{ يَا أَهْلَ الكتاب } تكرير للخطاب بطريق الإلتفات ولطف في الدعوة ، وقيل : الخطاب هنا لليهود خاصة { قَدْ جَاءَكُم رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ } على التدريج حسبما تقتضيه المصلحة الشرائع والأحكام النافعة معاداً ومعاشاً المقرونة بالوعد والوعيد ، وحذف هذا المفعول اعتماداً على الظهور إذ من المعلوم أن ما يبينه الرسول هو الشرائع والأحكام ، ويجوز أن ينزل الفعل منزلة اللازم أي يفعل البيان ويبذله لكم في كل ما تحتاجون فيه من أمور الدين ، وأما إبقاؤه متعدياً مع تقدير المفعول { كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب } كما قيل ، فقد قيل فيه : مع كونه تكريراً من غير فائدة يرده قوله سبحانه : { عَلَى فَتْرَة مِّنَ الرسل } فإن فتور الإرسال وانقطاع الوحي إنما يحوج إلى بيان الشرائع والأحكام لا إلى بيان ما كتموه ، و { على فترة } متعلق بجاءكم على الظرفية كما في قوله تعالى : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } [ البقرة : 102 ] أي جاءكم على حين فتور من الإرسال وانقطاع الوحي ومزيد الاحتياج إلى البيان . وجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من ضمير { يبين } أو من ضمير { لكم } أي يبين لكم حال كونه على فترة ، أو حال كونكم على فترة . و { من الرسل } صفة { فترة } و { من } ابتدائية ، أي فترة كائنة من الرسل مبتدأة من جهتهم ، والفترة فعلة من فتر عن عمله يفتر فتوراً إذا سكن ، والأصل فيها الإنقطاع عما كان عليه من الجد في العمل ، وهي عند جميع المفسرين انقطاع ما بين الرسولين .
واختلفوا في مدتها بين نبينا صلى الله عليه وسلم وعيسى عليه السلام ، فقال قتادة : كان بينهما عليهما الصلاة والسلام خمسمائة سنة وستون سنة ، وقال الكلبي : خمسمائة وأربعون سنة ، وقال ابن جريج : خمسمائة سنة ، وقال الضحاك : أربعمائة سنة وبضع وثلاثون سنة ، وأخرج ابن عساكر عن سلمان رضي الله تعالى عنه أنها ستمائة سنة ، وقيل : كان بين نبينا صلى الله عليه وسلم وأخيه عيسى عليه السلام ثلاثة أنبياء هم المشار إليهم بقوله تعالى : { أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث } [ ياس : 14 ] ، وقيل : بينهما عليهما الصلاة والسلام أربعة : الثلاثة المشار إليهم ، وواحد من العرب من بني عبس وهو خالد بن سنان عليه السلام الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم : " ذلك نبي ضيعه قومه " ولا يخفى أن الثلاثة الذين أشارت إليهم الآية رسل عيسى عليه السلام ونسبة إرسالهم إليه تعالى بناءاً على أنه كان بأمره عز وجل ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك ؛ وأما خالد بن سنان العبسي فقد تردد فيه الراغب في «محاضراته » ، وبعضهم لم يثبته ، وبعضهم قال : إنه كان قبل عيسى عليهما الصلاة والسلام لأنه ورد في حديث
" لا نبي بيني وبين عيسى " صلى الله تعالى عليهما وسلم ، لكن في التواريخ إثباته ، وله قصة في «كتب الآثار » مفصلة ، وذكر أن بنته أتت النبي صلى الله عليه وسلم وآمنت به ، ونقش الشيخ الأكبر قدس سره له فصاً في كتابه «فصوص الحكم » ، وصحح الشهاب أنه عليه السلام من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأنه قبل عيسى عليهما الصلاة والسلام ، وعلى هذا فالمراد ببنته الجائية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن صح الخبر بنته بالواسطة لا البنت الصلبية إذ بقاؤهما إلى ذلك الوقت مع عدم ذكر أحد أنها من المعمرين بعيد جداً ، وكان بين موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ألف وسبعمائة سنة في المشهور ، لكن لم يفتر فيها الوحي ، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الله تعالى بعث فيها ألف نبي من بني إسرائيل سوى من بعث من غيرهم .
