مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} (1)

مقدمة السورة:

" بني إسرائيل "

عن ابن عباس أنها مكية ، غير قوله : { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض } إلى قوله : { واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا } فإنها مدنيات ، نزلت حين جاء وفد ثقيف .

{ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير }

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : قال النحويون : { سبحان } اسم علم للتسبيح . يقال : سبحت الله تسبيحا وسبحانا ، فالتسبيح هو المصدر ، وسبحان : اسم علم للتسبيح كقولك : كفرت اليمين تكفيرا وكفرانا وتفسيره تنزيه الله تعالى من كل سوء . قال صاحب «النظم » : السبح في اللغة : التباعد ، يدل عليه قوله تعالى : { إن لك في النهار سبحا } أي تباعدا فمعنى : سبح الله تعالى ، أي بعده ونزهه عما لا ينبغي وتمام المباحث العقلية في لفظ التسبيح قد ذكرناها في أول سورة الحديد ، وقد جاء في لفظ التسبيح معان أخرى : أحدها : أن التسبيح يذكر بمعنى الصلاة ، ومنه قوله تعالى : { فلولا أنه كان من المسبحين } أي من المصلين ، والسبحة : الصلاة النافلة ، وإنما قيل للمصلي مسبح ، لأنه معظم لله بالصلاة ومنزه له عما لا ينبغي . وثانيها : ورد التسبيح بمعنى الاستثناء في قوله تعالى : { قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون } أي تستثنون وتأويله أيضا يعود إلى تعظيم الله تعالى في الاستثناء بمشيئته . وثالثها : جاء في الحديث : " لأحرقت سبحات وجهه ما أدركت من شيء " قيل معناه نور وجهه ، وقيل : سبحات وجهه ، نور وجهه الذي إذا رآه الرائي قال : سبحان الله ، وقوله : { أسرى } قال أهل اللغة : أسرى وسرى لغتان : وقوله : { بعبده } أجمع المفسرون على أن المراد محمد عليه الصلاة والسلام ، وسمعت الشيخ الإمام الوالد عمر بن الحسين رحمه الله قال : سمعت الشيخ الإمام أبا القاسم سليمان الأنصاري قال : لما وصل محمد صلوات الله عليه إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة في المعراج أوحى الله تعالى إليه : يا محمد بم أشرفك ؟ قال : { يا رب بأن تنسبني إلى نفسك بالعبودية } فأنزل الله فيه : { سبحان الذي أسرى بعبده } وقوله : { ليلا } نصب على الظرف .

فإن قيل : الإسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذكر الليل ؟

قلنا : أراد بقوله : { ليلا } بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء . وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة ، وذلك أن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية ، واختلفوا في ذلك الليل قال مقاتل : كان ذلك الليل قبل الهجرة بسنة ، ونقل صاحب «الكشاف » عن أنس والحسين أنه كان ذلك قبل البعثة . وقوله : { من المسجد الحرام } اختلفوا في المكان الذي أسرى به منه ، فقيل هو المسجد الحرام بعينه . وهو الذي يدل عليه ظاهر لفظ القرآن ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :

" بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق " وقيل أسري به من دار أم هانئ بنت أبي طالب . والمراد على هذا القول بالمسجد الحرام : الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به ، وعن ابن عباس : الحرم كله مسجد ، وهذا قول الأكثرين وقوله : { إلى المسجد الأقصى } اتفقوا على أن المراد منه بيت المقدس . وسمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام وقوله : { الذي باركنا حوله } قيل بالثمار والأزهار ، وقيل بسبب أنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة .

واعلم أن كلمة { إلى } لانتهاء الغاية فمدلول قوله : { إلى المسجد الأقصى } أنه وصل إلى حد ذلك المسجد فأما أنه دخل ذلك المسجد أم لا فليس في اللفظ دلالة عليه ، وقوله : { لنريه من آياتنا } يعني ما رأى في تلك الليلة من العجائب والآيات التي تدل على قدرة الله تعالى .

فإن قالوا : قوله : { لنريه من آياتنا } يدل على أنه تعالى ما أراه إلا بعض الآيات ، لأن كلمة { من } تفيد التبعيض ، وقال في حق إبراهيم : { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض } فيلزم أن يكون معراج إبراهيم عليه السلام أفضل من معراج محمد صلى الله عليه وسلم .

قلنا : الذي رآه إبراهيم ملكوت السموات والأرض ، والذي رآه محمد صلى الله عليه وسلم بعض آيات الله تعالى ، ولا شك أن آيات الله أفضل .

ثم قال : { إنه هو السميع العليم } أي أن الذي أسرى بعبده هو السميع لأقوال محمد ، البصير بأفعاله ، العالم بكونها مهذبة خالصة عن شوائب الرياء ، مقرونة بالصدق والصفاء ، فلهذا السبب خصه الله تعالى بهذه الكرامات ، وقيل : المراد سميع لما يقولون للرسول في هذا الأمر ، بصير بما يعملون في هذه الواقعة .

المسألة الثانية : اختلف في كيفية ذلك الإسراء ، فالأكثرون من طوائف المسلمين اتفقوا على أنه أسرى بجسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والأقلون قالوا : إنه ما أسري إلا بروحه ، حكي عن محمد بن جرير الطبري في «تفسيره » عن حذيفة أنه قال : ذلك رؤيا . وأنه ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما أسري بروحه ، وحكي هذا القول أيضا عن عائشة رضي الله عنها ، وعن معاوية رضي الله عنه . واعلم أن الكلام في هذا الباب يقع في مقامين : أحدهما : في إثبات الجواز العقلي . والثاني : في الوقوع .

أما المقام الأول : وهو إثبات الجواز العقلي ، فنقول : الحركة الواقعة في السرعة إلى هذا الحد ممكنة في نفسها . والله تعالى قادر على جميع الممكنات ، وذلك يدل على أن حصول الحركة في هذا الحد من السرعة غير ممتنع ، فنفتقر ههنا إلى بيان مقدمتين :

المقدمة الأولى : في إثبات أن الحركة الواقعة إلى هذا الحد ممكنة في نفسها ويدل عليه وجوه :

الوجه الأول : أن الفلك الأعظم يتحرك من أول الليل إلى آخره ما يقرب من نصف الدور وقد ثبت في الهندسة أن نسبة القطر الواحد إلى الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة وسبع ، فيلزم أن تكون نسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة وسبع . وبتقدير أن يقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتفع من مكة إلى ما فوق الفلك الأعظم فهو لم يتحرك إلا بمقدار نصف القطر ، فلما حصل في ذلك القدر من الزمان حركة نصف الدور فكان حصول الحركة بمقدار نصف القطر أولى بالإمكان ، فهذا برهان قاطع على أن الارتقاء من مكة إلى ما فوق العرش في مقدار ثلث من الليل أمر ممكن في نفسه ، وإذا كان كذلك كان حصوله في كل الليل أولى بالإمكان ، والله أعلم .

الوجه الثاني : وهو أنه ثبت في الهندسة أن قرص الشمس يساوي كرة الأرض مائة وستين وكذا مرة . ثم إنا نشاهد أن طلوع القرص يحصل في زمان لطيف سريع ، وذلك يدل على أن بلوغ الحركة في السرعة إلى الحد المذكور أمر ممكن في نفسه .

الوجه الثالث : أنه كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز العالم إلى ما فوق العرش ، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق العرش إلى مركز العالم ، فإن كان القول بمعراج محمد صلى الله عليه وسلم في الليلة الواحدة ممتنعا في العقول ، كان القول بنزول جبريل عليه الصلاة والسلام من العرش إلى مكة في اللحظة الواحدة ممتنعا ، ولو حكمنا بهذا الامتناع كان ذلك طعنا في نبوة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والقول بثبوت المعراج فرع على تسليم جواز أصل النبوة ، فثبت أن القائلين بامتناع حصول حركة سريعة إلى هذا الحد ، يلزمهم القول بامتناع نزول جبريل عليه الصلاة والسلام في اللحظة من العرش إلى مكة ، ولما كان ذلك باطلا كان ما ذكروه أيضا باطلا .

فإن قالوا : نحن لا نقول إن جبريل عليه الصلاة والسلام جسم ينتقل من مكان إلى مكان ، وإنما نقول المراد من نزول جبريل عليه السلام هو زوال الحجب الجسمانية عن روح محمد صلى الله عليه وسلم حتى يظهر في روحه من المكاشفات والمشاهدات بعض ما كان حاضرا متجليا في ذات جبريل عليه الصلاة والسلام .

قلنا : تفسير الوحي بهذا الوجه هو قول الحكماء ، فأما جمهور المسلمين فهم مقرون بأن جبريل عليه الصلاة والسلام جسم . وأن نزوله عبارة عن انتقاله من عالم الأفلاك إلى مكة ، وإذا كان كذلك كان الإلزام المذكور قويا ، روي أنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر قصة المعراج كذبه الكل ، وذهبوا إلى أبي بكر وقالوا له : إن صاحبك يقول كذا وكذا فقال أبو بكر : إن كان قد قال ذلك فهو صادق ، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الرسول له تلك التفاصيل ، فكلما ذكر شيئا قال أبو بكر صدقت ، فلما تمم الكلام قال أبو بكر : أشهد أنك رسول الله حقا ، فقال له الرسول : وأنا أشهد أنك الصديق حقا ، وحاصل الكلام أن أبا بكر رضي الله عنه كأنه قال لما سلمت رسالته فقد صدقته فيما هو أعظم من هذا فكيف أكذبه في هذا ؟

الوجه الرابع : أن أكثر أرباب الملل والنحل يسلمون وجود إبليس ويسلمون أنه هو الذي يتولى إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم ، ويسلمون أنه يمكنه الانتقال من المشرق إلى المغرب لأجل إلقاء الوساوس في قلوب بني آدم ، فلما سلموا جواز مثل هذه الحركة السريعة في حق إبليس فلأن يسلموا جواز مثلها في حق أكابر الأنبياء كان أولى ، وهذا الإلزام قوي على من يسلم أن إبليس جسم ينتقل من مكان إلى مكان ، أما الذين يقولون إنه من الأرواح الخبيثة الشريرة وأنه ليس بجسم ولا جسماني ، فهذا الإلزام غير وارد عليهم ، إلا أن أكثر أرباب الملل والنحل يوافقون على أنه جسم لطيف متنقل .

فإن قالوا : هب أن الملائكة والشياطين يصح في حقهم حصول مثل هذه الحركة السريعة لأنهم أجسام لطيفة ، ولا يمتنع حصول مثل هذه الحركة السريعة في ذواتها ، أما الإنسان فإنه جسم كثيف فكيف يعقل حصول مثل هذه الحركة السريعة فيه ؟

قلنا : نحن إنما استدللنا بأحوال الملائكة والشياطين على أن حصول حركة منتهية في السرعة إلى هذا الحد ممكن في نفس الأمر ، وأما بيان أن هذه الحركة لما كانت ممكنة الوجود في نفسها كانت أيضا ممكنة الحصول في جسم البدن الإنساني ، فذاك مقام آخر سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى

الوجه الخامس : أنه جاء في القرآن أن الرياح كانت تسير بسليمان عليه الصلاة والسلام إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة قال تعالى في صفة مسير سليمان عليه الصلاة والسلام : { غدوها شهر ورواحها شهر } بل نقول : الحس يدل على أن الرياح تنتقل عند شدة هبوبها من مكان إلى مكان في غاية البعد في اللحظة الواحدة ، وذلك أيضا يدل على أن مثل هذه الحركة السريعة في نفسها ممكنة .

الوجه السادس : أن القرآن يدل على أن الذي عنده علم من الكتاب أحضر عرش بلقيس من أقصى اليمن إلى أقصى الشام في مقدار لمح البصر بدليل قوله تعالى : { قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } وإذا كان ممكنا في حق بعض الناس ، علمنا أنه في نفسه ممكن الوجود .

