اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ عَلَىٰ فَتۡرَةٖ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٖ وَلَا نَذِيرٖۖ فَقَدۡ جَآءَكُم بَشِيرٞ وَنَذِيرٞۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (19)

قوله : " يبيّنُ لكم " فيه وجهان :

أحدهما : إن المبين هو الدِّين والشَّرائع ، وإنما حَسُن حَذْفُهُ ؛ لأنَّ كل أحد يَعْلَم أنَّ الرَّسُول إنَّما أُرْسِل لبيان الشَّرَائع ؛ لدلالة اللَّفْظِ عليه .

الثاني : أن يكون التَّقْدِير : يُبَيِّن{[11301]} لكم البَيَان ، وحَذْفُ المَفْعُول أكمل ؛ لأنَّهُ يصير أعمَّ فائدة ، وتقدَّمَ الكلام في " يُبَيِّن " {[11302]} .

قوله : " عَلَى فَتْرَة " فيه ثلاثةُ أوجه :

أظهرها : أنَّهُ متعلِّق [ ب " جاءكم " ]{[11303]} أي : جاءكم على حين فُتور{[11304]} من إرسَالِ الرَّسُل ، وانْقطِاع من الوَحْي ذكره الزَّمَخْشَرِيُّ .

والثاني : أنَّه حال من فاعل " يُبَيِّن " أي يُبَيِّن في حَالِ كَوْنِهِ على فَتْرَة .

والثالث : أنَّهُ حال من الضَّمير المَجْرُور في " لَكُمْ " ، فيتعلَّق على هَذَيْن الوجْهَيْن بمحذوف ، و " مِنَ الرُّسُل " صِفَة ل " فَتْرة " ، على أن معنى " مِنْ " : ابتداءُ الغاية ، أي : فَتْرَة صادرة من إرْسَالِ الرُّسُلِ .

فصل

قال ابنُ عبَّاسٍ : يريد على انْقِطَاعٍ من الأنْبِيَاء{[11305]} ، يقال : فَتَر الشَّيءْ يَفْتُر فُتُوراً إذا سَكَنَتْ حَرَكَتُه ، فَصَارَ أقَلَّ ما كان عليه ، وسمِّيَت المدَّة بين الأنْبِيَاء فَتْرة ؛ لفُتُور الدَّوَاعي في العمل بِتَرْك الشَّرَائع .

واخْتَلَفُوا في مُدَّة الفَتْرَة بين عِيسَى ومُحَمَّد - عليهما الصلاة والسلام - قال أبُو عُثْمان النهدي{[11306]} : ستمائة سَنَة ، وقال قتادَة : خمسمائة سنة وسِتُّون{[11307]} سنة ، وقال مَعْمَرُ والكَلْبِيُّ : خمسمائة سَنة وأرْبعُون سنة{[11308]} .

وعن الكَلْبِيِّ بين مُوسى وعيسى ألْفٌ وسبعمائة سنة وألفا نبيّ ، وبَين عيسى ومحمد أربعةٌ من الأنبياء ؛ ثلاثةٌ من بني إسرائيل ، وواحدٌ من العرب وهو خالد بن سِنَان العَبْسي{[11309]} .

والفائدة في بَعْثَة مُحَمَّدٍ - عليه الصلاة والسلام - على فَتْرَةٍ من الرُّسُلِ ؛ لأنَّ التَّحْريف والتَّغْيِير قد تَطَرَّق إلى الشَّرَائِع المُتقدِّمة ، لتقَادُم عَهْدِهَا وطول أزْمَانِها ، ولهذا السَّبَب اخْتَلط{[11310]} الحقُّ بالبَاطِل ، والصِّدق بالكَذِبِ ، فصار عذْراً للخَلْقِ في إعْرَاضِهِم عن العِبَادَات .

وسُمِّيت فَتْرة ؛ لأنَّ الرُّسل كانت تَتْرَى{[11311]} بعد مُوسى - عليه السلام - من غير انْقِطَاع إلى عيسى ، ولم يَكُنْ بعد عيسى سِوى رسُول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما تقدَّم عن الكَلْبِي .

قوله : " أنْ تَقُولُوا " مَفْعُولٌ من أجْلِهِ ، فَقَدَّره الزَّمَخْشَرِي{[11312]} " كَراهَة أن تَقُولُوا " .

وأبُو البقاء{[11313]} " مخَافَة أن تَقُولُوا " ، والأوَّل أوْلَى وقوله : " يُبَيِّن " يجوز ألاَّ يُرادَ له مفعولُ ألْبَتَّة ، والمعنى : يبذل لكم البيان ، ويجُوز أن يكُون مَحْذُوفاً إمَّا لدلالة اللَّفظ عليه ، وهو ما تقدَّم من قوله : { يُبَيِّن لَكُم كَثِيراً } وإمَّا لدلالة الحَالِ أي : يُبَيِّن لكم ما كُنْتم تَخْتَلِفُون فيه .

و " مِنْ بَشيرٍ " فاعل زيدَت فيه " مِنْ " لوجود الشَّرْطين ، و " لا نَذِيرٍ " عطف على لفظه ، ولو قُرِئ برفعه{[11314]} مُراعَاةً لوضْعِه جَازَ .

وقوله : " فَقَدْ جَاءَكُمْ " عطف على جُمْلَةٍ مُقَدَّرة ، أي : لا تعتذروا فقد جَاءَكُم ، وما بعد هذا من الجُمَلِ واضِحُ الإعْرَاب لما تقدَّم من نَظَائِرِهِ .

ثم قال : { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ، والمعنى : [ أنَّ ]{[11315]} حصول الفَتْرَة يوجِبُ احْتِياجَ الخَلْقِ إلى بَعْثَة الرُّسُلِ عليهم السلام ، والله قَادِرٌ على البَعْثَة ؛ لأنَّهُ رحيمٌ كريمٌ قادرٌ على البَعْثَة ، فوجَبَ{[11316]} في رَحْمَتِه وكَرَمه أن يَبْعَثَ إليهم الرُّسُل .


[11301]:في أ: يبذل.
[11302]:في الآية 15 من المائدة.
[11303]:في أ: بحكم.
[11304]:في أ: فقدر.
[11305]:ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (11/152) عن ابن عباس.
[11306]:في ب: المهدوي.
[11307]:أخرجه الطبري في "تفسيره" (4/508) وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(2/477) وزاد نسبته لعبد الرزاق وعبد بن حميد من طريق معمر عن قتادة.
[11308]:ذكره السيوطي في "الدر المنثور"(2/447) قال: قال معمر: قال الكلبي. فذكره.
[11309]:ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير"(11/154) عن الكلبي.
[11310]:في أ: يختلط.
[11311]:في أ: ترسل.
[11312]:ينظر: الكشاف 1/619.
[11313]:ينظر: الإملاء 1/212.
[11314]:في أ: برفقة.
[11315]:سقط في أ.
[11316]:في ب: يوجب.