{ وَإِنْ خِفْتُمْ } الخطاب كما قال ابن جبير والضحاك وغيرهما للحكام ، وهو وارد على بناء الأمر على التقدير المسكوت عنه للإيذان أن ذلك مما ليس ينبغي أن يفرض تحققه أعني عدم الإطاعة ؛ وقيل : لأهل الزوجين أو للزوجين أنفسهما ، وروى ذلك عن السدي ، والمراد فإن علمتم كما قال ابن عباس أو فإن ظننتم كما قيل { شِقَاقَ بَيْنِهِمَا } أي الزوجين ، وهما وإن لم يجر ذكرهما صريحاً فقد جرى ضمناً لدلالة النشوز الذي هو عصيان المرأة زوجها ، والرجال والنساء عليهما ، والشقاق الخلاف والعداوة واشتقاقه من الشق وهو الجانب لأن كلاً من المتخالفين في شق غير شق الآخر ، و بين من الظروف المكانية التي يقل تصرفها ، وإضافة الشقاق إليها إما لإجراء الظرف مجرى المفعول كما في قوله :
يا سارق الليلة أهل الدار *** أو الفاعل كقولهم صام نهاره ، والأصل شقاقاً بينهما أي أن يخالف أحدهما الآخر ، فللملابسة بين الظرف والمظروف نزل منزلة الفاعل أو المفعول وشبه بأحدهما ثم عومل معاملته في الإضافة إليه ، وقيل : الإضافة بمعنى في وقيل : إن بين هنا بمعنى الوصل الكائن بين الزوجين أعني المعاشرة وهو ليس بظرف ، وإلى ذلك يشير كلام أبي البقاء ، ولم يرتض ذلك المحققون .
{ فابعثوا } أي وجهوا وأرسلوا إلى الزوجين لإصلاح ذات البين { حُكْمًا } أي رجلاً عدلاً عارفاً حسن السياسة والنظر في حصول المصلحة { مّنْ أَهْلِهِ } أي الزوج ، و { مِنْ } إما متعلق بابعثوا فهو لابتداء الغاية ، وإما بمحذوف وقع صفة للنكرة فهي للتبعيض { وَحَكَماً } آخر على صفة الأول { مّنْ أَهْلِهَا } أي الزوجة ، وخص الأهل لأنهم أطلب للصلاح وأعرف بباطن الحال وتسكن إليهم النفس فيطلعون على ما في ضمير كلّ من حب وبغض وإرادة صحبة أو فرقة وهذا على وجه الاستحباب ، وإن نصبا من الأجانب جاز ، واختلف في أنهما هل يليان الجمع والتفريق إن رأيا ذلك ؟ فقيل لهما وهو المروي عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما وإحدى الروايتين عن ابن جبير ، وبه قال الشعبي فقد أخرج الشافعي في الأم . والبيهقي في «السنن » . وغيرهما عن عبيدة السلماني قال : «جاء رجل وامرأة إلى علي كرم الله تعالى وجهه ومع كل واحد منهم فئام من الناس فأمرهم علي كرم الله تعالى وجهه أن يبعثوا رجلاً حكماً من أهله ورجلاً حكماً من أهلها ، ثم قال للحكمين : تدريان ما عليكما ؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا ، قالت المرأة : رضيت بكتاب الله تعالى بما عليّ فيه ولي ، وقال الرجل : أما الفرقة فلا ، فقال علي كرم الله تعالى وجهه : كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به ، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في هذه الآية : { وَإِنْ خِفْتُمْ } الخ هذا في الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما أمر الله تعالى أن يبعثوا رجلاً صالحاً من أهل الرجل ورجلاً مثله من أهل المرأة فينظران أيهما المسيء فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقسروه على النفقة ، وإن كانت المرأة هي المسيئة قسروها على زوجها ومنعوها النفقة فإن اجتمع أمرهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز ، فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره ذلك الآخر ثم مات أحدهما فإن الذي رضي يرث الذي كره ولا يرث الكاره الراضي ، وقيل : ليس لهما ذلك ، وروي ذلك عن الحسن .