الوجه السابع : إن من الناس من يقول : الحيوان إنما يبصر المبصرات لأجل أن الشعاع يخرج من عينيه ويتصل بالمبصر ثم إنا إذا فتحنا العين ونظرنا إلى رجل رأيناه فعلى قول هؤلاء انتقل شعاع العين من أبصارنا إلى رجل في تلك اللحظة اللطيفة ، وذلك يدل على أن الحركة الواقعة على هذا الحد من السريعة من الممكنات لا من الممتنعات ، فثبت بهذه الوجوه أن حصول الحركة المنتهية في السرعة إلى هذا الحد أمر ممكن الوجود في نفسه .

المقدمة الثانية : في بيان أن هذه الحركة لما كانت ممكنة الوجود في نفسها وجب أن لا يكون حصولها في جسد محمد صلى الله عليه وسلم ممتنعا ، والذي يدل عليه أنا بينا بالدلائل القطعية أن الأجسام متماثلة في تمام ماهياتها ، فلما صح حصول مثل هذه الحركة في حق بعض الأجسام وجب إمكان حصولها في سائر الأجسام ، وذلك يوجب القطع بأن حصول مثل هذه الحركة في جسد محمد صلى الله عليه وسلم أمر ممكن الوجود في نفسه .

وإذا ثبت هذا فنقول : ثبت بالدليل أن خالق العالم قادر على كل الممكنات ، وثبت أن حصول الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد في جسد محمد صلى الله عليه وسلم ممكن ، فوجب كونه تعالى قادرا عليه وحينئذ يلزم من مجموع هذه المقدمات أن القول بثبوت هذا المعراج أمر ممكن الوجود في نفسه ، أقصى ما في الباب أنه يبقى التعجب ، إلا أن هذا التعجب غير مخصوص بهذا المقام ، بل هو حاصل في جميع المعجزات ، فانقلاب العصا ثعبانا تبلغ سبعين ألف حبل من الحبال والعصي ، ثم تعود في الحال عصا صغيرة كما كانت أمر عجيب ، وخروج الناقة العظيمة من الجبل الأصم ، وإظلال الجبل العظيم في الهواء عجيب ، وكذا القول في جميع المعجزات فإن كان مجرد التعجب يوجب الإنكار والدفع ، لزم الجزم بفساد القول بإثبات المعجزات ، وإثبات المعجزات فرع على تسليم أصل النبوة وإن كان مجرد التعجب لا يوجب الإنكار والإبطال فكذا ههنا ، فهذا تمام القول في بيان أن القول بالمعراج ممكن غير ممتنع ، والله أعلم .

المقام الثاني : في البحث عن وقوع المعراج قال أهل التحقيق : الذي يدل على أنه تعالى أسرى بروح محمد صلى الله عليه وسلم وجسده من مكة إلى المسجد الأقصى القرآن والخبر ، أما القرآن فهو هذه الآية ، وتقرير الدليل أن العبد اسم لمجموع الجسد والروح ، فوجب أن يكون الإسراء حاصلا لمجموع الجسد والروح .

واعلم أن هذا الاستدلال موقوف على أن الإنسان هو الروح وحده أو الجسد وحده أو مجموع الجسد والروح ، أما القائلون بأن الإنسان هو الروح وحده ، فقد احتجوا عليه بوجوه : أحدها : أن الإنسان شيء واحد باق من أول عمره إلى آخر ، والأجزاء البدنية في التبدل والتغير والانتقال ، والباقي غير متبدل ، فالإنسان مغاير لهذا البدن . وثانيها : أن الإنسان قد يكون عارفا بذاته المخصوصة حال ما يكون غافلا عن جميع أجزائه البدنية ، والمعلوم مغاير للمغفول عنه ، فالإنسان مغاير لهذا البدن . وثالثها : أن الإنسان يقول بمقتضى فطرته السليمة يدي ورجلي ودماغي وقلبي ، وكذا القول في سائر الأعضاء فيضيف كلها إلى ذاته المخصوصة . والمضاف غير المضاف إليه فذاته المخصوصة وجب أن تكون مغايرة لكل هذه الأعضاء .

فإن قالوا : أليس أنه يضيف ذاته إلى نفسه ، فيقول ذاتي ونفسي فيلزمكم أن تكون نفسه مغايرة لذاته ، وهذا محال .

قلنا : نحن لا نتمسك بمجرد اللفظ حتى يلزمنا ما ذكرتموه ، بل إنما نتمسك بمحض العقل ، فإن صريح العقل يدل على أن الإنسان موجود واحد ، وذلك الشيء الواحد يأخذ بآلة اليد ويبصر بآلة العين ، ويسمع بآلة الأذن ، فالإنسان شيء واحد ، وهذه الأعضاء آلات له في هذه الأفعال ، وذلك يدل على أن الإنسان شيء مغاير لهذه الأعضاء والآلات ، فثبت بهذه الوجوه أن الإنسان شيء مغاير لهذه البنية ولهذا الجسد .

إذا ثبت هذا فنقول : { سبحان الذي أسرى بعبده } المراد من العبد جوهر الروح وعلى هذا التقدير فلم يبق في الآية دلالة على حصول الإسراء بالجسد .

فإن قالوا : فالإسراء بالروح ليس بأمر مخالف للعادة ، فلا يليق به أن يقال : { سبحان الذي أسرى بعبده } .

قلنا : هذا أيضا بعيد ، لأنه لا يبعد أن يقال : إنه حصل لروحه من أنواع المكاشفات والمشاهدات ما لم يحصل لغيره البتة ، فلا جرم كان هذا الكلام لائقا به ، فهذا تقرير وجه السؤال على الاستدلال بهذه الآية في إثبات المعراج بالروح والجسد معا .

والجواب : أن لفظ العبد لا يتناول إلا مجموع الروح والجسد ، والدليل عليه قوله تعالى : { أرأيت الذي ينهى * عبدا إذا صلى } ولا شك أن المراد من العبد ههنا مجموع الروح والجسد . وقال أيضا في سورة الجن : { وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا } والمراد مجموع الروح والجسد فكذا ههنا ، وأما الخبر فهو الحديث المروي في الصحاح وهو مشهور وهو يدل على الذهاب من مكة إلى بيت المقدس ، ثم منه إلى السموات ، واحتج المنكرون له بوجوه : أحدها : بالوجوه العقلية وهي ثلاثة : أولها : أن الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة . وثانيها : أن صعود الجرم الثقيل إلى السموات غير معقول . وثالثها : أن صعوده إلى السموات يوجب انحراق الأفلاك ، وذلك محال .

والشبهة الثانية : أن هذا المعنى لو صح لكان أعظم من سائر المعجزات . وكان يجب أن يظهر ذلك عند اجتماع الناس حتى يستدلوا به على صدقه في ادعاء النبوة ، فأما أن يحصل ذلك في وقت لا يراه أحد ولا يشاهده أحد ، فإنه يكون ذلك عبثا ، وذلك لا يليق بالحكيم .

والشبهة الثالثة : تمسكوا بقوله : { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } وما تلك الرؤيا إلا حديث المعراج ، وإنما كان فتنة للناس ؟ لأن كثيرا ممن آمن به لما سمع هذا الكلام كذبه وكفر به فكان حديث المعراج سببا لفتنة الناس ، فثبت أن ذلك رؤيا رآه في المنام .

الشبهة الرابعة : أن حديث المعراج اشتمل على أشياء بعيدة ، منها ما روي من شق بطنه وتطهيره بما زمزم وهو بعيد ، لأن الذي يمكن غسله بالماء هو النجاسات العينية ولا تأثير لذلك في تطهير القلب عن العقائد الباطلة والأخلاق المذمومة ، ومنها ما روي من ركوب البراق وهو بعيد ، لأنه تعالى لما سيره من هذا العالم إلى عالم الأفلاك ، فأي حاجة إلى البراق ، ومنها ما روي أنه تعالى أوجب خمسين صلاة ثم إن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يزل يتردد بين الله تعالى وبين موسى إلى أن عاد الخمسون إلى خمس بسبب شفقة موسى عليه الصلاة والسلام . قال القاضي : وهذا يقتضي نسخ الحكم قبل حضوره ، وأنه يوجب البداء وذلك على الله تعالى محال ، فثبت أن ذلك الحديث مشتمل على ما لا يجوز قبوله فكان مردودا .

والجواب عن الوجوه العقلية قد سبق فلا نعيدها .

والجواب عن الشبهة الثانية : ما ذكره الله تعالى وهو قوله : { لنريه من آياتنا } وهذا كلام مجمل وفي تفصيله وشرحه وجوه : الأول : أن خيرات الجنة عظيمة ، وأهوال النار شديدة ، فلو أنه عليه الصلاة والسلام ما شاهدهما في الدنيا ، ثم شاهدهما في ابتداء يوم القيامة فربما رغب في خيرات الجنة أو خاف من أهوال النار ، أما لما شاهدهما في الدنيا في ليلة المعراج فحينئذ لا يعظم وقعهما في قلبه يوم القيامة فلا يبقى مشغول القلب بهما ، وحينئذ يتفرغ للشفاعة . الثاني : لا يمتنع أن تكون مشاهدته ليلة المعراج للأنبياء والملائكة ، صارت سببا لتكامل مصلحته أو مصلحتهم . الثالث : أنه لا يبعد أنه إذا صعد الفلك وشاهد أحوال السموات والكرسي والعرش ، صارت مشاهدة أحوال هذا العالم وأهواله حقيرة في عينه ، فتحصل له زيادة قوة في القلب باعتبارها يكون في شروعه في الدعوة إلى الله تعالى أكمل . وقلة التفاته إلى أعداء الله تعالى أقوى ، يبين ذلك أن من عاين قدرة الله تعالى في هذا الباب ، لا يكون حاله في قوة النفس وثبات القلب على احتمال المكاره في الجهاد وغيره إلا أضعاف ما يكون عليه حال من لم يعاين .

واعلم أن قوله : { لنريه من آياتنا } كالدلالة على أن فائدة ذلك الإسراء مختصة به وعائدة إليه على سبيل التعيين .

والجواب عن الشبهة الثالثة : أنا عند الانتهاء إلى تفسير تلك الآية في هذه السورة نبين أن تلك الرؤيا رؤيا عيان لا رؤيا منام .

والجواب عن الشبهة الرابعة : لا اعتراض على الله تعالى في أفعاله فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، والله أعلم .

المسألة الرابعة : أما العروج إلى السموات وإلى ما فوق العرش ، فهذه الآية لا تدل عليه ، ومنهم من استدل عليه بأول سورة " والنجم " ، ومنهم من استدل عليه بقوله تعالى : { لتركبن طبقا عن طبق } وتفسيرهما مذكور في موضعه ، وأما دلالة الحديث فكما سلف ، والله أعلم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} (1)

مقدمة السورة:

بين يدي السورة

وحدة الرسالات

سورة الإسراء في جملتها تدور حول الرسول والرسالة فتبدأ بالحديث عن الإسراء بدايته ونهايته وغايته وهذا هو العنوان الذي تندرج تحته موضوعات السورة وكلها موضوعات لها أوجه مناسبة بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم .

فقد تحدثت عن بني إسرائيل بمناسبة الحديث عن الإسراء إلى بيت المقدس ، وكان اليهود يعيرون النبي بأنه لم يذهب إلى بيت المقدس مع أن الرسل السابقين قد ذهبت إليه وولدت حوله وهبط عليهم الوحي في معبده ويعيرون بأنه ليس من سلسلة الأنبياء ، فقد اختص الله إبراهيم بأن جعله أبا للأنبياء والمرسلين وجعل الرسالة كلها في عقبه بيد أن جميع المرسلين كانوا من نسل ولده إسحاق ، ثم يعقوب الملقب بإسرائيل وقد أنجب يعقوب اثني عشر سبطا لقبوا بالأسباط{[1]} ، وكان من نسلهم جميع أنبياء بني إسرائيل .