{ أَن تَقُولُواْ } تعليل لمجىء الرسول بالبيان أي كراهة أن تقولوا كما قدره البصريون أو لئلا تقولوا كما يقدر الكوفيون معتذرين من تفريطكم في أحكام الدين يوم القيامة { مَا جَاءَنَا من بَشير وَلاَ نذير } وقد انطمست آثار الشريعة السابقة وانقطعت أخبارها ، وزيادة { من } في الفاعل للمبالغة في نفي المجىء ، وتنكير بشير و نذير على ما قال شيخ الإسلام : للتقليل ؛ وتعقيب { قد جاءكم } الخ بهذا يقتضي أن المقدر ، أو المنوي فيما سبق هو الشرائع والأحكام لا كيفما كانت بل مشفوعة بذكر الوعد والوعيد ، والفاء في قوله تعالى : { فَقَدْ جَاءَكُم بَشيرٌ وَنَذيرٌ } تفصح عن محذوف ما بعدها علة له ، والتقدير هنا لا تعتذروا فقد جاءكم وتسمى الفاء الفصيحة ، وتختلف عبارة المقدر قبلها ، فتارة يكون أمراً أو نهياً ، وتارة يكون شرطاً كما في قوله تعالى : { فهذا يوم البعث } [ الروم : 56 ] ، وقول الشاعر :
فقد جئنا خراساناً *** وتارة معطوفاً عليه كما في قوله تعالى : { فانفجرت } [ البقرة : 60 ] وقد يصار إلى تقدير القول كما في الفرقان ( 19 ) في قوله تعالى : { فقد كذبوكم } ، وإن شئت قدرت هنا أيضاً فقلنا : لا تعتذروا فقد الخ ، وقد صرح بعض علماء العربية أن حقيقة هذه الفاء أنها تتعلق بشرط محذوف ، ولا ينافي ذلك إضمار القول لأنه إذا ظهر المحذوف لم يكن بدّ من إضمار ليرتبط بالسابق فيقال : في البيت مثلاً ، وقلنا ، أو فقلنا : إن صح ما ذكرتم فقد جئنا خراساناً ، وكذلك ما نحن فيه فقلنا : لا تعتذروا فقد جاءكم ، ثم إنه في المعنى جواب شرط مقدر سواء صرح بتقديره أم لا لأن الكلام إذا اشتمل على مترتبين أحدهما على الآخر ترتب العلية كان في معنى الشرط والجزاء ، فلا تنافي بين التقادير . والتقادير المختلفة ، ولو سلم التنافي فهما وجهان ذكروا أحدهما في موضع والآخر في آخر كما حققه في «الكشف » وقد مرت الإشارة من بعيد إلى أمر هذه الفاء فتذكر ، وتنوين بشير و ونذير ) للتفخيم { والله على كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ } فيقدر على إرسال الرسل تترى ، وعلى الإرسال بعد الفترة .
قوله تعالى : { يأهل الكتب فقد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير } هذا خطاب كريم ومثير لأهل الكتاب يعلن فيه الله عن جيئة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم مبينا لهم الأحكام والشرائع التي تحقق لهم المصالح النافعة وتدرأ عنهم الشرور والمفاسد في المعاش والمعاد . أو ليبين لهم ما أخفوه عن الناس مما في كتبهم وما اختلفوا فيه وما زعموه وافتروه من دعاوى واختلاقات عن تميزهم وتفضيلهم على سائر البشر . يبين الله لهم عن طريق رسوله الكريم حقيقة الدين القائم على التوحيد الخالص لله بعيدا عن المغالاة والإفراط والضلالات وشرود الذهن والتصور .
قوله : { على فترة } من الفتور وهو السكون . فتر ، أي سكن بعد حدة ولان بعد شدة . والفترة ما بين كل نبيين فالمراد بالفترة عند جميع المفسرين ما بين الرسولين{[928]} فالمعنى المقصود أن الله بعث نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحي ، أو بعد مدة متطاولة بين إرساله وعيسى ابن مريم . وهذه المدة موضع تفصيل واختلاف لا حاجة للخوض فيه .
قوله : { أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير } أي لئلا تقولوا ، أو كراهية أن تقولوا – متذرعين محتجين – إنه ما جاءكم من نبي مبشر ولا منذر يبلغكم وينهاكم . قال ابن عباس : قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود : يا معشر يهود اتقوا الله ، فوالله إنكم لتعلمون أن محمدا رسول الله ، ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه بصفته . فقالوا : ما أنزل الله من كتاب بعد موسى ولا أرسل بعده من بشير ولا نذير فنزلت الآية{[929]} .
قوله : { فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير } وذلك رد لاعتذارهم واحتجاجهم فقد أرسل الله إليهم بمبعوثه محمد صلى الله عليه وسلم ليبين لهم ما أشكل عليهم ، وما اختلفوا فيه كيلا يقولوا : لم يأتنا رسول يبين لنا ما نحن عليه من الضلالة والانحراف . فذلكم هو الرسول الأمين قد جاءكم بالحق مبشرا ونذيرا يبين لكم منهج الله الذي فيه صلاحكم وشفاؤكم . فمن آمن وصدق جوزي الفوز ، ومن أعرض وصدف فقد باء بالغضب والنار . والله جلت قدرته قادر على فعل ذلك كله . بل إنه لا يعجزه أن يفعل ما يشاء{[930]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.