روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ} (65)

{ قُلْ } يا محمد لهؤلاء الكفار { هُوَ القادر } لا غيره سبحانه { على أَن يَبْعَثَ } أي يرسل { عَلَيْكُمْ } متعلق بيبعث . وتقديمه على المفعول الصريح وهو قوله سبحانه : { عَذَاباً } للاعتناء به والمسارعة إلى بيان كون المبعوث مما يضرهم ولتهويل أمر المؤخر ، والكلام استئناف مسوق لبيان أنه تعالى هو القادر على إلقائهم في المهالك إثر بيان أنه سبحانه هو المنجى لهم منها ، وفيه وعيد ضمني بالعذاب لإشراكهم المذكور ، والتنوين للتفخيم أي عذاباً عظيماً .

{ مّن فَوْقِكُمْ } أي من جهة العلو كالصيحة والحجارة والريح وإرسال السماء { أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } أي من جهة السفل كالرجفة والخسف والإغراق ، وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : من فوقكم أي من قبل أمرائكم وأشرافكم ومن تحت أرجلكم أي من قبل سفلتكم وعبيدكم . وفي رواية أخرى عنه تفسير الأول بأئمة السوء والثاني بخدم السوء والمتبادر ما قدمنا وهو المروي عن غير واحد من المفسرين . والجار والمجرور متعلق بيبعث أيضاً ، ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف وقع صفة لعذاب . و ( أو ) لمنع الخلو دون الجمع فلا منع لما كان من الجهتين معاً كما فعل بقوم نوح عليه الصلاة والسلام .

{ أَوْ يَلْبِسَكُمْ } أي يخلط أمركم عليكم ففي الكلام مقدر ، وخلط أمرهم عليهم بجعلهم مختلفي الأهواء ، وقيل : المراد اختلاط الناس في القتال بعضهم ببعض فلا تقدير ، وعليه قول السلمي

: وكتيبة لبستها بكتيبة *** حتى إذا التبست نفضت لها يدي

وقرىء { يَلْبِسَكُمْ } بضم الياء وهو عطف على { يَبْعَثَ } وقوله تعالى : { شِيَعاً } جمع شيعة كسدرة وسدر وهم كل قوم اجتمعوا على أمر نصب على الحال ، وقيل : إنه مصدر منصوب بيلبسكم من غير لفظه ، وجوز على هذا أن يكون حالاً أيضاً أي مختلفين .

وقوله سبحانه : { وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } عطف على { يَبْعَثَ } كما نقل عن السمين ، ويفهم من كلام البعض أنه عطف على يلبس وهو من قبيل عطف التفسير أو من عطف المسبب على السبب . وقرىء { *نذيق } بنون العظمة على طريق الالتفات لتهويل الأمر والمبالغة في التحذير . والبعض الأول على ما قيل الكفار والثاني المؤمنون ففيه حينئذ وعد ووعيد ، وقيل : كلا البعضين من الكفار أي نذيق كلاً بأس الآخر ؛ وقيل البعضان من المؤمنين فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنه قال في قوله سبحانه : { عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } هذا للمشركين وفي قوله تعالى : { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ } الخ هذا للمسلمين ولا يخفى أنه تفكيك للنظم الكريم ، ولعل مراد الحسن أن هذا يكون للمسلمين ويقع فيهم دون الأول ، وأخرج ابن جرير عنه أيضاً أنه قال : «لما نزلت هذه الآية قام النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ فسأل ربه عز وجل أن لا يرسل عليهم عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم ولا يلبس أمته شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض كما أذاق بني إسرائيل فهبط إليه صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام فقال : يا محمد إنك سألت ربك أربعاً فأعطاك اثنتين ومنعك اثنتين لن يأتيهم عذاب من فوقهم ولا من تحت أرجلهم يستأصلهم فإنهما عذابان لكل أمة استجمعت على تكذيب نبيها ورد كتاب ربها ولكنهم يلبسون شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض ، وهذان عذابان لأهل الإقرار بالكتب والتصديق بالأنبياء عليهم السلام » وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه واللفظ له عن ثوبان أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

«إن ربي زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها وأعطاني الكنزين الأحمر والأبيض وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة فأعطانيها وسألته أن لا يسلط عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها وقال : يا محمد إني إذا قضيت قضاء لم يرد إني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكها بسنة عامة ولا أظهر عليهم عدواً من غيرهم فيستبيحهم عامة ولو اجتمع من بين أقطارها حتى يكون بعضهم هو يهلك بعضاً وبعضهم هو يسبي بعضاً » الحديث .

وأخرج أحمد والطبراني وغيرهما عن أبي بصرة الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «سألت ربي أربعاً فأعطاني ثلاثاً ومنعني واحدة سألت الله تعالى أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها وسألت الله تعالى أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها وسألت الله تعالى أن لا يهلكهم بالسنين كما أهلكت الأمم فأعطانيها وسألت الله تعالى أن لا يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها » والأخبار في هذا المعنى كثيرة . وفي بعضها دلالة على عد اللبس والإذاقة أمراً واحداً وفي بعضها دلالة على عد ذلك أمرين ، ومن هنا نشأ الاختلاف السابق في العطف ، وأيد بعضهم العطف على يلبس لا على { يَبْعَثَ } بكونه بالواو دون أو . ولا يعارض ما روي عن الحسن من عدم وقوع الأولين في هذه الأمة ما أخرجه أحمد والترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية : أما أنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد ، وكذا ما أخرج الأول في مسنده من طريق أبي العالية عن ابن كعب أنه قال في الآية : هن أربع وكلهن واقع لا محالة لجواز أن يراد بالوقوع وقوع لا على وجه الاستئصال وبعدم الوقوع عدمه على وجه الاستئصال وكلام الحسن كالصريح في هذا فافهم .