أما النبي محمد صلى الله عليه وسلم فكان وحده من نسل إسماعيل بن إبراهيم ، وقد جعل الله الإسراء إلى بيت المقدس ؛ ليكون بمثابة تدشين لنبوته ثم جعله يصلي إماما بالأنبياء ؛ ليكون هذا اعترافا بأنه أهل الرسالة ، وتشير بعض الآيات في القرآن إلى هذا المعنى{[2]} .

وصلاة النبي بالأنبياء تشير إلى وحدة الرسالات والنبوات وأنها جميعا من عند الله وأن الأنبياء والمرسلين أرسلوا من أجل هداية الناس ودعوتهم إلى التوحيد وإرشادهم إلى الفضائل وتحذيرهم من الرذائل ، فالغاية من الرسالة واحدة والهدف واحد وإن اختلفت الوسائل باختلاف الشعوب وطبائعها ، فمن الأنبياء من حارب رذائل معينة انتشرت بين قومه كتطفيف الكيل الذي جاء به شعيب ، والمثلية الجنسية التي حاربها لوط ، ولكن الأنبياء في الأساس العام دعاة إلى توحيد الله وهداة إلى الفضائل ومكارم الأخلاق ، ولذلك تلتقي الديانات على فكرة التوحيد وحسن السلوك ، وفي سورة الأعراف نجد آيات متلاحقة تتحدث عن رسالة كل نبي وتتشابه جميعها في أنها تبدأ أولا بالدعوة إلى توحيد الله . قال تعالى : { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قومي اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . . . } ( الأعراف : 59 ) .

{ و إلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . . . } ( الأعراف : 65 )

{ وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . . . } ( الأعراف 73 )

فالرسالات متحدة في الأساس العام وهو التوحيد .

ومتخصصة في الفروع التي تعالجها والمشاكل التي تقدم حلولها وبعبارة أخرى : الغاية واحدة والوسيلة مختلفة .

وقد ذكر السيد رشيد رضا في تفسير المنار{[3]} : أن تعدد الرسل يشبه دولة أو جمهورية لها رئيس يحكمها بقانون عام ، وللرئيس نواب عنه يحكمون المحافظات فكل محافظ يتفق مع الآخر في الأساس العام للحكم ويختلف عنه باختلاف طبيعة الأقاليم فلمحافظة السويس أو البحر الأحمر أو الوادي الجديد مثلا تشريعات خاصة بها ، ولكنها تلتقي مع بقية المحافظات في احترام الأساس العام للحكم وتنفيذ دستور الدولة وطاعة رئيسها .

وكذلك الرسل ، الإله الذي أرسلهم إله واحد لا شريك له والدعوة التي أرسلوا بها دعوة واحدة في روحها وهدفها . ولكن الوسيلة لتهذيب السلوك تختلف من نبي إلى آخر ومن شعب لآخر .

ونجد نصوص القرآن والسنة تؤكد هذا المعنى وتأيده . فالقرآن يقول : { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده . . . }

ولذلك نجد المسلم يؤمن بالرسالات كلها وبالرسل والكتب الصحيحة التي أنزلها الله : { قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } . ( البقرة : 136 ) .

وفي الصحيحين{[4]} يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى دارا فأتمها وأكملها إلا موضع لبنة فجعل الناس يقولون لو وضعت هذه اللبنة فأنا هذه اللبنة وأنا خاتم الرسل ) .

ويروي البخاري : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الأنبياء أخوات لعلات{[5]} أمهاتهم شتى ودينهم واحد ){[6]} .

وأبناء العلات هم أبناء الضرائر يكون أبوهم رجلا واحدا وأمهاتهم متعددات ، فكذلك الرسل ربهم الذي أرسلهم إله واحد ورسالاتهم متعددة بتعدد بلادهم .

وقريب من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) .

وفي هذه الوحدة رد على اليهود الذين ادعوا أنهم شعب الله المختار وأن الرسالة لا تكون إلا فيهم وأنهم أبناء الله وأم من عداهم لا يصح أن يكون رسولا .

فالله هو الذي خلق الخلق وهو يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ، والرسالة منة إلهية يعطيها الله من يشاء من عباده .

بل إن الرسل أنفسهم فضل الله بعضهم على بعض فجعل منهم أولي العزم ، الذين تحملوا البلاء أكثر من غيرهم .

قال تعالى : { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } . ( البقرة 253 ) .

وقال سبحانه : { فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل } . ( الأحقاف : 35 ) .

وأولوا العزم من الرسل خمسة هم : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد .

وسموا بأولي العزم لتحملهم من البلاء والجهاد والكفاح أكثر مما تحمله سواهم ، ومن قواعد الإيمان أن تؤمن بالله ربا وخالقا ، وأن تؤمن بأن الله أرسل رسلا لهداية الناس : { رسلا مبشّرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } ( النساء : 165 ) .

وهؤلاء الرسل كثرة كثيرة في تاريخ البشرية الطويل ، وهم علامات مضيئة وشارات ترشد البشرية ، ولا يعلم عددهم إلا الله ، قال تعالى : { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك . . ( غافر : 78 ) .

وقد ورد ذكر كثير من الرسل في القرآن الكريم ، قال تعالى : { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم . ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين . وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين . وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين } . ( الأنعام : 83-86 ) .

بين موسى ومحمد :

كان موسى رسول بني إسماعيل وصاحب الثورات والألواح وصاحب الشريعة التي أرسل على أساسها عيسى ، فلم يأتي عيسى بشرع جديد ، بل كان في دعوته تابعا لتعاليم الثورات وغاية فكرته أن صاح صيحات متتابعة يدعوهم فيها إلى صدق الإيمان والإخلاص ويبعدهم عن حب المادة ويسموا بهم إلى الروحانية الخالصة .

ولذلك يقول عيسى : ما جئت لأنقض الناموس بل لأجدده ، وقال القرآن على لسان الجن : { إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى } . ( الأحقاف : 30 ) .

وفي البخاري يقول ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم : هذا هو الناموس الذي أنزله الله على موسى{[7]} .

فموسى صاحب دين ينتظم القوانين المدنية والشرائع الدينية ، أما عيسى فجاء بفكرة إصلاحية روحية فقط . وقد عادت الكنيسة في الغرب إلى هذه الحدود الدينية وحدها . أما شريعة اليهود فهي شريعة متكاملة ولا ينافسها إلا الإسلام لأنه هو الدين الوحيد الذي يناظر اليهودية في اشتماله على منهج ونظام مدني وديني . وقد استقبل الأنبياء والمرسلون رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ورحبوا به وقال له كل نبي : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح وهذا دليل على أن الأنبياء والمرسلين إخوة في المهمة التي كلفوا بها والدعوة التي وقفوا حياتهم من أجلها .

استقبل النبي صلى الله عليه وسلم في السماء الأولى آدم ، وفي الثانية يحيى وعيسى ، وفي الثالثة يوسف ، وفي الرابعة إدريس ، وفي الخامسة هارون ، وفي السادسة موسى ، وفي السابعة إبراهيم ، وقد بكى موسى عند وداع النبي صلى الله عليه وسلم له ، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم : ما يبكيك يا موسى ؟ قال : أبكي لأن غلاما بعث من بعدي سيدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتي . وهو بكاء الغبطة لا بكاء الحسد ، ولعل موسى قد تذكر أنه طلب رؤية الله فلم يجب إلى ذلك قال تعالى : { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين . ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني . . . } ( الأعراف : 142 ، 143 ) .

ثم إن موسى رأى النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء ، يأخذ ليلا ويركب البراق وجبريل في الركاب ويصلي إماما بالأنبياء ويصعد في السماوات العلا ويرى من فضل الله ما يرى وتحوطه عناية الله وفضل الله ويرى الجنة ونعيمها ويرى الملأ الأعلى يخصونه بالسلام والتحية . وتلك كلها خصائص اختص الله بها محمدا عليه الصلاة والسلام .

وحين فرض الله على النبي صلى الله عليه وسلم خمسين صلاة رجع إلى الهبوط ، فمر بموسى في السماء السادسة ، فقال له : ماذا أعطاك ربك ؟ قال : خمسين صلاة ، فقال له موسى : ارجع إلى ربك ، فاسأله التخفيف ، فإن أمتك لا تطيق ذلك ، وإني جاهدت بني إسرائيل قبلك . وعاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه ، فسأله التخفيف ، فحط عنه عشر صلوات ، فلما رجع إلى موسى ، قال له : ارع إلى ربك فاسأله التخفيف ، وتكررت توصية موسى للنبي صلى الله عليه وسلم مرارا حتى أصبحت خمس صلوات ، ثم قال الله له : { يا محمد ، هي خمس في العمل ، وخمسون في الثواب ، والحسنة بعشر أمثالها ، لا يبدل القول لدي ، وما أنا بظلام للعبيد } . وقد عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى موسى فقال له : ماذا أعطاك ربك ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : خمس صلوات ، فقال له موسى : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : سألت ربي حتى استحييت ولكني أرضي وأسلم .

ومن هذا الحديث نعرف ما بين الأنبياء من صلات ووشائج ونلمس رحمة موسى بالأمة المحمدية .

وقد نقل إلى النبي صلى الله عليه وسلم خبرته في جهاد بني إسرائيل . ولذلك قال عليه الصلاة والسلم : ( كان موسى خيرهم لي حين رجعت إليه ) . وفي رواية : ( فمررت بموسى ، ونعم الصاحب كان لكم ) .

وكأنما أريد بهذه الرحلة العجيبة إعلان وراثة الرسول صلى الله عليه وسلم الأخير لمقدسات الرسل قبله واشتمال رسالته على هذه المقدسات وارتباط رسالته بها جميعا ، فهي رحلة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان ، وتربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وأسماعيل عليهما السلام إلى محمد خاتم النبييين عليه الصلاة والسلام .

تعريف بسورة الإسراء

هي سورة مكية نزلت في السنة الحادية عشرة للبعثة قبل الهجرة بسنة . وتسمى سورة الإسراء نظرا لذكر الإسراء في صدرها ، كما تسمى سورة بني إسرائيل للحديث عنهم وعن إفسادهم في الأرض وعقوبة الله لهم على هذا الفساد .

وعدد آياتها 111 آية وهي مكية اتفاقا إلا الآيات : 26 ، 32 ، 57 ، ومن آية 73 ، إلى 80 فمدنية ، وقد نزلت بعد القصص ، فهي من أواخر ما نزل بمكة وقد تميزت آياتها بالطول النسبي وبسط الفكرة والدعوة إلى الآداب ومكارم الأخلاق على حين تجد الآيات المكية التي نزلت في أوائل البعثة تتميز بقصر الفواصل ، ومراعاة السجع ، والدعوة إلى التوحيد ، وسوق الأدلة على الإيمان بالله ، والآيات المدنية تتميز بالطول ، وبيان أحكام التشريع ، ونظام العبادات ، والمعاملات ، فسورة الإسراء اشتملت على خصائص السورة المكية ، ومن ناحية أخرى ظهر فيها صفات من خصائص السور المدنية ؛ لأنها من أواخر العهد المكي فهي ممهدة للعهد المدني ، حيث استقرت الدعوة في المدينة ونزل القرآن يرسم سياسة المسلمين الداخلية والخارجية ويبين للمؤمنين نظام الحرب والسلم وأدب المعاملة وفن الحديث وطريقة الدعوة ومنهاج الحياة . وقد ذكر العلماء أن من واجبات المفسر أن يعرف مكي القرآن ومدنيه وما يشبه المدني وهو مكي وما يشبه المكي وهو مدني{[8]} ، وأن يعرف تاريخ النزول وأسباب النزول وما نزل من القرآن أولا وما نزل تاليا وما نزل مفردا وما نزل مشيعا بالملائكة . . فإن هذه المعرفة تعطينا ضوءا كاشفا يوضح أهداف السورة ومقصد الآيات وأسرار التشريع ، فهي دراسة للجو المحيط بالنص ولا غنى لمن أراد دراسة نص من النصوص عن معرفة قائله والبيئة الاجتماعية التي نشأ فيها والعوامل والظروف التي أحاطت بهذا النص .

