مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٖ فَتَكُن فِي صَخۡرَةٍ أَوۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَأۡتِ بِهَا ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ} (16)

ثم قال تعالى : { يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير }

لما قال : { فأنبئكم بما كنتم تعملون } وقع لابنه أن ما يفعل في خفية يخفي فقال : { يا بني إنها } أي الحسنة والسيئة إن كانت في الصعر مثل حبة خردل وتكون مع ذلك الصغر في موضع حريز كالصخرة لا تخفى على الله ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قوله : { فتكن } بالفاء لإفادة الاجتماع يعني إن كانت صغيرة ومع صغرها تكون خفية في موضع حريز كالصخرة لا تخفى على الله لأن الفاء للاتصال بالتعقيب .

المسألة الثانية : لو قيل الصخرة لا بد من أن تكون في السماوات أو في الأرض فما الفائدة في ذكرها ؟ ولأن القائل لو قال هذا رجل أو امرأة أو ابن عمرو لا يصح هذا الكلام لكون ابن عمرو داخلا في أحد القسمين فكيف يفهم هذا ، فنقول الجواب عنه من أوجه أحدها : ما قاله بعض المفسرين وهو أن المراد بالصخرة صخرة عليها الثور وهي لا في الأرض ولا في السماء والثاني : ما قاله الزمخشري وهو أن فيه إضمارا تقديره فتكن في صخرة أو في موضع آخر في السماوات أو في الأرض والثالث : أن نقول تقديم الخاص وتأخير العام في مثل هذا التقسيم جائز وتقديم العام وتأخير الخاص غير جائز ، أما الثاني فلما بينتم أن من قال هذا في دار زيد أو في غيرها أو في دار عمرو لا يصح لكون دار عمرو داخلة في قوله أو في غيرها ، وأما الأول فلأن قول القائل هذا في دار زيد أو في دار عمرو أو في غيرها صحيح غير قبيح فكذلك ههنا قدم الأخص أو نقول خفاء الشيء يكون بطرق منها أن يكون في غاية الصغر ومنها أن يكون بعيدا ، ومنها أن يكون في ظلمة ، ومنها أن يكون من وراء حجاب ، فإن انتفت الأمور بأسرها بأن يكون كبيرا قريبا في ضوء من غير حجاب فلا يخفى في العادة ، فأثبت الله الرؤية والعلم مع انتفاء الشرائط فقوله : { إنها إن تك مثقال حبة } إشارة إلى الصغر وقوله : { فتكن في صخرة } إشارة إلى الحجاب وقوله : { أو في السماوات } إشارة إلى البعد فإنها أبعد الأبعاد وقوله : { أو في الأرض } إشارة إلى الظلمات فإن جوف الأرض أظلم الأماكن وقوله : { يأت بها الله } أبلغ من قول القائل يعلمها الله لأن من يظهر له الشيء ولا يقدر على إظهاره لغيره يكون حاله في العلم دون حال من يظهر له الشيء ويظهره لغيره فقوله : { يأت بها الله } أي يظهرها الله للأشهاد وقوله : { إن الله لطيف } أي نافذ القدرة { خبير } أي عالم ببواطن الأمور .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٖ فَتَكُن فِي صَخۡرَةٍ أَوۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَأۡتِ بِهَا ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ} (16)

{ يا بني إنها أن تك مثقال حبة خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير( 16 ) يا بني أقم الصلواة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور( 17 ) ولا تصغر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور( 18 ) واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير( 19 ) }

المفردات :

إنها : أي الخصلة من الإساءة أو الإحسان .

إن تك : أي إن تكن في الصغر قدر حبة الخردل مثلا .

مثقال : المثقال ما يقدر به غيره لتساوى ثقلهما وهو في العرف معلوم وزنه .

يأت بها الله : يحضرها فيحاسب عليها .

لطيف : يصل علمه إلى كل خفي .

خبير : عالم بكنهه .

التفسير :

{ يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير . }

هذه وصايا نافعة قد حكاها الله تعالى عن لقمان الحكيم ليمتثلها الناس ويقتدوا بها فقال :

{ يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل . . . }

أي : إن المظلمة أو الخطيئة لو كانت في الصغر قدر حبة الخردل مثلا وكانت مع ذلك في أخفى مكان وأحرزه كجوف الصخرة أو بعيدة في السماء أو قريبة في الأرض .

{ يأت بها الله . . . . }

يحضرها الله يوم القيامة ، حين يضع الموازين القسط ويجازي عليها إن خيرا فخيرا وإن شرا فشر .

قال تعالى : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين . ( الأنبياء ك 47 ) .

وقوله تعالى { يأت بها الله . . . } إما على ظاهره أو معناه : بمعنى يحضر ثوابها وجزائها ويجعلها كالحاضر المشاهد للتذكير والاعتراف بها .

{ إن الله لطيف خبير } يصل علمه إلى كل خفي فلا تخفى عليه الأشياء وإن دقت ولطفت واستترت .

خبير : عالم بكنهه ومستقره عالم بدبيب النمل في الليل البهيم .