفار : { إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون } .
واعلم أن الناس تمسكوا بهذه الآية في إثبات أحكام كثيرة .
قال الجبائي في الآية دلالة على أنه تعالى لا يعذب الأطفال بكفر آبائهم ، وإلا لكان الطفل مؤاخذا بذنب أبيه ، وذلك على خلاف ظاهر هذه الآية .
روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إن الميت ليعذب ببكاء أهله » فعائشة طعنت في صحة هذا الخبر ، واحتجت على صحة ذلك الطعن بقوله تعالى : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } فإن تعذيب الميت بسبب بكاء أهله أخذ للإنسان بجرم غيره ، وذلك خلاف هذه الآية .
قال القاضي : دلت هذه الآية على أن الوزر والإثم ليس من فعل الله تعالى . وبيانه من وجوه : أحدها : أنه لو كان كذلك لامتنع أن يؤاخذ العبد به كما لا يؤاخذ بوزر غيره . وثانيها : أنه كان يجب ارتفاع الوزر أصلا ، لأن الوزر إنما يصح أن يوصف بذلك إذا كان مختارا يمكنه التحرز ، ولهذا المعنى لا يوصف الصبي بهذا .
أن جماعة من قدماء الفقهاء امتنعوا من ضرب الدية على العاقلة ، وقالوا : لأن ذلك يقتضي مؤاخذة الإنسان بسبب فعل الغير ، وذلك على مضادة هذه الآية .
وأجيب عنه بأن المخطئ ليس بمؤاخذ على ذلك الفعل ، فكيف يصير غيره مؤاخذا بسبب ذلك الفعل ، بل ذلك تكليف واقع على سبيل الابتداء من الله تعالى .
المسألة الثالثة : قال أصحابنا : وجوب شكر المنعم لا يثبت بالعقل بل بالسمع ، والدليل عليه قوله تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } وجه الاستدلال أن الوجوب لا تتقرر ماهيته إلا بترتيب العقاب على الترك ، ولا عقاب قبل الشرع بحكم هذه الآية ، فوجب أن لا يتحقق الوجوب قبل الشرع . ثم أكدوا هذه الآية بقوله تعالى : { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } وبقوله : { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى } .
ولقائل أن يقول : هذا الاستدلال ضعيف ، وبيانه من وجهين : الأول : أن نقول : لو لم يثبت الوجوب العقلي لم يثبت الوجوب الشرعي البتة ، وهذا باطل فذاك باطل بيان الملازمة من وجوه :
أحدها : أنه إذا جاء المشرع وادعى كونه نبيا من عند الله تعالى وأظهر المعجزة ، فهل يجب على المستمع استماع قوله والتأمل في معجزاته أو لا يجب ؟ فإن لم يجب فقد بطل القول بالنبوة . وإن وجب ، فإما أن يجب بالعقل أو بالشرع فإن وجب بالعقل فقد ثبت الوجوب العقلي ، وإن وجب بالشرع فهو باطل ، لأن ذلك الشرع إما أن يكون هو ذلك المدعي أو غيره ، والأول باطل لأنه يرجع حاصل الكلام إلى أن ذلك الرجل يقول : الدليل على أنه يجب قبول قولي أني أقول إنه يجب قبول قولي ، وهذا إثبات للشيء بنفسه ، وإن كان ذلك الشارع غيره كان الكلام فيه كما في الأول : ولزم إما الدور أو التسلسل وهما محالان . وثانيها : أن الشرع إذا جاء وأوجب بعض الأفعال ، وحرم بعضها فلا معنى للإيجاب والتحريم ، إلا أن يقول : لو تركت كذا وفعلت كذا لعاقبتك فنقول : إما أن يجب عليه الاحتراز عن العقاب أو لا يجب ، فلو لم يجب عليه الاحتراز عن العقاب لم يتقرر معنى الوجوب البتة ، وهذا باطل فذاك باطل ، وإن وجب عليه الاحتراز عن العقاب ، فإما أن يجب بالعقل أو بالسمع ، فإن وجب بالعقل فهو المقصود ، وإن وجب بالسمع لم يتقرر معنى هذا الوجوب إلا بسبب ترتيب العقاب عليه ، وحينئذ يعود التقسيم الأول ويلزم التسلسل وهو محال . وثالثها : أن مذهب أهل السنة أنه يجوز من الله تعالى أن يعفو عن العقاب على ترك الواجب وإذا كان كذلك كانت ماهية الوجوب حاصلة مع عدم العقاب ، فلم يبق إلا أن يقال : إن ماهية الواجب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من العقاب ، وهذا الخوف حاصل بمحض العقل ، فثبت أن ماهية الوجوب إنما تحصل بسبب هذا الخوف ، وثبت أن هذا الخوف حاصل بمجرد العقل ، فلزم أن يقال : الوجوب حاصل بمحض العقل .