{ انظر كَيْفَ نُصَرّفُ الايات } أي نُحَوِّلها من نوع آخر من أنواع الكلام تقريراً للمعنى وتقريباً إلى الفهم أو نصرفها بالوعد والوعيد { لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } أي كي يعلموا جلية الأمر فيرجعوا عما هم عليه من المكابرة والعناد ، واستدل بعض أهل السنة بالآية على أن الله تعالى خالق للخير والشر ، «وقال بعض الحشوية والمقلدة : إنها من أدل الدلائل على المنع من النظر والاستدلال لما أن في ذلك فتح باب التفرق والاختلاف المذموم بحكم الآية » وليس بشيء كما لا يخفى .

( ومن باب الإشارة ) :{ قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ } بأن يحجبكم عن النظر في الملكوت أو بأن يقهركم باحتجابكم بالمعقولات والحجب الروحانية { أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } بأن لا يسهل عليكم القيام على باب الربوبية بنعت الخدمة وطلب الوصلة أو بأن يحجبكم بالحجب الطبيعية { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً } فرقاً مختلفة كل فرقة على دين قوة من القوى تقابل الفرقة الأخرى أو يجعل أنفسكم مختلفة العقائد كل فرقة على دين دجال { وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } [ الأنعام : 65 ] بالمنازعات والمجادلات حسبما يقتضيه الاختلاف

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ} (65)

قوله تعالى : { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الأيت لعلهم يفقهون } بعد أن بين الله أنه هو الذي يكتب النجاة لعباده ويرفع الشدائد عن المكروبين ، فإنه يبين عقيب ذلك أنه هو القادر على إلقائهم في المهالك وإنزال البلاء بهم فيقول سبحانه : { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم } العذاب من فوقهم يراد به الطوفان والرجم بالحجارة والصيحة والريح ، مثلما فعل بقوم نوح وقوم لوط وعاد وثمود . وأما العذاب من تحت أرجلهم فهو الخسف والرجفة ، مثلما فعل بقارون وأصحاب مدين .

قوله : { أو يلبسكم شيعا } جمع شيعة وهم الأتباع والأنصار . وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة ، والجمع شيع . مثل سدرة وسدر{[1190]} ويلبسكم ، من اللبس وهو الخلط . لبست عليه الأمر إذا خلطته فأنا ألبسه . ويلبسكم أي يخلط أمركم فيجعلكم أهواء مختلفة وأحزابا مفترقة .

قوله : { ويذيق بعضكم بأس بعض } البأس معناه العذاب ، والشدة في الحرب{[1191]} ويذيق ، من الذوق . وأصل ذلك من ذوق الطعام ، ثم استعمل في كل ما وصل إلى الإنسان من لذة وحلاوة ومرارة ومكروه وألم . والمراد أن تعمكم الفتنة فيقتل بعضكم بعضا .

ولقد حل بأمة محمد صلى الله عليه وسلم من أنواع الفتن ما يثير الحزن والمضاضة . وهذه حقيقة أليمة نذكرها في غاية الإحساس بالمرارة والأسى .

لقد دهمت المسلمين من القلاقل والفتن التي كثيرا ما عصفت بكلمتهم ووحدة صفهم بعد أن انقلبوا شيعا مختلفي الأهواء وبعد أن استحوذ عليهم الشيطان وطغى عليهم حظ النفس من الدنيا في كثير من الأحيان فدارت بينهم معارك وحروب طاحنة أزهقت فيها أنفس كثيرة . وذلك عقيب لحاق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى . مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حذر من فداحة الاختلاف في الأهواء أو الحرص المتكالب على حظ النفس من الدنيا ، بما يفضي في النهاية إلى اختلاف القلوب وتنافرها ثم الاقتتال والاحتكام إلى السيف فقال عليه السلام : " لا تنقلبوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف " فقالوا : ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ؟ قال : " نعم " .

وذلك الذي حل بالمسلمين وا أسفاه ! إذ انصاعوا لنداء الشيطان يحرض شيعهم وفرقهم على الحرب والاقتتال . مع أن جدير بالمسلمين أن يكونوا أكثر أمم العالمين طرا تماسكا وائتلافا وانسجاما ما دامت عقيدتهم الراسخة العظيمة قائمة على التوحيد . وهي تدعو بالضرورة إلى الوحدة والتئام الصفوف . لقد كان جديرا بالمسلمين أن يظلوا طوال الدهر أحرص الناس على الإخاء والوحدة وتمام التلاقي في إطار العقيدة والدين وأن لا يفتلهم عن ذلك أي سبب من أسباب الغواية أو الهوى أو حب الدنيا والحرص على الشهوات .

قوله : { انظر كيف نصرف الأيات لعلهم يفقهون } أي نبين لهم الدلائل والحجج ، أو من أنواع الكلام ما بين وعد ووعظ ووعيد لكي يعتبروا فيذكروا أو يزدجروا عما هم عليه من الشرك و التكذيب{[1192]} .


[1190]:- المصباح المنير ج 1 ص 353.
[1191]:- مختار الصحاح ص 38.
[1192]:- روح المعاني ج 7 ص 180- 181 وتفسير الطبري ج 7 ص 144- 146.