روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا} (36)

{ واعبدوا الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } كلام مبتدأ مسوق للإرشاد إلى خلال مشتملة على معالي الأمور إثر إرشاد كل من الزوجين إلى المعاملة الحسنة ، وإزالة الخصومة والخشونة إذا وقعت في البين وفيه تأكيد لرعاية حق الزوجية وتعليم المعاملة مع أصناف من الناس ، وقدم الأمر بما يتعلق بحقوق الله تعالى لأنها المدار الأعظم ، وفي ذلك إيماء أيضاً إلى ارتفاع شأن ما نظم في ذلك السلك ، والعبادة أقصى غاية الخضوع ، و { شَيْئاً } إما مفعول به أي لا تشركوا به شيئاً من الأشياء صنماً كان أو غيره ، فالتنوين للتعميم . واختار عصام الدين كونه لتحقير ليكون فيه توبيخ عظيم أي لا تشركوا به شيئاً حقيراً مع عدم تناهي كبريائه إذ كل شيء في جنب عظمته سبحانه أحقر حقير ونسبة الممكن إلى الواجب أبعد من نسبة المعدوم إلى الموجود إذ المعدوم إمكان الموجود ، وأين الإمكان من الوجوب ؟ ضدان مفترقان أيّ تفرق ، وإما مصدر أي لا تشركوا به عز شأنه شيئاً من الإشراك جلياً أو خفياً ، وعطف النهي عن الإشراك على الأمر بالعبادة مع أن الكف عن الإشراك لازم للعبادة بذلك التفسير إذ لا يتصور غاية الخضوع لمن له شريك ضرورة أن الخضوع لمن لا شريك له فوق الخضوع لمن له شريك للنهي عن الإشراك فيما جعله الشرع علامة نهاية الخضوع ، أو للتوبيخ بغاية الجهل حيث لا يدركون هذا اللزوم كذا قيل : ولعل الأوضح أن يقال : إن هذا النهي إشارة إلى الأمر بالإخلاص فكأنه قيل : واعبدوا الله مخلصين له ويؤل ذلك كما أومأ إليه الإمام إلى أنه سبحانه أمر أولاً بما يشمل التوحيد وغيره من أعمال القلب والجوارح ثم أردفه بما يفهم منه التوحيد الذي لا يقبل الله تعالى عملاً بدونه فالعطف من قبيل عطف الخاص على العام .

{ وبالوالدين إحسانا } أي وأحسنوا بهما إحساناً فالجار متعلق بالفعل المقدر ، وجوز تعلقه بالمصدر وقدم للاهتمام وأحسن يتعدى بالباء وإلى واللام ، وقيل : إنما يتعدى بالباء إذا تضمن معنى العطف . والإحسان المأمور به أن يقوم بخدمتهما ولا يرفع صوته عليهما ، ولا يخشن في الكلام معهما ، ويسعى في تحصيل مطالبهما والانفاق عليهما بقدر القدرة ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام فيما يتعلق بهما . { وَبِذِى القربى } أي بصاحب القرابة من أخ وعم وخال وأولاد كل ونحو ذلك ، وأعيد الباء هنا ولم يعد في البقرةقال في «البحر » : لأن هذا توصية لهذه الأمة فاعتنى به وأكد ، وذلك في بني إسرائيل . { واليتامى والمساكين } من الأجانب { والجار ذِى القربى } أي الذي قرب جواره { والجار الجنب } أي البعيد من الجنابة ضد القرابة ، وهي على هذا مكانية ، ويحتمل أن يراد بالجار ذي القربى من له مع الجوار قرب واتصال بنسب أو دين وبالجار الجنب الذي لا قرابة له ولو مشركاً ، أخرج أبو نعيم .

والبزار من حديث جابر بن عبد الله وفيه ضعف قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الجيران ثلاثة : فجار له ثلاثة حقوق : حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام ، وجار له حقان : حق الجوار وحق الإسلام ، وجار له حق واحد : حق الجوار ، وهو المشرك من أهل الكتاب " ، وأخرج البخاري في الأدب عن عبد الله بن عمر أنه ذبحت له شاة فجعل يقول لغلامه : أهديت لجارنا اليهودي أهديت لجارنا اليهودي ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " والظاهر أن مبنى الجوار على العرف ، وعن الحسن كما في الأدب أنه سئل عن الجار فقال : أربعين داراً أمامه وأربعين خلفه وأربعين عن يمينه وأربعين عن يساره ، وروي مثله عن الزهري . وقيل : أربعين ذراعاً ، ويبدأ بالأقرب فالأقرب ، فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي ؟ قال : إلى أقربهما منك باباً ، وقرىء والجار ذا القربى بالنصب أي وأخص الجار ، وفي ذلك تنبيه على عظم حق الجار . وقد أخرج الشيخان عن أبي شريح الخزاعي " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره " وفيما سمعه عبد الله كفاية ، وأخرجه الشيخان وأحمد من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها .

{ والصاحب بالجنب } هو الرفيق في السفر أو المنقطع إليك يرجو نفعك ورفدك ، وكلا القولين عن ابن عباس ، وقيل : الرفق في أمر حسن كتعلم وتصرف وصناعة وسفر وعدوا من ذلك من قعد بجنبك في مسجد أو مجلس وغير ذلك من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه ، واستحسن جماعة هذا القيل لما فيه من العموم . وأخرج عبد بن حميد عن علي كرم الله تعالى وجهه الصاحب بالجنب المرأة ، والجار متعلق بمحذوف وقع حالاً من الصاحب ، والعامل فيه الفعل المقدر { وابن السبيل } وهو المسافر أو الضيف . { وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم } قال مقاتل : من عبيدكم وإمائكم ، وكان كثيراً ما يوصي بهم صلى الله عليه وسلم فقد أخرج أحمد والبيهقي عن أنس قال : «كان عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل يغرغرها في صدره وما يفيض بها لسانه » ثم الإحسان إلى هؤلاء الأصناف متفاوت المراتب حسبما يليق بكل وينبغي { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً } أي ذا خيلاء وكبر يأنف من أقاربه وجيرانه مثلاً ولا يلتفت إليهم { فَخُوراً } يعد مناقبه عليهم تطاولاً وتعاظماً ، والجملة تعليل للأمر السابق .

أخرج الطبراني وابن مردويه عن ثابت بن قيس بن شماس قال : «كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ هذه الآية { إِنَّ الله } الخ فذكر الكبر وعظمه فبكى ثابت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما يبكيك ؟ فقال : يا رسول الله إني لأحب الجمال حتى إنه ليعجبني أن يحسن شراك نعلي قال : فأنت من أهل الجنة إنه ليس بالكبر أن تحسن راحلتك ورحلك ولكن الكبر من سفه الحق وغمص الناس " والأخبار في هذا الباب كثيرة .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ واعبدوا الله } بالتوجه إليه والفناء فيه { وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } مما تحسبونه شيئاً وليس بشيء إذ لا وجود حقيقة لغيره سبحانه { وبالوالدين } الروح والنفس اللذين تولد بينهما القلب أحسنوا { إحسانا } فاستفيضوا من الأول وتوجهوا بالتسليم إليه وزكوا الثاني وطهروا برديه { وَبِذِى القربى } وهم من يناسبكم بالاستعداد الأصلي والمشاكلة الروحانية { واليتامى } المستعدين المنقطعين عن نور الأب وهو الروح بالاحتجاب { والمساكين } العاملين الذين لا حظ لهم من المعارف ولذا سكنوا عن السير وهم الناسكون { والجار ذِى القربى } القريب من مقامك في السلوك { والجار الجنب } البعيد مقامه عن مقامك { والصاحب بالجنب } الذي هو في عين مقامك { وابن السبيل } أي السالك المتغرب عن مأوى النفس الذي لم يصل إلى مقام بعد { وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم } من المنتمين إليكم بالمحبة والإرادة ، وقيل : الوالدين إشارة إلى المشايخ وإحسان المريد إليهم إطاعتهم والانقياد إليهم وامتثال أوامرهم فإنهم أطباء القلوب وهم أعرف بالداء والدواء ولا يداوون إلا بما يرضي الله تعالى وإن خفي على المريد وجهه . ومن هنا قال الجنيد قدس سره : أمرني ربي أمراً وأمرني السَّرِي أمراً فقدمت أمر السري على أمر ربي وكل ما وجدت فهو من بركاته ، وأول { وَبِذِى القربى واليتامى } بالروح الناطقة العارفة العاشقة الملكوتية التي خرجت من العدم بتجلي القدم وانقدحت من نور الأزل وهي أقرب كل شيء وهي جار الله تعالى المصبوغة بنوره والإحسان إليها أن تطلقها من فتنة الطبيعة وتقدس مسكنها من حظوظ البشرية لتطير بجناح المعرفة والشوق إلى عالم المشاهدة { والجار الجنب } بالصورة الحاملة للروح والإحسان إليها أن تفطم جوارحها من رضع ضرع الشهوات { والصاحب بالجنب } وهو القلب الذي يصحبك في سفر الغيب والإحسان إليه أن تفرده من الحدثان وتشوقه إلى جمال الرحمن ، وقيل : هو النفس الأمارة ، وفي الخبر «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك » والإحسان إليها أن تحبسها في سجن العبودية وتحرقها بنيران المحبة ، وأول { ابن السبيل } بالولي الكامل فإنه لم يزل ينتقل من نور الأفعال إلى نور الصفات ومن نور الصفات إلى نور الذات والإحسان إليه كتم سره وعدم الخروج عن دائرة أمره ، وقال بعض العارفين : وإن شئت أولت ( ذا القربى ) بما يتصل بالشخص من المجردات ( واليتامى ) بالقوى الروحانية ، ( والمساكين ) بالقوى النفسانية من الحواس الظاهرة وغيرها { والجار ذِى القربى } بالعقل { والجار الجنب } بالوهم { والصاحب بالجنب } بالشوق والإرادة { وابن السبيل } بالفكر والمماليك بالملكات المكتسبة التي هي مصادر الأفعال الجميلة ، وباب التأويل واسع جداً { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً } يسعى بالسلوك في نفسه { فَخُوراً } [ النساء : 36 ] بأحواله ومقاماته محتجباً برؤيتها

