فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{فَقَالُواْ رَبَّنَا بَٰعِدۡ بَيۡنَ أَسۡفَارِنَا وَظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَ وَمَزَّقۡنَٰهُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ} (19)

ثم ذكر سبحانه : أنهم لم يشكروا النعمة ، بل طلبوا التعب والكد . { فَقَالُواْ رَبَّنَا باعد بَيْنَ أَسْفَارِنَا } وكان هذا القول منهم بطراً وطغياناً لما سئموا النعمة ، ولم يصبروا على العافية ، فتمنوا طول الأسفار ، والتباعد بين الديار ، وسألوا الله تعالى أن يجعل بينهم وبين الشام مكان تلك القرى المتواصلة الكثيرة الماء والشجر والأمن ، والمفاوز والقفار ، والبراري المتباعدة الأقطار ، فأجابهم الله إلى ذلك ، وخرّب تلك القرى المتواصلة ، وذهب بما فيها من الخير ، والماء والشجر ، فكانت دعوتهم هذه كدعوة بني إسرائيل حيث قالوا : { فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الارض مِن بَقْلِهَا } [ البقرة : 61 ] الآية مكان المنّ والسلوى ، وكقول النضر بن الحارث { اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء } [ الأنفال : 32 ] الآية . قرأ الجمهور { ربنا } بالنصب على أنه منادى مضاف ، وقرءوا أيضاً { باعد } وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن ، وهشام عن ابن عامر : ( بعد ) بتشديد العين ، وقرأ ابن السميفع بضم العين فعلاً ماضياً ، فيكون معنى هذه القراءة : الشكوى من بعد الأسفار ، وقرأ أبو صالح ، ومحمد بن الحنفية ، وأبو العالية ، ونصر بن عاصم ، ويعقوب { ربنا } بالرفع : { باعد } بفتح العين على أنه فعل ماض على الابتداء والخبر .

والمعنى : لقد باعد ربنا بين أسفارنا ، ورويت هذه القراءة عن ابن عباس ، واختارها أبو حاتم ، قال : لأنهم ما طلبوا التبعيد إنما طلبوا أقرب من ذلك القرب الذي كان بينهم وبين الشام بالقرى المتواصلة بطراً ، وأشراً وكفراً للنعمة . وقرأ يحيى بن يعمر ، وعيسى بن عمر : ( ربنا ) بالرفع ، ( بعد ) بفتح العين مشدّدة ، فيكون معنى هذه القراءة : الشكوى بأن ربهم بعد بين أسفارهم مع كونها قريبة متصلة بالقرى والشجر والماء ، فيكون هذا من جملة بطرهم ، وقرأ أخو الحسن البصري كقراءة ابن السميفع السابقة مع رفع بين على أنه الفاعل كما قيل في قوله : { لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } [ الأنعام : 94 ] . وروى الفرّاء ، والزجاج قراءة مثل هذه القراءة لكن مع نصب بين على أنه ظرف ، والتقدير : بعد سيرنا بين أسفارنا . قال النحاس : وهذه القراءات إذا اختلفت معانيها لم يجز أن يقال : إحداها أجود من الأخرى كما لا يقال ذلك في أخبار الآحاد إذا ا ختلفت معانيها ، ولكن أخبر عنهم : أنهم دعوا ربهم أن يبعد بين أسفارهم ، فلما فعل ذلك بهم شكوا وتضرّروا ، ولهذا قال سبحانه : { وَظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } حيث كفروا بالله ، وبطروا نعمته ، وتعرّضوا لنقمته { فجعلناهم أَحَادِيثَ } يتحدّث الناس بأخبارهم . والمعنى : جعلناهم ذوي أحاديث يتحدّث بها من بعدهم تعجباً من فعلهم ، واعتباراً بحالهم وعاقبتهم { ومزقناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ } أي فرّقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق ، وهذه الجملة مبينة لجعلهم أحاديث ، وذلك أن الله سبحانه لما أغرق مكانهم ، وأذهب جنتهم ، تفرّقوا في البلاد ، فصارت العرب تضرب بهم الأمثال . فتقول : تفرّقوا أيدي سبا . قال الشعبي : فلحقت الأنصار بيثرب ، وغسان بالشام ، والأزد بعمان ، وخزاعة بتهامة { إِنَّ في ذَلِكَ لأَيَاتٍ } أي فيما ذكر من قصتهم ، وما فعل الله بهم لآيات بينات ، ودلالات واضحات { لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } أي لكل من هو كثير الصبر والشكر ، وخصّ الصبار الشكور ، لأنهما المنتفعان بالمواعظ والآيات .

/خ21