فإن قالوا : ماهية الوجوب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من الذم .
قلنا : إنه تعالى إذا عفا فقد سقط الذم ، فعلى هذا ماهية الوجوب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من الذم وذلك حاصل بمحض العقل ، فثبت بهذه الوجوه أن الوجوب العقلي لا يمكن دفعه .
وإذا ثبت هذا فنقول : في الآية قولان : الأول : أن نجري الآية على ظاهرها . ونقول : العقل هو رسول الله إلى الخلق ، بل هو الرسول الذي لولاه لما تقررت رسالة أحد من الأنبياء ، فالعقل هو الرسول الأصلي ، فكان معنى الآية وما كنا معذبين حتى نبعث رسول العقل . والثاني : أن نخصص عموم الآية فنقول : المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفة وجوبها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع ، وتخصيص العموم وإن كان عدولا عن الظاهر إلا أنه يجب المصير إليه عند قيام الدلائل ، وقد بينا قيام الدلائل الثلاثة ، على أنا لو نفينا الوجوب العقلي لزمنا نفي الوجوب الشرعي ، والله أعلم .
واعلم أن الذي نرتضيه ونذهب إليه أن مجرد العقل سبب في أن يجب علينا فعل ما ينتفع به ، وترك ما يتضرر به ، أما مجرد العقل لا يدل على أنه يجب على الله تعالى شيء . وذلك لأنا مجبولون على طلب النفع والاحتراز عن الضرر ، فلا جرم كان العقل وحده كافيا في الوجوب في حقنا والله تعالى منزه عن طلب النفع والهرب من الضرر ، فامتنع أن يحكم العقل عليه بوجوب فعل أو ترك فعل ، والله أعلم .
15-{ من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه } .
من اهتدى بهداية القرآن وعمل بما في تضاعيفه من الأحكام وانتهى عما نهاه ؛ فإنما تعود منفعة اهتدائه إلى نفسه لا تتخطاه إلى غيره ممن لا يهتدي ، ومن ظل . أي : عن الطريقة التي يهديه إليها ؛ فإنما يضل عليها . أي : وبال ضلاله عليها ، لا على من عداه ممن لم يباشر الضلال ، فقوله : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } . مؤكد لما قبله للاهتمام به .
أي : لا تحمل نفس حاملة للوزر ، وزر نفس أخرى حتى يمكن تخلص النفس الثانية عن وزرها ويختل ما بين العامل وعمله من التلازم بل إنما تحمل كل منهما وزرها . وهذا تحقيق لمعنى قوله عز وجل { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه } . 1 ه .
وفي الآية تقرير لمبدأ التبعة الفردية التي تربط كل إنسان بنفسه وتجعله مسئولا عن عمله ، إن اهتدى فلنفسه وإن ضل فعليها ، وما من نفس تحمل وزر أخرى ، وما من أحد يخفف حمل أحد إنما يسأل كل عن عمله ويجزى كل بعمله ولا يسأل حميم حميما .
إن الله سبحانه لا يحاسب الناس جملة بالقائمة إنما يحاسبهم فردا فردا كل على عمله وفي حدود واجبه ، ومن واجب الفرد أن ينصح وأن يحاول الإصلاح غاية جهده ، فإذا قام بقسطه هذا فما عليه من السوء في الجماعة التي يعيش فيها فإنما هو محاسب على إحسانه ، كذلك لن ينفعه صلاح الجماعة إذا كان هو بذاته غير صالح .