ونحن حين ندرس القرآن نحيط بدراسة مماثلة للنص وما حوله ، ثم نحتاج إلى صفة أخرى هي صدق النية وعمق النظرة وإخلاص القلب وسلامة الفطرة حتى نستكشف هدى القرآن وسمو تعاليمه ؛ لأنها تظهر واضحة أمام المؤمنين ، وتخفى عن عيون الجاحدين قال تعالى : { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا . وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا } . ( الإسراء : 45 ، 46 ) .

3- أهداف السورة

بدأت سورة الإسراء بقوله تعالى : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير } .

وهذا هو مطلع السورة أو عنوانها الذي يحشد موضوعات السورة ، إن السورة في مجملها تتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن القرآن الذي نزل عليه وموقف المشركين من هذا القرآن . وفي خلال هذا الحديث تستطرد إلى ذكر بني إسرائيل والحديث عن ماضيهم وإفسادهم في الأرض وعقوبة الله لهم كأنها تتوعد كل مكذب ومفسد بالعقاب العادل وفي هذا تهديد لكفار مكة ، ولكل خارج على نطاق الإيمان وشريعة العدل والنظام الإلهي ( انظر الآيات : 1-22 ) .

كما تحدثت السورة عن قضية التوحيد لتقيم عليها البناء الاجتماعي كله وآداب العمل والسلوك ، فأمرت بالإحسان إلى الوالدين ، وبإيتاء ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل ، ونهت عن التبذير والقتل والزنا وتطفيف الكيل وأكل مال اليتيم ، والكبر والبطر . ( الآيات : 23_39 ) .

وقد أمرت المسلمين بجملة من الآداب في أسلوب رائع حكيم يدعوا الناس إلى التمسك بها ويؤيد أن القرآن كتاب تربية أخلاقية وسلوكية . وأن هذه التربية هي التي صاغت المجتمع الإسلامي المحمدي صياغة جديدة مهذبة .

وبذلك كانت معجزة القرآن أنه غدا روحا جديدة يسري في أوصال المجتمع العربي والإسلامي فيهدم حطام الجاهلية وأوثانها ، ويقيم على أشلائها دولة جديدة تؤمن بالله ورسوله وتهتدي بكتابه الذي أنزله نورا وهدى . فترى المسلم إما عابدا في مسجده أو ساعيا على رزقه أو مجاهدا في سبيل إعلاء كلمة الله . وجمعت المسلمين تحت راية جديدة عمادها الإخلاص وأساسها الحب لله ولدينه وقوتها في تماسك المسلمين وأخوتهم وترابطهم وتساندهم ، فصلة الرحم والعطف على الفقير والبعد عن الكبر والشح والظلم كلها آداب سلوكية جعلت من المؤمنين خير أمة أخرجت للناس .

( وفي الآيات : 39-58 ) تحدثت السورة عن أوهام الوثنية الجاهلية حول نسبة البنات والشركاء إلى الله وعن البعث واستبعادهم لوقوعه وعن استقبالهم للقرآن وتقولاتهم على الرسول عليه الصلاة والسلام ، وأمرت المؤمنين أن يقولوا قولا آخر ويتكلموا بالتي هي أحسن .

( وفي الآيات : 59-76 ) بينت السورة لماذا كانت معجزة محمد صلى الله عليه وسلم معجزة عقلية خالدة ولم تكن معجزة مادية محدودة ، فقد كذب الأولون بالخوارق فحق عليهم الهلاك إتباعا لسنة الله ، كما تناولت الحديث عن الإسراء وحكمته ، وأن الله جعله فتنة وامتحانا للناس ليتميز المؤمنون ، وينكشف المنافقون ، ويجيء في هذا طرف من قصة إبليس وإعلانه أنه سيكون حربا على ذرية آدم .

يجيء هذا الطرف من القصة كأنه كشف لعوامل الظلال الذي يبدو من المشركين ويعقب عليه بتخويف البشر من عذاب الله وتذكيرهم بنعمة الله عليهم في تكريم الإنسان وتفضيله على جميع المخلوقات وتسخير جميع الكون له حتى يفكر بعقله ويؤمن بقلبه فمن اهتدى أخذ كتابه بيمينه يوم القيامة ومن عمى عن الحق في الدنيا فهو في الآخرة أعمى وأظل سبيلا .

( وفي الآيات 73-88 ) تستعرض السورة كيد المشركين للرسول ومحاولتهم فتنته عن بعض ما أنزل إليه ومحلولة إخراجه من مكة ، ثم تأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يمضي في طريقه يقرأ القرآن ويؤذي الصلاة ويدعو الله أن يحسن مدخله ومخرجه ، وتذكر رسالة القرآن بأنها شفاء لأمراض الجاهلية ورحمة بالجماعة الإسلامية .

( وفي الآيات : 77-111 ) ختام السورة ويستمر فيها الحديث عن القرآن وإعجازه على حين يطلب كفار مكة خوارق مادية ويطلبون نزول الملائكة ويقترحون أن يكون للرسول بيت من زخرف أو جنة من نخيل وعنب يفجر الأنهار خلالها تفجيرا ، أو أن يفجر لهم من الأرض ينبوعا أو أن يرقى هو في السماء ثم يأتيهم بكتاب مادي معه يقرؤونه . . إلى آخر هذه المقترحات التي يمليها العنت والمكابرة لا طلب الهدى والاقتناع ، ويرد الله على هذا كله بأنه خارج عن وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم وطبيعة الرسالة .

فالرسول يوحى إليه وليس إلها يتحكم في مظاهر الكون ، وقد سبق أن أعطى الله موسى معجزات مادية فكذب بها فرعون وجحد نبوة موسى فكانت العاقبة أن أغرق الله فرعون ومن معه من المكذبين .

إن طريقة القرآن هي طريقة الدعوة الهادفة المتأنية وقد نزل مفرقا ليقرأه الرسول صلى الله عليه وسلم على قومه في هدوء وتؤدة وليجيب على أسئلة السائلين وليكون كتاب الحياة يحياها مع المؤمنين يعلمهم دينهم ويرد عنهم دعاوى أعدائهم ويلفت أنظارهم إلى الكون وما فيه حتى يعبدوا الله ويسجدوا له عن خشوع ويقين وتختم السورة بحمد الله وتنزيهه عن الولد والشريك في الملك كما بُدئت بتنزيه الله وتسبيحه . وإذا أردنا إيجازا أكثر أمكننا أن نرجع أهداف سورة الإسراء إلى الأمور الآتية :

1- معجزة الإسراء من مكة إلى بيت المقدس : آية 1 .

2-تاريخ بني إسرائيل وإسرائيل وإفسادهم في الأرض وعقوبة الله لهم : الآيات : 2-8 .

3- جملة من الآداب يجب على المسلمين أن يتحلوا بها حتى تظل رابطتهم قوية متماسكة ، وحتى لا يصيبهم ما أصاب اليهود عندما أفسدوا في الأرض : 23-29 .

4- بيان أن كل ما في السماوات والأرض مسبح لله : آية 44 .

5- الكلام في البعث مع إقامة الأدلة على إمكانه : الآيات 50-55 .

6- الرد على المشركين الذين اتخذوا مع الله آلهة من الأوثان والأصنام آية : 46 .

7- الحكمة في عدم إنزال الآيات التي اقترحوها على محمد صلى الله عليه وسلم : آية : 46 .

8- قصة سجود الملائكة لآدم وامتناع إبليس من ذلك الآيات : 61-65 .

9- تعدد بعض نعم الله : الآيات 66-72 .

10- طلب المشركين من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يوافقهم في بعض معتقداتهم وإلحافهم في ذلك : الآيات 73-77 .

11- أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإقامة الصلاة والتهجد في الليل : 78-87 .

12- بيان إعجاز القرآن وأن البشر يستحيل عليهم أن يأتوا بمثله : الآيات : 88-100 .

13- قصة موسى مع فرعون : 101-105 .

14- الحكمة في إنزال القرآن منجما : الآيات 106-110 .

15- تنزيه الله عن الولد والشريك والناصر والمعين : الآية 111 .

4- من أسرار الإعجاز في السورة

أهداف السورة تؤيد أنها سورة مكية نزلت تثبت العقيدة وترسل أدب السلوك وتذكر تاريخ اليهود . ثم تناقش المشركين في آلهتهم ، وفي تعنتهم وكفرهم ، وتذكر طرفا من قصة آدم وإبليس وقصة موسى وفرعون لتوضح عقوبة المتكبرين ومثوبة المؤمنين . وفي أثناء السورة حديث عن القرآن وإعجازه ، وعجز البشر عن الإتيان بمثله ، وتعديد نعم الله على خلقه لتستميل الناس إلى الإيمان بالله وتقيم الحجة على أعداء الدين .

ومما لا شك فيه أن تصورنا لموقف الإسلام في مكة قبل الهجرة يعيننا كثيرا على فهم الصورة ويوضح أن القرآن كان كتاب الحياة ، صور موقف المشركين وعقيدتهم وتعنتهم ، وذكر كرفا مما أصاب الأولين علهم يتعظون أو يعتبرون ، قال تعالى : { وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرّفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا . ( طه : 113 ) .

إنك تحس من خلال النص بنبضات حية تصور عانة المشركين وظلال عقيدتهم وتبرز أسلوب الدعوة الجديد الذي يملك الحجة على قضية الألوهية ويسوق الأدلة على قضيته من سجلات التاريخ ومن مواقع الكون ومشاهده ، ومن التحدي بالقرآن وتأكيد عجزهم عن الإتيان بمثله .

والقرآن من خلال حديثه ينتقل من فن إلى فن ، ومن وصف للإسراء إلى تاريخ لليهود إلى رد على دعوى المشركين إلى قصص لآدم وإبليس وفرعون وموسى .

ويربط القرآن بين هذه الأفكار المتناثرة برباط قوي متين يؤكد أنه كتاب الله ، ولو كان من صنع بشر لتلمس طرقا للانتقال فكل كاتب تجد في كتابته أثرا للقوة في مكان ، ثم تفتر قوته في مكان آخر ، قال تعالى : { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } . ( النساء : 82 ) ، وقد تعرضت علوم السابقين للنقض والتعديل ، ولم يبق كتاب في تاريخ البشرية سلم من النقض والعيب إلا هذا الكتاب .

وفي سورة الإسراء : آية 88 يقول الله عز وجل : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } .

بسم الله الرحمان الرحيم

{ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ، لنريه ، من آياتنا إنه ، هو السميع البصير ( 1 ) }

المفردات :

سبحان : اسم فعل لتسبيح الله{[322]} وتنزيهه ، فمعنى سبحان الله : أسبح الله سبحانه التقديس والتنزيه على السوء من الذات والصفات والأفعال والأسماء والأحكام أي ما أبعد الذي له هذه الصفات عن جميع النقائص .

أسرى : سار في الليل{[323]} ومعنى أسرى به صيره ساريا .

ليلا : أي في جزء من الليل ، أو في ساعات منه{[324]} .

من المسجد الحرام : أي : ابتداء الإسراء المسجد الحرام وسمي حراما لتحريم القتل والعدوان فيه ، حتى لو وجد فيه قاتل أبيه حرم عليه قتله داخل المسجد لقوله : ومن دخله كان آمنا .

إلى المسجد الأقصى : هو بيت المقدس وسمي الأقصى ؛ لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام .

الذي باركنا حوله : بارك الله حوله بركات مادية ومعنوية وأحاطه ببركات الدنيا والدين ، فجعل حوله الأشجار والثمار وجعله متعبد الأنبياء من وقت موسى ومهبط الوحي ومسرى محمد صلى الله عليه وسلم .

لنريه من آياتنا : فيها بيان لحكمة الإسراء ، وقد رأى النبي من آيات الله ودلائل قدرته الكثير ورأى صورا وأشكالا جسمت فيها المعاني بصورة ملموسة محسوسة .

كما رأى الملائكة تعبد الله على أشكال شتى منها القائم ، والراكع ، والساجد ، ورأى الأنبياء والمرسلين ، ورأى الجنة والنار .

وكان لدى النبي صلى الله عليه وسلم من الصفاء والنقاء والطهر ما جعله أهلا لأن يرى آيات الله في هذا الكون وأن يتفتح قلبه الشريف ليحيط بأسرار الكون ونظمه وليرى العالم العلوي وملائكة السماء ، وهناك فرض الله عليه الصلاة تحية خالدة لهذا اللقاء الكريم .

إنه هو السميع البصير : السميع بدعاء محمد صلى الله عليه وسلم ، البصير بما أصابه من أذى المشركين وهو يسمع ويرى ما لطف دق وخفا عن الأسماع والأبصار من اللطائف والأسرار .

التفسير :

1- { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير .

تحدثت الآية على تنزيه الله أن يكون له صاحبة أو ولد وبينت أن الإسراء بعبد من عبيد الله اختاره واصطفاه ، وأن العبودية كلما تحقق مضمونها من الخضوع والخشوع والإخلاص لله سما صاحبها وزاد قدره وكان الإسراء من أول بيت وضع للناس ، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، حيث كانت الرسل تتعبد وحيث اعترفت له الأنبياء بالرسالة ، وحيث صعد من هذا المكان الطاهر إلى السماوات العلا إلى سدرة المنتهى إلى جنة المأوى ، ولم يتحول بصره يمينا ولا شمالا ولا تجاوز الطريق المرسوم ، بل كان في سمت النبيين وأمانة الصديقين وسمو المرسلين .

1- المعراج :

المعراج والمصعد والمرقى كلها بمعنى واحد تدل على الصعود والارتقاء ومعراج الرسول صلى الله عليه وسلم هو صعوده إلى السماوات العلا ، حيث لقي من فضل الله الكثير ورأى من آيات ربه الكبرى .

وكان الإسراء والمعراج في ليلة واحدة ، الإسراء رحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، والمعراج رحلة سماوية إلى الملإ الأعلى . وقد تحدثت سورة النجم عن المعراج في قوله تعالى : { والنجم إذا هوى . ما ضل صاحبكم وما غوى . وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحي يوحى . علمه شديد القوى . ذو مرة فاستوى . وهو بالأفق الأعلى . ثم دنا فتدلى . فكان قاب قوسين أو أدنى . فأوحى إلى عبده ما أوحى . ما كذب الفؤاد ما رأى . أفتمارونه على ما يرى . ولقد رآه نزلة أخرى . عند سدرة المنتهى . عندها جنة المأوى . إذ يغشى السدرة ما يغشى . ما زاغ البصر وما طغى . لقد رأى من آيات ربه الكبرى . } ( النجم : 1-18 ) .

2- تاريخ الإسراء :

وقع الإسراء في السنة الحادية عشرة للبعثة ، قبل الهجرة بسنة{[325]} أو قبلها بسنة وشهرين .

وكان المشركون قد أمعنوا في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم وبالغوا في تعذيب المسلمين حتى اضطروهم للهجرة إلى الحبشة مرتين ، ولما يئس النبي صلى الله عليه وسلم من أهل مكة ذهب إلى الطائف وبها قبائل ثقيف فدعاهم للإسلام ورغبهم في الإيمان ، وكان يأمل أن يجيبوه إلى دعوته ، ولكنهم ردوه أسوأ رد وأرصدوا له الغلمان يرجمونه بالحجارة ، حتى دميت قدماه الشريفتان ، وقد أغمى على النبي من شدة الإيذاء{[326]} ، فلما أفاق وجد نفسه مكذبا في قومه مضطهدا في مكة معذبا في الطائف وحيدا غريبا ، فمد يده إلى الله سبحانه قائلا :

( اللهم أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا رب العالمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلا من تكلني ، إلى عدو يتجهمني أو بعيد ملكته أمري ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخر أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك ، لك العتبى حتى ترضى . عافيتك هي أوسع لي إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ) .

وقد جاءه جبريل وقال : يا محمد هذا ملك الجبال ، وإن الله أمره أن يطيعك في قومك بسبب ما فعلوه بك ، فئن شئت أن يطبق عليهم الأخشبين ( جبلين بمكة ) ، فعل ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لا تفعل إني لأرجو أن يخرج من ظهورهم من يعبد الله . اللهم اهد قومي فهم لا يعلمون .

فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم : صدق من سماك الرءوف الرحيم .

وعاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة حزينا كئيبا ولم يستطع دخولها إلا في جوار المطعم بن عدي .

3- ما قبل الإسراء :

كانت الفترة التي سبقت الإسراء من أقسى الفترات على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، وكان الامتحان قاسيا ، يواجه المؤمنين كل يوم بفتنة ومحنة ويستنصر المؤمنون رسول الله قائلين : ألا تعدوا الله لنا ، ألا تستنزل غضبه على عدونا ، فيجيبهم بأن طريق الدعوة طريق وعر وصعب ، وأن على المؤمن أن يتحمل البلاء في ذات الله ، ويصبح فيهم : ( والله لقد كان يؤتى بالرجل فيمن قبلكم فيشق بالمنشار من مفرق رأسه إلى قدميه فما يصده ذلك عن دينه ، والذي نفس محمد صلى الله عليه وسلم بيده ليتمن الله ذلك الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ) .

كان فضل الله على المؤمنين في هذه الفترة المؤلمة ؛ أن أعطى نبيه عليه السلام معجزة إلهية كبرى ؛ ليرى عوالم أخرى وليصعد في السماء ؛ وليرى من فضل الله ونعمه الكثير ثم يعود بالصلاة صلة بين المؤمنين وربهم فهي العون للمؤمن في رحلة الحياة وهي الملجأ والملاذ إلى الله وهي فترة المناجاة والمناداة فيها تسمو الروح وتطهر النفس ويناجي العبد إلها سميعا بصيرا مجيبا .

4- الإسراء في ضوء العلم :

وردت قصة الإسراء والمعراج في كتب السنة الصحاح وسرت بين الأمة سريانا مستفيضا ووعتها بطون الكتب وتحدث بها الرواة حتى نقلها من أعاظم الرجال خمسة وأربعون صحابيا بطرق شتى وأخذها جيل عن جيل في تواتر وإجماع .

وأمر في جملته خاضع لقدرة الله التي لا تقف أمامها حدود وهو معجزة لرسول الله . والمعجزة : أمر خارق للعادة يظهره الله على يد مدعي الرسالة تصديقا له في دعواه ، وليس فيما كشفه العلم من قوانين الجذب العام ونظام الأفلاك ومسابح النجوم وعناصر الكواكب ونواميس الحركة وطبقات الهواء وتحديد الحركات ومعايير السرعة- ليس في ذلك كله وما يتصل به- ما يقف أمام الإسراء والمعراج .

فقد ثبت أن نجم المشتري يجري بسرعة ثلاثين ألف ميل في الساعة فيجري تسعة أميال كلما تنفس الإنسان . والمشتري أكبر من أرضنا بألف وأربعمائة مرة . وأن الله الذي جعل هذا الجسم الكثيف الهائل يقطع الأبعاد الشاسعة في لحظات لا يبعد عليه أن يسري بنبيه الكريم من مكة إلى بيت المقدس على مقتضى ناموس لا نعرفه ، وإن كان الوجود يشتمل عليه ، ما دام العلم قد أثبت سرعة عجيبة لأجرام كثيفة .

وإننا نشهد كل يوم كشفا عن ناموس ، وأبطالا لناموس ، حتى لقد صرح بعض علماء الغرب بأن أخوف ما نخافه أن ما نفاخر به اليوم من العلوم يصبح بعد مائة سنة باطلا منسوخا .

ويؤثر لرئيس مجمع ترقي العلوم بجامعة كمبردج سنة 1854م أن كنه المادة غير معروف ، وأن منتهى علمها مبتدأ جهلها .

ونحن إذا طوينا القرون القهقري فرجعنا إلى ما قبل اليوم منذ قرنين اثنين ، أفكنا نحسب موجات الأثير وعدسات التيلفزيون والتلستار تنقل صوت الإنسان وصورته إلى الأبعاد الشاسعة والأقطار النائية ؟

إن الإنسان قد أخذه العجب العجاب عند اختراع الطائرة العادية ، ثم الطائرة النفاثة والأطباق الطائرة ، والأقمار الصناعية .

وكان وصول الإنسان إلى القمر أخيرا خبرا مذهلا أخذ على الناس في كل أصقاع الدنيا لبهم واستولى على اهتمامهم ، وذلك كله مما يقرب في ذهن الإنسان سهولة الإسراء والمعراج خاصة وأنهما يقعان في دائرة القدرة الإلهية التي يخضع لها كل شيء في عالم السماوات والأرض والهواء والفضاء ، قال تعالى : { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون } ( الزمر : 67 ) .

5-أحاديث الإسراء :

هذه جملة من الأحاديث النبوية الشريفة ترسم سورة الإسراء وتحكي قصته ومشاهداته بروايات متعددة .

( أ )

قال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا حماد بن سلمة ، أخبرنا ثابت البناني ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أتيت بالبراق ، وهو دابة بيضاء ، فوق الحمار ودون البغل ، يضع حافره عند منتهى طرفه ، فركبته ، فسار بي ، حتى أتيت بيت المقدس فربطت الدابة في الحلقة التي يربط فيها الأنبياء ، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين ، ثم خرجت فأتاني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاخترت اللبن ، فقال جبريل عليه السلام : أصبت الفطرة ، فقال : ثم عرج بي إلى السماء الدنيا ، فاستفتح جبريل عليه السلام ، فقيل له : من أنت ؟ قال جبريل : قيل : ومن معك ؟ قال : محمد ، قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد أرسل إليه ، ففتح لنا فإذا أنا بآدم ، فرحب بي ودعا لي الخير .

ثم عرج بنا إلى السماء الثانية ، فاستفتح جبريل ، فقيل له : من أنت ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد أرسل إليه ، ففتح لنا فإذا بابني الخالة يحيى وعيسى ، فرحبا بي ، ودعوا لي الخير .

ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة ، فاستفتح جبريل . فقيل له : من أنت ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد أرسل إليه ، ففتح لنا فإذا أنا بيوسف عليه السلام ، وإذا هو قد أعطى شطر الحسن . فرحب بي ودعا لي بخير .

ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة ، فاستفتح جبريل . فقيل له : من أنت ؟ قال : جبريل . فقيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد بعث إليه ، ففتح لنا ، فإذا أنا بإدريس ، فرحب بي ودعا لي الجير .

يقول الله تعالى : { ورفعناه مكانا عليا } ( مريم : 57 ) .

ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة ، فاستفتح جبريل . فقيل له : من أنت ؟ قال جبريل . فقيل : ومن معك ؟ قال : محمد . فقيل : قد أرسل إليه ، ففتح لنا ، فإذا أنا بهارون ، فرحب بي ودعا لي الخير .

ثم عرج بنا على السماء السادسة ، فاستفتح جبريل . فقيل له : من أنت ؟ قال جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد ، فقيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه ، ففتح لنا ، فإذا أنا بموسى عليه السلام ، فرحب بي ودعا لي الخير .