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا} (36)

قوله تعالى : ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجانب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ) العبودية تعني التذلل والخضوع لله وحده والإخلاص له في القول والفعل . حتى إن العبادة التي يشوبها رياء أو نقص في الإخلاص فإنها غير مقبولة إذ لا يقبل من العبادة إلا ما كان خالصا لله تماما . قال سبحانه في هذا الصدد : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) وروى الإمام أحمد عن محمود بن لبيد أن رسول الله ( ص ) قال : " عن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال : " الرياء ، يقول الله يوم القيامة ، إذا جزى الناس بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء " . وبذلك يأمر الله سبحانه عباده أن يخلصوا له العبادة بعبادته وحده من غير شريك ذلك أن الإشراك بالله هو أكبر الكبائر وأعظم العظائم . والله تعالى أشد ما يغضب للإشراك به من قبل العباد كيفما كانت صورة الشرك ، وصور الشرك كثيرة وشتى فمنها أن يتخذ الناس مع الله آلهة أخرى كالأوثان والأوطان والملوك ، فكل أولئك أصناف من الشركاء التي يتخذ منها الناس آلهة تعبد مع الله أو من دونه . ومنها الرياء وهو إحساس خفي يخالط قلب الإنسان فيحرفه عن الإخلاص لله في القول والعمل ليبتغي بذلك إطراء الناس وثناءهم .

قوله : ( وبالوالدين إحسانا ) إحسانا مصدر لفعل محذوف تقديره أحسنوا . والله يأمر بالإحسان لجملة من الناس يأتي في طليعتهم أحقهم بالفضل والإجلال والتكريم ، وهما الوالدان . وقد قال العلماء : إن أحق الناس بعد الخالق المنان بالشكر والإحسان والتزام البر والطاعة والإذعان ذلكما اللذان قرن الله الإحسان إليهما بعبادته سبحانه ألا وهما الوالدان . ويبدو ذلك في قوله تعالى : ( أن اشكر لي ولوالديك ) وقد قال النبي ( ص ) : " رضا الرب في رضا الوالدين ، وسخطه في سخط الوالدين " . والإحسان للوالدين في هذه الآية لا يرد على سبيل الندب والاستحباب ، بل هو وارد مورد الفرضية والإيجاب . فإن طاعة الوالدين في غير معصية والإحسان إليهما وبرهما أمور أوجبها الله إيجابا على كل مسلم عاقل بالغ له أبوان أو أحدهما على قيد الحياة . وليس في معصيتهما والنكول عن البر بهما والإحسان إليهما أو أحدهما إلا ضرب من ضروب الجريمة الكبرى التي يسقط فيها الخاسرون التعساء ، وهي جريمة بشعة نكراء قد شدد الإسلام في الإغلاظ عليها بأنها إحدى السبل التي تؤدي بالعاقين العصاة إلى جهنم والعياذ بالله .

وتوجب الآية كذلك الإحسان لذوي القربى بعد أن عطفهم على الوالدين . وأولوا القربى هم الذين تربطهم بالمرء رابطة النسب على اختلاف درجاتهم ، سواء كانوا من أولي الأرحام أو العصبات وسواء كانوا من الورثة أو غير وارثين .

وكذلك توصي الآية بالإحسان للمساكين وهم جمع تكسير مفردة مسكين . وفي بيان حقيقة المسكين قد وردت أقوال كثيرة مختلفة لعل أصوبها وأرجحها أن المسكين هو الذي يملك من المال والمؤونة ما لا يكفيه . فهو بذلك من ذوي الحاجة الذين ليس لديهم ما يكفي لسد حاجتهم فهؤلاء يجدر بالمسلمين أن يحدبوا عليهم وأن يحسنوا إليهم بمختلف وجوه الإحسان .

