{ وَلَقَدْ مكناهم } أي قررنا عاداً وأقدرناهم ، و { مَا } في قوله تعالى : { فِيمَا إِن مكناهم فِيهِ } موصولة أو موصوفة و { ءانٍ } نافية أي في الذي أوفى شيء ما مكنا فيه من السعة والبسطة وطول الأعمار وسائر مبادي التصرفات كما في قوله تعالى : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مكناهم فِى الارض مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ } [ الأنعام : 6 ] ولم يكن النفي بلفظ { مَا } كراهة لتكرير اللفظ وإن اختلف المعنى ، ولذا قال من ذهب إلى أن أصل مهما ماما على أن ما الشرطية مكررة للتأكيد قلبت الألف الأولى هاء فراراً من كراهة التكرار ، وعابوا على المتنبي قوله :
لعمرك ماما بان لضارب *** بأقتل مما بان منك لعائب
أي ما الذي بان الخ ، يريد لسانه لا يتقاعد عن سنانه هذا للعائب وذلك للضارب ، وكان يسعه أن يقول : إن مابان ، وادخال الباء للنفي لا للعمل على أن اعمال إن قد جاء عن المبرد ، قيل : { إن } شرطية محذوفة الجواب والتقدير إن مكناكم فيه طغيتم ، وقيل : إنها صلة بعدما الموصولة تشبيهاً بما النافية وما التوقيتية ، فهي في الآية مثلها في قوله :
يرجى المرىء ما أن لا يراه *** وتعرض دون أدناه الخطوب
أي مكناهم في مثل الذي مكناكم فيه ، وكونها نافية هو الوجه لأن القرآن العظيم يدل عليه في مواضع وهو أبلغ في التوبيخ وأدخل في الحث على الاعتبار { وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وأبصارا وَأَفْئِدَةً } ليستعملوها فيما خلقت له ويعرفوا بكل منها ما نيطت به معرفته من فنون النعم ويستدلوا بها على شؤون منعمها عز وجل ويداوموا على شكره جل شأنه { فَمَا أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ } حيث لم يستعملوه في استماع الوحي ومواعظ الرسل { وَلاَ أبصارهم } حيث لم يجتلوا بها الآيات التكوينية المرسومة في صحائف العالم { وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ } حيث لم يستعملوها في معرفة الله تعالى { مِن شَىْء } أي شيئاً من الإغناء ، و { مِنْ } مزيدة للتوكيد والتنوين للتقليل .
وجوز أن تكون تبعيضية أي ما أغنى بعض الإغناء وهو القليل ، و { مَا } في { مَا أغنى } نافية وجوز كونها استفهامية . وتعقبه أبو حيان بأنه يلزم عليه زيادة { مِنْ } في الواجب وهو لا يجوز على الصحيح . ورد بأنهم قالوا : تزاد في غير الموجب وفسروه بالنفي والنهي والاستفهام ، وإفراد السمع في النظم الجليل وجمع غيره لاتحاد المدرك به وهو الأصوات وتعدد مدركات غيره أو لأنه في الأصل مصدر ، وأيضاً مسموعهم من الرسل متحد .
{ وَلَقَدْ مكناهم فِيمَا إِن مكناكم } ظرف متعلق بالنفي الصريح أو الضمني في قوله تعالى : { مَا أغنى } وهو ظرف أريد به التعليل كناية أو مجازاً لاستواء مئدى الظرف والتعليل في قولك : ضربته لإساءته وضربته إذ أساء لأنك إنما ضربته في ذلك الوقت لوجود الإساءة فيه ، وهذا مما غلب في إذ وحيث من بين سائر الظروف حتى كاد يلحق بمعانيهما الوضعية { وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء ويقولون : { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنَّا مِن الصادقين } [ الأحقاف : 22 ] .
{ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه } : أي ولقد مكنا قوم عاد من القوة التي لم نمكنكم أنتم من مثلها .
{ وجعلنا لهم سمعا وأبصاراً } : وجعلنا لهم أسماعاً وأبصاراً .
{ فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء } : أي من الإِغناء .
{ إذ كانوا يجحدون بآيات الله } : أي لعلة هي أنهم كانوا يجحدون بآيات الله وهي حججه البيّنة .
{ وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } : أي نزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به .
ما زال السياق في مطلب هداية قريش انه لما قص تعالى عليهم قصة عاد وتجلت فيها عظات كثيرة وعبرة كبيرة قال لهم { ولقد مكناهم } أي قوم عاد مكناهم في الأرض فأعطيناهم من مظاهر القوة المادية { فيما إن مكناكم فيه } أنتم يا معشر كفار قريش وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة أي قلوباً فما أغنى عنهم سمعهم أي أسماعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء من الإِغناء إذ كانوا يجحدون بآيات الله أي بحججه وبيّناته الدالة على وجوب توحيده وحاق أي نزل بهم العذاب الذي كانوا إذا خوفوا به وأنذروا استهزأوا وسخروا .
- بيان أن الإِعراض عن دين الله والإِصرار على الفسق عن أمر الله ، والاستمرار على الخروج على طاعته إذا استوجب صاحبه العذاب ونزل به لم يغن عنه ذكاؤه ولا دهاؤه ولا علمه وحضارته ولا علوه وتطاوله .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.