ثم عرج بنا إلى السماء السابعة ، فاستفتح جبريل . فقيل له : من أنت ؟ قال : جبريل . قيل ومن معك ؟ قال : محمد . فقيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه ، ففتح لنا ، فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام ، وإذا هو مستند إلى البيت المعمور ، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ، ثم لا يعودون إليه .

ثم ذهبت إلى سدرة المنتهى : فإذا أوراقها كآذان الفيلة ، وإذا ثمرها كالقلال ، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها ، تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن يصفها من حسنها ، قال : فأوحى الله إلى ما أوحى ، وقد فرض علي في كل يوم وليلة خمسين صلاة .

فنزلت حتى انتهيت إلى موسى . قال : ما فرض ربك على أمتك ؟ قال : خمسين صلاة في كل يوم وليلة .

قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ، فإن أمتك لا تطيق ذلك ، وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم . قال : فرجعت إلى ربي ، فقلت أي رب خفف عن أمتي ؛ فحط عني خمسا .

فنزلت حتى انتهيت إلى موسى ، فقال : ما فعلت ؟ فقلت : حط عني خمسا : فقال : إن أمتك لا تطيق ذاك ، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك .

قال : فلم أزل أرجع بين ربي ، وبين موسى ، ويحط عني خمسا خمسا ، حتى قال : يا محمد هي خمس صلوات في كل يوم وليلة بكل صلاة عشر ، فتلك خمسون صلاة ، ومن هم بحسنة فلم يعملها ، كتبت له حسنة . فإن عملها كتبت له عشرا ، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب ، فإن عملها كتبت سيئة واحدة .

فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته . فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ، فإن أمتك لا تطيق ذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد رجعت إلى ربي حتى استحيت ) ( رواه مسلم بهذا السياق ){[327]} .

قال البيهقي : وفي هذا السياق : أن المعراج كان ليلة أسرى به عليه الصلاة والسلام من مكة إلى بيت المقدس .

ويقول بن كثير عن ذلك : وهذا الذي قاله هو الحق الذي لا شك فيه ولا مرية .

وقبل أن نبدأ أحاديث أخرى نذكر أنه :

ذهب الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء ، والمتكلمين ، إلى أن الإسراء والمعراج :

وقعا في ليلة واحدة في اليقظة ،

بجسد النبي صلى الله عليه وسلم وروحه ،

بعد البعثة .

ولقد توارد على ذلك- كما يقول الإمام ابن حجر- ظواهر الأخبار الصحيحة ولا ينبغي العدول عن ذلك إذ ليس في العقل ما يحيله {[328]} ، حتى يحتاج إلى تأويل .

ولو كان مناما ، أو بالروح فقط لما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم مكذب ، لجواز وقوع مثل ذلك أو أبعد منه لآحاد الناس : إن الناس في الرؤيا يرون أنهم سافروا وأبعدوا ، وجاءوا وعقدوا العقود ورأوا نتائج عقودهم وثمار جهودهم ، فلو كنا بصدد رؤيا لما ارتاب في صدق الصادق الصدوق صلوات الله وسلامه عليه إنسان .

ولما أشفقت السيدة أم هانئ رضي الله عنها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما أخبرها الخبر ، وقال : إنه سيحدث الناس به ، فأرادت منه أن يعدل عن ذلك قائلة : إنهم سيكذبونك ، فلم يستجب صلوات الله وسلامه عله لنصيحتهما ، لأن الحق ينبغي أن يذاع ، وأذاعه صلى الله عليه وسلم بين الناس . وحدث ما حدث مما سنذكر بعضه فيما بعد إنشاء الله .

( ب )

وفي حديث عند الطبراني البراز ، أنه عليه الصلاة والسلام : مر على قوم يزرعون ويحصدون في يوم ، كما حصدوا عاد كما كان فقال لجبريل عليه السلام : ما هذا ؟

قال : هؤلاء المجاهدون في سبيل الله ، تضاعف لهم الحسنة إلى سبعمائة ضعف ، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين .

ثم أتى قوما ترضخ رءوسهم بالصخر ، كلما رضخت عادت كما كانت ، ولا يفتر عنهم من ذلك شيء .

فقال : ما هذا يا جبريل ؟

قال : هؤلاء الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة المكتوبة .

ثم أتى على قوم ، على أقبالهم رقاع ، وعلى أدبارهم رقاع .

فقال : ما هؤلاء ؟

قال : هؤلاء الذين لا يؤذون زكاة أموالهم ، وما ظلمهم الله ، وما ربك بظلام للعبيد .

ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر ، ولحم نيىء في قدر خبيث فجعلوا يأكلون من النيىء الخبيث ويدعون النضيج .

فقال : ما هؤلاء يا جبريل ؟

قال جبريل : هذا الرجل من أمتك ، تكون عنده امرأة الحلال الطيب فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح ، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا طيبا ، فتأتي رجلا خبيثا فتبيت عنده حتى تصبح .

ثم أتى على رجل قد جمع حزمة حطب عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها .

فقال : ما هذا يا جبريل ؟

قال : هذا رجل من أمتك ، تكون عليه أمانات الناس ، لا يقدر على أدائها وهو يريد أن يحمل عليها .

ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء .

قال : ما هذا يا جبريل ؟

قال : هؤلاء خطباء الفتنة .

قال : ثم أتى على جحر صغير يخرج منه ثور عظيم ، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع .

قال : ما هذا يا جبريل ؟

قال : هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة يندم عليها فلا يستطيع أن يردها .

ثم أتى على واد فوجد فيه ريحا طيبة باردة ، وريح مسك وسمع صوتا .

فقال : ما هذا يا جبريل ؟

قال : هذا صوت الجنة ، تقول رب آتني بما وعدتني ، فقد كثرت غرفي وإستبرقي وحريري وسندسي ، وعبقريي ، ولؤلئي ، ومرجاني ، وذهبي ، وأكوابي ، وصحافي ، وأباريقي ، ومواكبي ، وعسلي ، ومائي ، ولبني ، وخمري ، فأتني بما وعدتني .

قال : لك كل مسلم ومسلمة ، ومؤمن ومؤمنة ، ومن آمن بي وبرسلي وعمل عملا صالحا ، ولم يشرك بي شيئا ، ولم يتخذ من دوني أندادا ، ومن خشيني فهو آمن ، ومن سألني فقد أعطيته ، ومن أقرضني جازيته ، ومن توكل علي كفيته ، إنني أنا الله لا إله إلا أنا ، لا أخلف الميعاد ، قد أفلح المؤمنون ، وتبارك الله أحسن الخالقين .

قال : فقد رضيت .

ثم أتى على واد فسمع صوتا منكرا ووجد ريحا منتنة .

فقال : ما هذا يا جبريل ؟

قال : هذا صوت جهنم ، تقول ربي آتني بما وعدتني فقد كثرة سلاسلي ، وأغلالي ، وسعيري ، وحميمي ، وضريعي ، وغساقي ، وعذابي ، وقد بعد قعري ، واشتد حري ، فأتني بما وعدتني .

قال : لك كل مشرك ومشركة ، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب .

قالت : قد رضيت .

فسار حتى أتى ببيت المقدس .

( ج )

وفي حديث أبي سعيد : أنه رأى أخونة عليها لحم طيب ليس عليها أحد . وأخرى عليها لحم نتن ، عليها ناس يأكلون .

قال جبريل : هؤلاء الذين يتركون الحلال ويأكلون الحرام .

وفيه : أنه مر بقوم بطونهم أمثال البيوت ، كلما نهض أحدهم خر ، وأن جبريل قال له : هم أكلة الربا .

وأنه مر بقوم مشافرهم كالإبل يلتقمون جمرا فيخرج من أسافلهم ، وأن جبريل قال له أن هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما .

وأنه مر بقوم يقطع من جنوبهم اللحم ، فيطعمون وأنهم الغمازون اللمازون .

وأنه مر بنساء تعلقن بثديهن ، وأنهن الزواني .

وفيه : حتى أتيت بيت المقدس أوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء تربطها فيها ، فدخلت أنا وجبريل بيت المقدس ، فصلى كل واحد منا ركعتين .

في رواية أنس عن مسلم : ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ، ثم خرجت فجاءني جبريل عليه السلام ، بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاخترت اللبن .

فقال جبريل : اخترت الفطرة . أي : اخترت اللبن الذي عليه بنيت الخلقة .

وقال النووي : المراد بالفطرة هنا : الإسلام والاستقامة .

وفي رواية ابن مسعود : ثم خلت المسجد فعرفت النبيين : ما بين قائم ، وراكع وساجد .

ثم أذن مؤذن فأقيمت الصلاة ، فقمنا صفوفا ننتظر من يؤمنا ، فأخذ بيدي جبريل فقدمني فصليت بهم .

( ه )

وأخرج البخاري من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى : { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } . ( الإسراء : 60 ) ، قال : هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليلة أسري به {[329]} .

وأخرج الطبري الأوسط في الأوسط بسند صحيح عن ابن عباس أنه يقول : ( إن محمدا صلى الله عليه وسلم ، رأى ربه مرتين : مرة ببصره ، ومرة بفؤاده ) .

وأخرج أيضا عن ابن عباس قال :

نظر محمد إلى ربه ، قال عكرمة : فقلت له : نظر محمد إلى ربه ؟

قال : نعم جعل الكلام لموسى ، والخلة لإبراهيم ، والنظر لمحمد صلى الله عليه وسلم .

وأخرجه البيهقي في ( كتاب الرؤيا ) بلفظ :

إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة ، واصطفى موسى بالكلام ، واصطفى محمدا بالرؤيا .

وأخرجه بلفظ :

أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم ، والكلام لموسى ، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم ؟

وأخرج أحمد بسند صحيح عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رأيت ربي صلى الله عليه وسلم : ( رأيت ربي عز وجل ) .

( و )

وأخرج أحمد والنسائي والبزار والطبراني والبيهقي ، وابن مردويه بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن بن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

ولما أسرى بي مرت بي رائحة طيبة ، فقلت : ما هذه الرائحة ؟

قالوا : ماشطة بنت فرعون وأولادها ، سقط مشطها منها فقالت : بسم الله .

فقالت ابنة فرعون : أبي ؟

قالت ربي هو ربك ورب أبيك .

قالت : أوَ لك رب غير أبي ؟

قالت : نعم .

فدعاها فقال : أ لك رب غيري ؟

قالت : نعم ، ربي وربك الله .

فأمر ببقرة من نحاس ، فأحميت ، ثم أمر بها لتلقى فيها وأولادها فألقوا واحدا حتى بلغ رضيعا فيهم ، فقال :

قعي يا أمه ولا تقاعسي فإنك على حق .

قال : وتكلم أربعة ، وهم صغار ، هذا ، وشاهد يوسف ، وصاحب جريح وعيسى بن مريم .

( ز )

وأخرج الترمذي- وحسنه- وابن مردويه . من عبد الرحمان ، عن ابن مسعود قال :

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقيت إبراهيم ليلة أسري بي ، فقلت : يا محمد أقرأ أمتك مني السلام ، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة ، عذبة الماء ، وأنها قيعان ، وأن غراسها سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

( ح )

وأخرج أحمد وأبو داود من طريق عبد الرحمان بن جبير عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لما عرج بي مررت بقوم لهم أظافر من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم ، فقلت : من هؤلاء يل جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ، ويقعون في أعراضهم .

وأخرج ابن مردويه من طريق قتادة وسليمان التميمي وتمامة ، وعلي بن زيد ، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليلة أسري بي مررت بناس تقرض شفاههم بمقاريض من نار ، كلما قرضت عادت ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ ، قال : هؤلاء خطباء أمتك يقولون ما لا يفعلون ) .