وقوله : ( والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب ) الجار من الجوار وهو الأمان والعهد وإعطاء الرجل ذمة فيكون بها جاره فيجيره . يقال " هو في جواري " أي في عهدي وأماني{[745]} . وفي كلمة الجار ما يوحي بوجوب صون الجار من الضرر وكف الأذى عنه ثم الإحسان إليه باعتباره داخلا في الجوار لجاره أي في أمانه وعهده . وهذه مرتبة عظيمة يحتلها الجار من حيث وجوب الإحسان إليه ودفع الشر والبوائق عنه . وإسداء النصح والبر وكل وجوه البر والخير له .

وفي الآية تقسيم للجار إلى صنفين . أولهما : الجار ( ذي القربى ) أي القريب ، ثانيهما : ( الجار الجنب ) . وهو الغريب . وقيل المقصود بالجار ذي القربى المسلم . أما الجار الجنب فهو النصراني أو اليهودي وكل هؤلاء موصى بهم سواء كانوا أقرباء أم غرباء ، أو كانوا مسلمين أو غير مسلمين . وقد أوصى النبي ( ص ) بالجار حق التوصية وعلى نحو ينتزع الاهتمام البالغ بالجار وحقه فقد روى أحمد عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ( ص ) قال : " وما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " وروى البخاري ومسلم عن أبي شريح أن النبي ( ص ) قال : " والله لا يؤمن والله لا يؤمن " قيل : يا رسول الله ومن ؟ قال : " الذي لا يأمن جاره بوائقه " . وروى البزار عن جابر بن عبد الله عن النبي ( ص ) أنه قال : " الجيران ثلاثة فجار له ثلاثة حقوق وجار له حقان وجار له حق واحد ، فأما الجار الذي له ثلاثة حقوق فالجار المسلم القريب له حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام . والجار الذي له حقان فهو الجار المسلم فله حق الإسلام وحق الجوار . والجار الذي له حق واحد هو الكافر له حق الجوار " .

أما في حد الجوار فقد قيل إن حده أربعون دارا من كل ناحية استنادا إلى الحديث الذي يقول : " ألا إن أربعين دارا جار ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه " وفي إكرام الجار أخرج مسلم عن أبي ذر أن النبي ( ص ) قال : " يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك " .

وذلكم حديث آخر قد جمع فيه النبي ( ص ) حقوق الجار وهو مروي عن معاذ بن جبل قال : " قلنا يا رسول الله ، ما حق الجار ؟ قال : " إن استقرضك أقرضته ، وإن استعانك أعنته ، وإن احتاج أعطيته ، وإن مرض عدته ، وإن مات تبعت جنازته ، وإن أصابه خير سرّك وهنيته ، وإن أصابته مصيبة ساءتك وعزّيته ، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها ، ولا تستطل عليه بالبناء لتشرف عليه وتسد عليه الريح إلا بإذنه ، وإن اشتريت فاكهة فأهد له منها ، وإلا فأدخلها سرا لا يخرج ولدك بشيء منه يغيظون به ولده وهل تفقهون ما أقول لكم لن يؤدي حق الجار إلا القليل ممن رحم الله " .

وقوله : ( والصاحب بالجنب ) قيل في تفسيره : هو الرفيق في السفر . وقيل : هي الزوجة ، وقيل : الضيف والقول الأول أرجح والله أعلم .

قوله : ( وابن السبيل ) قيل هو الضيف . وقيل هو الذي يمر بك مجتازا في السفر ، وهذا الأرجح .

قوله : ( وما ملكت أيمانكم ) هم المماليك أو الأرقاء يوصي الله سبحانه بالإحسان إليهم وألا يمسوا بأذى يكرهونه . وقد جعل النبي ( ص ) يوصي بهم في مرض موته ويقول : " الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم " جعل يرددها حتى ما يفيض بها لسانه . وفي البر بالمماليك وجوب الإحسان إليهم ورفع الأذى والظلم عنهم روى البخاري ومسلم عن أبي ذر أن النبي ( ص ) قال : " هم إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ، وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم " وقال عليه الصلاة والسلام : " لا يدخل الجنة خب ولا بخيل ولا سيء الملكة " أي الذي يسيء معاملة من عنده من مماليك .

قوله : ( إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ) . المختال هو ذو الخيلاء المستكبر الذي يجد نفسه عظيما ولا يقوم بحقوق أحد فهو يأنف من أقاربه وجيرانه إذا كانوا ضعفاء ، بل يأنف من ضعاف الناس ومحاويجهم فلا يحسن عشرتهم . قال صاحب الكشاف في المختال : التياه الجهول الذي يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه فلا يتحفى بهم ولا يلتفت إليهم .

وأما الفخور فهو الذي يعدد مناقبه ويمتن على عباد الله بما أعطاه الله{[746]} .


[745]:- القاموس المحيط جـ 1 ص 409.
[746]:- الكشاف جـ 1 ص 526 وتفسير الرازي جـ 10 ص 98- 100 وتفسير القرطبي جـ 5 ص 182- 190.