على هذا نرى الإسلام ينكر أشد الإنكار فكرة بيع صكوك الغفران القائمة على أن كنوز الصالحات تدخر من أعمال الصالحين ؛ ليباع منها لغيرهم ، تلك الفكرة تناقض أصولا مشهورة ونصوصا صريحة في القرآن ، والآيات المناهضة لفكرة بيع التوبة وكنوز الصالحين كثيرة في القرآن ، منها :
قوله تعالى : { كل نفس بما كسبت رهينة } . ( المدثر : 38 ) .
وقوله سبحانه : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } . ( البقرة : 286 ) .
والآية التي نفسرها : { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى . . . } إلى غير ذلك من الشواهد التي تؤيد أن لكل نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت .
كذلك لا غرابة في أن ينكر الإسلام الاعتراف بالذنب لرجل الدين حتى تصح التوبة ويمحى الذنب ؛ إذ أساس الإسلام أن الله وحده يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات .
{ وما كنا معذّبين حتى نبعث رسولا } .
أي : وما صح وما استقام منا أن نعذب قوما قبل أن نبعث إليهم رسولا يهديهم إلى الحق ويردعهم عن الضلال ؛ إقامة للحجة وقطعا للعذر ، والعذاب أعم من الدنيوي لقوله تعالى : { ولو أنّا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذلّ ونخزى } . ( طه : 134 ) .
وقال تعالى : { كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذّبنا وقلنا ما نزّل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير } . ( الملك : 9 ، 8 ) .
إلى نحو ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى لا يدخل أحدا النار ، إلا بعد إرسال الرسل إليه .
قال قتادة : إن الله لا يعذب أحدا حتى يتقدم إليه بخير أو بينة ولا يعذب أحدا بذنبه .
وخلاصة ذلك : أن سنتنا المبنية على الحكم العالية ألا نعذب أحدا أي نوع من العذاب الدنيوي أو الأخروي على فعل شيء أو تركه ؛ إلا إذا أرسلنا إليه رسولا يهدي إلى الحق ويردع عن الضلال ويقيم الحج ويبلغ الدعوة .
قال الإمام الغزالي : الناس بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم أصناف ثلاثة :
( أ ) من لم تبلغهم دعوته ولم يسمعوا به أصلا وأولئك مقطوع لهم بالجنة .
( ب ) من بلغتهم دعوته وظهور المعجزات على يديه ، وما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الأخلاق العظيمة والصفات الكريمة ، ولم يؤمنوا به كالكفرة الذين بين ظهرانينا ؛ وأولئك مقطوع لهم بالنار .
( ج ) من بلغتهم دعوته صلى الله عليه وسلم وسمعوا به ولكن كما يسمع أحدنا الدجالين وحاشا قدره الشريف عن ذلك وهؤلاء أرجو لهم الجنة إذا لم يسمعوا ما يرغبهم في الإيمان به .
يريد الغزالي بهذا أنهم سمعوا عنه أخبارا مكذوبة وعن دينه أخبارا لا تنطبق على حقيقته كما يفعل رجال الكنائس في تشويه أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه مزواج مطلاق وأنه كان متهالكا في حب النساء ، وأن دينه دين وثنية ؛ لأنه كان يسجد للكعبة وأنه خالف جميع الأنبياء واتجه إليها ولم يتجه إلى بيت المقدس ، وأن القرآن كثير المتناقضات كثير التكرار للقصص وفيه كذب ، إلى نحو أولئك مما يقولون وهم لا يقولون إلا ترهات وأباطيل .
فالشرط عند الغزالي أن تبلغ الإنسان الرسالة على نحو يحرك فيه داعية القبول . فلو لم تبلغه الرسالة أو بلغته بصورة مشوهة فليس من حكمة الله أن يعذبه لقوله سبحانه : { وما كنا معذبين حتى نبحث رسولا } .
قال صاحب الكشاف : معناها : ما يصح منا صحة تدعو إليها الحكمة أن نعذب قوما إلا بعد أن نبعث إليهم رسولا فيلزمهم الحجة .