وأخرج ابن ماجة والحكيم الترمذي ( في نوادر الأصول ) وابن أبي حاتم وابن مردويه ، هن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رأيت ليلة أسري بي مكتوبا على باب الجنة ، الصدقة بعشر أمثالها ، والقرض بثمانية عشر ) .

فقلت لجبريل : ما بال القرض أفضل من الصدقة ؟

قال : لأن السائل يسأل وعنده ، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة .

وأخرج ابن مردويه عن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رأيت ليلة أسري بي رجلا يسبح في نهر ويلقم الحجارة ، فسألت : من هذا ؟ فقيل لي : هذا آكل الربا .

( ط )

وعن ابن عباس رضي الله عنهما- فيما رواه الإمام أحمد- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لما كانت ليلة أسري بي ، وأصبحت بمكة ، فظعت أمري ، وعرفت أن الناس مكذبي .

قال : فمر عدو الله أبو جهل المستهزئ : هل كان من شيء ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم .

قال : ما هو ؟

قال : إنه أسري بي الليلة .

قال : إلى أين ؟

قال : إلى بيت المقدس .

قال : ثم أصبحت بين ظهرانيها ؟

قال : نعم . .

قال : فلم ير أنه يكذبه ، مخافة أن يجحده الحديث إذا دعا قومه إليه .

قال : أرأيت إن دعوت قومك تحدثهم ما حدثتني ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم .

فانطلق أبو جهل فقال : هيا يا معشر بني لؤي .

قال : فانتفضت إليه المجالس ، وجاءوا حتى جلسوا إليهما .

فقال أبو جهل : حدث قومك بما حدثتني .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أسري بي الليلة .

قالوا : إلى أين ؟

قال : إلى بيت المقدس . .

قالوا : ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟

قال : نعم .

فإذا بالقوم بين واضع يده على رأسه متعجبا للكذب .

قالوا : وهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد ؟ - وفي القوم من سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذهبت أنعت ، فما زلت أنعت حتى التبس على بعض النعت ، قال : فجيء بالمسجد وأنا أنظر ، حتى وضع دون دار عقيل ، فنعته وأنا أنظر إليه .

قال : فقال القوم : أما النعت فوالله لقد أصاب .

وعن الحسن : أنه في يوم الحديث عن الإسراء : ارتد كثير ممن كان أسلم ، وذهب الناس إلى أبي بكر فقالوا له : هل لك يل أبا بكر في صاحبك ؟ يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة .

فقال لهم أبو بكر : إنكم تكذبون عليه ؟

فقالوا : لا ، ها هو ذاك في المسجد يحدث به الناس .

قال أبوا بكر : لئن كان قاله لقد صدق ، فما يعجبكم من ذلك ؟ فوالله إنه يخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه ، فهذا أبعد مما تعجبون منه .

ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله ، أحدثت هؤلاء القوم أنك أتيت بيت المقدس هذه الليلة ؟

قال : نعم .

قال : يا نبي الله فصفه لي ، فإني قد جئته ؟

قال الحسن : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فرفع لي حتى نظرت إليه . فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف لأبي بكر ويقول أبو بكر : صدقت ، أشهد أنك رسول الله ، وكلما وصف له منه شيئا ، قال صدقت أشهد أنك رسول الله قال : حتى انتهى .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنت يا أبا بكر : ( الصديق ) .

هذا هو الموجز لما ترويه السنة مؤيدة للقرآن عن هذا النبإ الجليل ، ولقد حاول ابن إسحاق أن يبين الحكمة في هذا الحادث فقدم- حسبما يروي ابن هشام- لحديث الإسراء بكلمة نفيسة يقول فيها :

وكان في مسراه ، وما ذكر منه ، بلاء وتمحيص ، وأمر من أمر الله في قدرته وسلطانه فيه عبرة لأولي الألباب ، وهدى ورحمة وثبات لمن آمن بالله وصدق . وكان من أمر الله على اليقين .

فأسرى به كيف شاء ، وكما شاء ؛ ليريه من آياته الكبرى ، حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم ، وقدرته التي يصنع بها ما يريد .

6- الشعر والإسراء :

يقول الإمام البوصيلي في ( همز يته ) :

فطوى الأرض سائرا والسماوا *** ت العلا فوقها له إسراء

فصف الليلة التي كان للمختا *** ر فيها على البراق استواء

وترقى به إلى قاب قوسين *** وتلك السيادة القعساء

رتب تسقط الأماني حسرى *** دونها ما وراءهن وراء

ثم وافى يحدث شكرا *** إذا أتته من ربه النعماء

وتحدى فارتاب كل مريب *** أو يبقى مع السيول الغثاء

ويقول شوقي في قصيدته التي عارض فيها الإمام البوصيري :

يتساءلون وأنت أطهر هيكل *** بالروح أم بالهيكل الإسراء

بهما سموت مطهرا وكلاهما *** نور وروحانية وبهاء

فضل عليك لذى الجلال ومنة *** والله يفعل ما يرى ويشاء

تغشى العيون من العوالم كلما *** طويت سماء قلدتك سماء

في كل منطقة حواشي نورها *** نون وأنت النقطة الزهراء

أنت الجمال بها وأنت المجتلي *** والكف والمرآة والحسناء

الله هيأ من حظيرة قدسه *** نزلا لذاتك لم يجزه علاء

العرش تحتك سدة وقوائم *** ومناكب الروح الأمين وطاء

و الرسل دون العرش لم يؤذن لهم *** حاشا لغيرك موعد ولقاء

7- فلسفة الإسراء :

عنى الفلاسفة والمتصوفون الإسلاميون بتلمس حكمة الإسراء ، وكان الصوفية يجدون فيها دليلا عمليا على أهمية العناية بالنفس الإسلامية ، وأن الروح سر من أسرار الله في الإنسان ، إذا تطهرت من سيطرة المادة وزاد تعلقها بالحق والخير ، فإنها تسمو إلى الملأ الأعلى ، بل إن الروح إذا عظمت العناية بها صارت أقصى من الجسد وتلاشت مادية الجسم أمام سمو الروح وانطلاقها .

ويذكرون أن الرياح أن الرياح أجسام لطيفة فقط ، وليست روحية مع أنها تزعزع الأشجار الباسقة وتقتلع الأوتاد العاتية وتفتت الصخور الجاثمة .

والكهرباء- وهي من اللطافة بحيث ترى آثارها ولا ترى آثارها ولا ترى حقيقتها- تحول خواص الأجسام إلى أضدادها وتبعث اليوم في الدنيا حياة جديدة ، فهي تحمل الأثقال وتقلقل الجبال وترسل الصواعق فتنشر الضوء وتؤجج النيران ، وهذا يعطينا دليلا على مدى ما للأجسام اللطيفة من سلطان على المادة .

فالإسراء بالنبي ليلا وصعوده إلى السماوات العلا أثر من آثار تزكية النفس وتطهيرها ، بل إن مروره في السماوات على الملائكة يمكن أن يدل على منازل الأنبياء ، وتكون السماء إشارة إلى كل ما علاك ومنازل الأنبياء في السماوات حسب درجاتهم وجهادهم ، ويكون لرسول الله منزلة أعلى ، تجاوزت في روحانيتها آدم في سمائه الأولى ، ثم تجاوزت يحيى وعيسى في الثانية ، ويوسف في الثالثة ، وإدريس في الرابعة ، وهارون في الخامسة ، وموسى في السادسة ، وإبراهيم في سمائه السابعة .

تجاوز رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذلك وتجاوز الكون كله إلى سدرة المنتهى وإلى شجرة النهاية ، ثم إلى حيث لا يبلغ ملك مقرب ولا نبي مرسل إلى قاب قوسين أو أدنى{[330]} .

8- تصوير المعنى :

إذا كانت التوجيهات السابقة ، إنما كانت لتدلنا على مقام رسول الله ، صلوات الله عليه وسلامه ، فنزداد بذلك تقديرا وحبا وإتباعا ، فإن من هدى الله سبحانه وتعالى وتوجيهاته في نبإ الإسراء والمعراج : هذه الرمزيات الأخلاقية التي تربط ربطا محكما بين الدين والأخلاق .

والواقع أن الأخلاق في جو الإسلام مرتبطة بالدين ارتباطا لا ينفصل ، منه تنبع ، وعلى أساسه تقوم ، وعنه تصدر ؛ لأنها جزء من الدين الإسلامي لا يتجزأ ، مصدرها هو مصدره : إلهي رباني .

وبعض الناس في العصر الحديث يريد أن يجعل للأخلاق مصادر أخرى ، يريد بعضهم أن يجعل أساس الأخلاق الضمير ، بيد أن ذلك خطأ بين ، فالضمير يربي ويكون ، وتربيته وتكوينه هما شكله ، ونزعته واتجاهه ، الذي يتكيف بحسب الثقافة والبيئة والعصر والوسط .

إن الضمير يصنع كما تصنع المزيقات ، وهو إذن مقياس للأخلاق خاطئ .

وبعض الناس يريد أن يرجع بالأخلاق إلى المصلحة العامة ، ولكن المصلحة العامة كلمة غير محددة ، وكل من يتحدث باسم المصلحة العامة إنما يتحدث باسم فكرته هو ، منحرفة كانت هذه الفكرة أو غير منحرفة .

فالمصلحة العامة إذن كأساس للأخلاق إنما هي : أساس غير مضمون .

وبعض الناس يريد أن يرجع بالأخلاق إلى المصلحة الشخصية أو إلى اللذة ، أو إلى المنفعة . وكل هذا وارد الغرب الأوروبي ، أو الغرب الأمريكي عندما انحرف هذا الغرب وألحد .

أما وارد الشرق الإسلامي ، أو بتعبير أدق ، وارد الإسلام الإلهي ، فإن مقياس الأخلاق فيه : إنما هو المبادئ الدينية ، إنما هو آيات القرآن ، وإنما هو الفضائل التي أوحاها الله سبحانه وتعالى ، هذه الفضائل التي حددها القرآن في أسلوب عربي مبين وتحدث عنها نبأ الإسراء والمعراج في صور رمزية دالة هادفة مؤثرة وبينتها السنة النبوية الشريفة ، وركزها القرآن والسنة على أسس من الإيمان قوية ثابتة ، إنها في رحلة الإسراء والمعراج تكون منهج حياة مؤسسة على الإيمان بالله ورسوله{[331]} .

9- آراء العلماء في الإسراء :

لعله أصبح واضحا أن الإسراء هو الانتقال بالنبي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى .

وأن المعراج هو العروج به إلى السماوات العلا .

ولعل سائلا يسأل ، هل كان الإسراء بالروح والجسد أم بالروح وحدها ويمكن أن نوضح الجواب بما يأتي :

1- أكثر العلماء أن الإسراء كان بالروح والبدن يقظة لا مناما ولهم على ذلك أدلة :

( أ ) أنه لو كان مناما ما كانت قريش تبادر إلى تكذيبه ، ولما قالت أم هانىء : لا تحدث الناس فيكذبوك ، ولما فضل أبو بكر بالصديق ، وجاء في الحديث عن أبي هريرة أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي ، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها ، ( لم أعرفها حق المعرفة ) . فكربت كربا ما كربت مثله قط . فرفعه الله لي أنظر إليه ، فما سألوني عن شيء إلا أنبأهم به ( الحديث ){[332]} .

( ب ) أن التسبيح والتعجب- في قوله : { سبحان الذي أسرى بعبده }- إنما الأمور العظام ، ولو كان ذلك مناما لم يكن فيه كبير شأن ، ولم يكن مستعظما .

( ج ) أن قوله : بعبده يدل على مجموع الروح والجسد .