فقد أخرج عبد الرزاق وغيره عنه أنه قال : إنما يبعث الحكمان ليصلحا ويشهدا على الظالم بظلمه ، وأما الفرقة فليست بأيديهما ، وإلى ذلك ذهب الزجاج ، ونسب إلى الإمام الأعظم ، وأجيب عن فعل علي كرم الله تعالى وجهه بأنه إمام وللإمام أن يفعل ما رأى فيه المصلحة فلعله رأى المصلحة فيما ذكر فوكل الحكمين على ما رأى على أن في كلامه ما يدل على أن تنفيذ الأمر موقوف على الرضا حيث قال : للرجل كذبت حتى تقر بمثل الذي أقرت به . وأنت تعلم أن هذا على ما فيه لا يصلح جواباً عما روي عن ابن عباس ، ولعل المسألة اجتهادية وكلام أحد المجتهدين لا يقوم حجة على الآخر . وذهب الإمامية إلى ما ذهب إليه الحسن وكأن الخبر عن علي كرم الله تعالى وجهه لم يثبت عندهم ، وعن الشافعي روايتان في المسألة ، وعن مالك أن لهما أن يتخالعا إن وجدا الصلاح فيه ، ( ونقل عن بعض علمائنا أن الإساءة إن كانت من الزوج فرقا بينهما وإن كانت منها فرقا على بعض ما أصدقها ) ، والظاهر أن من ذهب إلى القول بنفاذ حكمهما جعلهما وكيلين حكما على ذلك . وقال ابن العربي في «الأحكام » : إنهما قاضيان لا وكيلان فإن الحَكَم اسم في الشرع له .
{ إِن يُرِيدَا } أي الحكمان { إصلاحا } أي بين الزوجين وتأليفاً { يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا } فتتفق كلمتهما ويحصل مقصودهما ؛ فالضمير أيضاً للحكمين ، وإلى ذلك ذهب ابن عباس ومجاهد والضحاك وابن جبير والسدي . وجوز أن يكون الضميران للزوجين أي إن أرادا إصلاح ما بينهما من الشقاق أوقع الله تعالى بينهما لألفة والوفاق ، وأن يكون الأول : للحكمين ، والثاني : للزوجين أي إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله تعالى أوقع الله سبحانه بين الزوجين الألفة والمحبة وألقى في نفوسهما الموافقة والصحبة ، وأن يكون الأول : للزوجين ، والثاني : للحكمين أي إن يرد الزوجان إصلاحاً واتفاقاً يوفق الله تعالى شأنه بين الحكمين حتى يعملا بالصلاح ويتحرياه { إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً } بالظواهر والبواطن فيعلم إرادة العباد ومصالحهم وسائر أحوالهم ، وقد استدل الحبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بهذه الآية على الخوارج في إنكارهم التحكيم في قصة عليّ كرم الله تعالى وجهه ، وهو أحد أمور ثلاثة علقت في أذهانهم فأبطلها كلها رضي الله تعالى عنه فرجع إلى موالاة الأمير كرم الله تعالى وجهه منهم عشرون ألفاً ، وفيها كما قال ابن الفرس رد على من أنكر من المالكية بعث الحكمين في الزوجين ، وقال : تخرج المرأة إلى دار أمين أو يسكن معها أمين .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَإِنْ خِفْتُمْ } أيها المرشدون الكمل { شِقَاقَ بَيْنِهِمَا } أي بين الشيخ والمريد { فابعثوا حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا } فابعثوا متوسطين من المشايخ والسالكين { إِن يُرِيدَا إصلاحا } ويقصداه { يُوَفّقِ الله } تعالى
{ بَيْنَهُمَا } [ النساء : 35 ] وهمة الرجال تقلع الجبال . ويمكن أن يكون الرجال إشارة إلى العقول الكاملة والنساء إشارة إلى النفوس الناقصة ، ولا شك أن العقل هو القائم بتدبير النفس وإرشادها إلى ما يصلحها ، ويراد من الحكمين حينئذٍ ما يتوسط بين العقل والنفس من القوى الروحانية
قوله تعالى : ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا ) . خفتم بمعنى : علمتم . والشقاق من الشق وهو يعني الجهة أو الناحية . فكأن كلا من الزوجين يأخذ شقا غير شق صاحبه أو يكون على ناحية مقابلة ومخالفة للناحية التي انتحاها الآخر . وقد أضيف المصدر إلى الظرف المكاني وذلك كقوله تعالى : ( بل مكر الليل والنهار ) أو كقولنا : " صوم يوم عرقة " .