( د ) أن ابن عباس قال في قوله : { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } ؛ هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى لله عليه وسلم ليلة أسري به ويؤيده أن العرب قد تستعمل الرؤيا في المشاهدة الحسي ، ألا ترى إلى قول الراعي يصف صائدا :

وكبر للرؤيا وهش فؤاده *** وبشر قلبنا كان جما بلابله

( ه ) أن الحركة بهذه السرعة ممكنة في نفسها ، فقد جاء في القرآن أن الرياح كانت تسير بسليمان عليه السلام إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة ، قال تعالى : { غدوها شهر ورواحها شهر } . وجاء فيه أن الذي عنده علم من الكتاب أحضر عرش بلقيس من أقصى الشام في مقدار لمح البصر ، كما قال تعالى : { قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } . وإذا جاز هذا لدى طائفة من الناس جاز لدى النبي بالأولى .

ويرى آخرون أن الإسراء كان بالروح فحسب ، ولهم على ذلك حجج :

( أ ) أن معاوية بن أبي سفيان كان إذا سأل عن سري رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( كان رؤيا من الله صادقة ) ، وقد ضعف هذا ؛ بأن معاوية يومئذ كان من المشركين فلا يقبل خبره في مثل هذا ، أو أن هذا رأى لمعاوية لا سند له .

( ب ) أن بعض آل بني بكر قال : كانت عائشة تقول : ما فقدت جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن أسري بروحه ، ونقدوا هذا ؛ بأن عائشة يومئذ كانت صغيرة ولم تكن زوجا لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

( ج ) أن الحسن قال : في قوله : { وما جعلنا الرؤيا . . . } الآية ، أنها رؤيا منام رآها ، والرؤيا تختص بالنوم .

قال أبو جعفر الطبري : الصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله أسري بعبده محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كما أخبر الله عباده ، وكما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن حمله على البراق حتى أتاه به وصلى هناك بمن صلى من الأنبياء والرسل فأراه ما أراه من الآيات ولا معنى لقول من قال : أسري بروحه دون جسده ؛ لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن في ذلك ما يوجب أن يكون دليلا على نبوته ، ولا حجة على رسالته ، ولا كان الذي أنكروا حقيقة ذلك من أهل الشرك كانوا يدفعون به عن صدقه فيه ؛ إذ لم يكن منكرا عندهم ، ولا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة من بني آدم أن يرى الرائي منهم في المنام ما على مسيرة سنة ، فكيف ما هو مسيرة شهر أو أقل- وبعد فإن الله إنما أخبر في كتابه : أنه أسري بعبده ولم يخبرنا بأنه أسري بروح عبده ، وليس جائزا لأحد أن يتعدى ما قال الله إلى غيره- إلى أن الأدلة الواضحة والأخبار المتابعة عن رسول الله صلى اله عليه وسلم أن الله أسري به على دابة يقال لها : البراق ، ولو كان الإسراء بروحه لم تكن الروح محمولة على البراق ، إذ كانت الدواب لا تحمل إلا الأجساد . 1ه .

والخلاصة :

أن الذي عليه المعول عند جمهرة المسلمين أنه أسري به عليه السلام يقظة لا مناما من مكة إلى بيت المقدس راكبا البراق ، فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب ودخله يصلي في قبلته تحية المسجد ركعتين وعرج به إلى السماء وعاد منها ثم ركب البراق وعاد إلى مكة قبل الفجر .

عظة وذكرى :

10- إننا لنقف قليلا عند هذين الحادثين الجليلين ؛ لنستخلص منهما أمورا هي غاية في العظة والاعتبار :

1- أن هاتين الرحلتين : الرحلة الأرضية ( الإسراء ) والرحلة السماوية ( المعراج ) حدثتا في ليلة واحدة قبل الهجرة بسنة ؛ ليمحص الله المؤمنين ويبين منهم صادق الإيمان ومن في قلبه مرض ؛ فيكون الأول خليقا بصحبة رسوله الأعظم إلى دار الهجرة والانضواء تحت لوائه ، وجديرا بما يحتمله من أعباء عظام وتكاليف شاقة من حروب دينية ، وقيام بدعوة عظيمة تستتبع همة قعساء وإنشاء دولة تبتلع المعمور في ذلك الحين شرقا وغربا .

2- أن الله أطلع رسوله على ما في هذا الكون أرضية وسماوية من العظمة والجلال ؛ ليكون ذلك درسا عمليا ؛ لتعليم رسوله بالمشاهدة والنظر ، فإن التعليم بالمشاهدة أجدى أنواع التعليم ، فهو وإن لم يذهب إلى مدرسة أو يجلس إلى معلم أو يسبح في أرجاء المعمورة أو يصعد بالآيات العلمية إلى السماء ؛ فقد كفل له ربه ذلك بما أراه من آياته الكبرى وما أطلعه من مشاهدة تلك العوالم التي لا تصل أذهاننا إلى إدراك كنهها إلا بضرب من التخيل والتوهم ، فأنّى لنا أن نصل إلى ذلك وقد حبس عنا الكثير من العلم ولم نؤت إلا قليله { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } .

3- أن ما يجد كل يوم من ضروب المخترعات والتوصل بها إلى طي المسافات بوسائل الطائرات والنفاثات والأقمار الصناعية ، جعلنا نعتقد أن ما جاء في وصف هاتين الرحلتين- من الأمور الميسورة التي ليست بالعزيزة الحصول أو الأمور المستحيلة .

4- أن روحانية الأنبياء تتغلب على كثافة أجسامهم ، فما يخيل إلينا من العوائق العملية من صعوبة الوصول إلى الملإ الأعلى ؛ لتخلخل الهواء واستحالة الوصول إلى الطبقات العليا من السماء ، فهو إنما يكون بالنظر إلى الأجرام والأجسام المشاهدة في عالم الحس ، وأن لروحانية الأنبياء والملائكة أحكاما لم يصل العقل البشري إلى تحديدها وإبداء الرأي فيها وإنها لفوق مستوى إدراكه ، فأجدر بنا ألا نطيل البحث فيها ولا التعمق في استقصاء آثارها .

5- أن ما جاء في الحديث من أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى إماما بالأنبياء في عالم السماوات ؛ ليرشد أن محمدا صلى الله عليه وسلم جاء بشريعة ختمت الشرائع السابقة كلها ، وأتمتها ومن أوتوها ألقوا الزعامة إليه وصاروا مؤتمين به .

6- أن في هذا مغزى جديرا بطويل التأمل والتفكر وهو أن جميع الأنبياء كانوا في وفاق ووئام في الملكوت الأعلى- بالقرب من ربهم الذي أرسلهم- أفلا يجدر بمتّبعيهم أن يقتفوا سنة رسلهم وأن يجعلوا أمرهم بينهم سلما لا حربا ، وأن يجعلوا الشريعة الأخيرة والقانون الذي جاءت به هو الشريعة التي يقضى بها بين الناس كما هو متبع في القوانين الوضعية ، فإن الذي يجب العمل به هو القانون الأخير منها .


[1]:- حاشية الجمل 2/647 نقلا عن تفسير الخازن.
[2]:) من قتل نفسه بشيء عذب به: رواه البخاري في الجنائز (1364) في الأدب (6074،6105) في الإيمان والنذور (6653) مسلم في الإيمان(110) وأبو داود في الإيمان والنذور (3257) والترمذي في الطب (2636) والنسائي في الإيمان والنذور (3770) والدرامي في الديات (2361) وأحمد في مسنده (15950، 15956) من حديث ثابت بن الضحاك وكان من أصحاب الشجرة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حلف على ملة غير الإسلام فهو كما قال وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة ومن لعن مؤمنا فهو كقتله ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله.
[3]:من تردى من جبل فقتل نفسه: رواه البخاري في الطب (5778) ومسلم في الإيمان (109) والترمذي في الطب (2044،2043) والنسائي في الجنائز (1965) وابن ماجة في الطب (3460)(9964،9839،7339) والدرامي في الديات (2362)من حديث أبي هريرة مرفوعا: من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدا مخلدا فيها أ بدا ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا.
[4]:اجتنبوا السبع الموبقات: رواه البخاري في الوصايا ح 2767 ومسلم في الإيمان 89 ،والنسائي في الوصايا ح 3671 ،وأبو داود في الوصايا ح 2874 من حديث أبي هريرة.
[5]:ألا أنبأكم بأكبر الكبائر: رواه البخاري في الشهادات ح 2460 ،وفي الأدب ح 5519، 5520 ،ومسلم في الإيمان ح 126، 128، وأحمد ح 11886،19491،19499.
[6]:إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه: رواه البخاري في الأدب (5973) وأبو داود في الأدب (5141) وأحمد في مسنده (6990) من حديث عبد الله بن عمرو.
[7]:ما زال جبريل يوصيني بالجار: رواه البخاري في الأدب (6014) ومسلم في البر و الصلة (2624) وأبو داود في الأدب(5151) والترمذي في البر والصلة (1942) وابن ماجه في الأدب (3673) وأحمد في مسنده (25482،25012،24421،24079،23739) من حديث عائشة. ورواه البخاري في الأدب (6015) ومسلم في البر والصلة (2625) من حديث ابن عمر. ورواه أبو داود في الأدب (5152) والترمذي في البر والصلة (1943) و أحمد في مسنده (6460) من حديث عبد الله بن عمرو. وقال الترميدي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه وقد روى هذا الحديث عن مجاهد عن عائشة وأبي هريرة عن النبي صلى اله عليه وسلم أيضا. ورواه أحمد في مسنده (5552) من حديث عبد الله بن مسعود. ورواه أحمد في مسنده أيضا (10297،9453،7985،7470) من حديث أبي هريرة. ورواه أحمد في مسنده (22583،19837) عن رجل من الأنصار.
[8]:) اقرأ على؛ أحب أن أسمعه من غيري: رواه البخاري في التفسير (4582) وفي فضائل القرآن (5055،5050) ومسلم في صلاة المسافرين (800) والترمذي في التفسير (3024) وأبو داود في العلم (3668) وابن ماجه في الزهد (4194) وأحمد في مسنده (4107،3595،3541) من حديث عبد الله بن مسعود.
[322]:- وهو منصوب على أنه مفعول بفعل مضمر تقديره: أسبح الله سبحانه.
[323]:- وهو فعل لازم تعدى بالباء ومصدره الإسراء، ومعنى أسرى وسرى واحد ولكن مصدر أسرى الإسراء ومصدر سرى: السري بوزن الهدى.
[324]:{ليلا}: منصوب على الظرفية وفي تنكيره تقليل مدة الإسراء؛ لأن التنكير فيه معنى البعضية أي: في بعض الليل، ويظهر ذلك فيقولك: سريت الليل، وسرت ليلا أو أرقت الليل وأرقت ليلا.
[325]:- تفسير مقاتل بن سليمان.
[326]:البخاري، وقد ورد في أن عائشة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أشد ما لقيه من التكذيب فقال لها: لقد لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ما لقيته من أهل عبد ياليل بالطائف.
[327]:- حديث الإسراء: رواه مسلم في الإيمان (162) من حديث أنس.
[328]:- يجعله مستحيلا.
[329]:- هي رؤية عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به: رواه البخاري في المناقب (3888) وفي التفسير (4716) وفي القدر (6613) والترمذي في التفسير (3134) من حديث بن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} قال: هي رؤية عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس قال: {والشجرة الملعونة في القرآن} قال: هي شجرة الزقوم.
[330]:- هذا المعنى مقتبس من كتاب الإسراء والمعراج، للدكتور/ عبد الحليم محمود.
[331]:- الدكتور/ عبد الحليم محمود، الإسراء والمعراج: 67.
[332]:- لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني: رواه مسلم في الإيمان (172) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء في بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربة ما كربت مثله قط- قال- فرفعه الله إلي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى بن مريم عليه السلام قائم يصلي أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي، وإذ إبراهيم عليه السلام قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم- فحانت الصلاة فأممتهم فلما فرغت من الصلاة قال قائل: يا محمد، هذا مالك صاحب النار فسلم عليه فالتفت إليه فبدأني بالسلام).