والمخاطب في الآية هم الولاة والأمراء . وقيل : الخطاب موجه للأولياء . والقول الأول هو الراجح وهو قول الجمهور . أما المخاطب في قوله : ( إن يريدا إصلاحا ) قيل : الحكمان . وقيل : الزوجان . ومعنى الآية : إنكم إذا علمتم بوقوع خلاف وتنافر بين الزوجين فابعثوا حكمين من أجل الإصلاح بينهما بحيث يكون الحكم الأول من أهل الزوج والحكم الثاني من أهل الزوجة على أن تتحروا عدالة هذين الحكمين وأنهما من ذوي السيرة الحسنة الحميدة . وإذا لم يوجد من أهل الزوجين من تتوفر فيه هذه الأوصاف وجب اصطفاؤهم من غير أولي القربى على أن يكونا من أهل العدل والعلم والتقوى .
أما مهمة هذين الحكمين فإنها الإصلاح بين الزوجين المتناشزين المتنافرين . حتى إذا اجتمع كل حكم بمن يليه في القربى حدثه حديث العظة والتذكير ، ورغّبه في موادّة زوجه ، ونفّره من فداحة التفريق عسى أن يكون في هذا الحديث الحسن الرؤوف ما يؤلف بين القلبين المتباغضين وما يكون سببا في إذهاب النشوز والبغضاء وتحقيق التآلف والمودّة فيعودان زوجين مؤتلفين متحابين .
والحكمان وهما يراوضان الزوجين على التداني والتآلف يستطيعان الوقوف على مقصد كل من الزوجين فان كانا راغبين في العودة إلى حظيرة الزوجية كان به ونعمت . وإن كان غير ذلك من التدابر الذي لا رجعة بعده قدم الحكمان تقريرهما في ذلك إلى القاضي أو الوالي . والحكمان في ذلك كله مؤتمنان تماما بحيث يقع حكمهما موقع الإلزام الحاسم الذي يأخذ القاضي بموجبه ليقضي بما قضيا . وعلى ذلك فإن قضى الحكمان بالتفريق كان ذلك بمثابة طلاق بائن وهو قول الشافعية والمالكية وآخرين من أهل العلم ، وذلك استنادا إلى قوله تعالى : ( فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ) وهذا نص من الله تعالى أن الحكمين قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان . وقيل : إن الحكمين ليس لهما إيقاع الطلاق ما لم يوكلهما الزوج في ذلك ويطلعا القاضي عليه . وهذا بناء على أن الحكمين رسولان شاهدان ، والإمام يفرق إن أراد ويأمر الحكمين بالتفريق . وهو قول الحنفية ، وأحد قولي الشافعي .
أما إذا اختلف الحكمان فقال أحدهما بما يخالف الآخر بات قولهما غير ذي اعتبار ولا هو بنافذ حتى يتفقا . فلو قضى أحدهما بالتفريق ولم يقض الآخر بذلك لم يؤخذ بقولهما معا . وكذلك لو حكم أحدهما بمال وأبى الآخر فليس ذلك بشيء حتى يتفقا{[744]} .