روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ} (255)

{ الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ } مبتدأ وخبر ، والمراد هو المستحق للعبودية لا غير ، قيل : وللناس في رفع الضمير المنفصل وكذا في الاسم الكريم إذا حل محله أقوال خمسة : قولان معتبران ، وثلاثة لا معول عليها ، فالقولان المعتبران : أحدهما : أن يكون رفعه على البدلية ، وثانيهما : أن يكون على الخبرية والأول هو الجاري على ألسنة المعربين وهو رأي ابن مالك ، وعليه إما أن يقدر للأخير أو لا ، والقائلون بالتقدير اختلفوا فمن مقدر أمراً عاماً كالوجود والإمكان ؛ ومن مقدر أمراً خاصاً كلنا وللخلق ، واعترض تقدير العام بأنه يلزم منه أحد المحذورين إما عدم إثبات الوجود بالفعل لله تعالى شأنه وإما عدم تنزهه سبحانه عن إمكان الشركة ، وكذا تقدير الخاص يرد عليه أنه لا دليل عليه أو فيه خفاء ، ويمكن الجواب باختيار تقديره عاماً ، ولا محذور أما على تقدير الوجود فلأن نفي الوجود يستلزم نفي الإمكان إذ لو اتصف فرد آخر بوجوب الوجود لوجد ضرورة فحيث لم يوجد علم عدم اتصافه به وما لم يتصف بوجوب الوجود لم يمكن أن يتصف به لاستحالة الانقلاب ، وأما على تقدير الإمكان فلأنا نقول قد ظهر أن إمكان اتصاف شيء بوجوب الوجود يستلزم اتصافه بالفعل بالضرورة فإذا استفيد إمكانه يستفاد وجوده أيضاً إذ كل ما لم يوجد يستحيل أن يكون واجب الوجود على أنه قد ذكر غير واحد أن نفي وجود إله غيره تعالى يجوز أن يكون مرتبة من التوحيد يناط بها الإسلام ويكتفي بها من أكثر العوام ، وإن لم يعلموا نفي إمكانه سيما مع الغفلة وعدم الشعور به فلا يضر عدم دلالة الكلمة عليه بل قال بعضهم : إن إيجاب النفي جاء والآلهة غير الله تعالى موجودة ، وقد قامت عبادتها على ساق ، وعكف عليها المشركون في سائر الآفاق ، فأمر الناس بنفي وجودها من حيث إنها آلهة حقة ، ولو كان إذ ذاك قوم يقولون بإمكان وجود إله حق غيره تعالى لكنه غير موجود أصلاً لأمروا بنفي ذلك الإمكان ولا يخفى أن هذا ليس من المتانة بمكان ، ويمكن الجواب باختيار تقديره خاصاً بأن يكون ذلك الخاص مستحقاً للعبادة والمقام قرينة واضحة عليه ، واعترض بأنه لا يدل على نفي التعدد لا بالإمكان ولا بالفعل لجواز وجود إله غيره سبحانه لا يستحق العبادة وبأنه يمكن أن يقال : إن المراد إما نفي المستحق غيره تعالى بالفعل أو الإمكان ، والأول : لا ينفي الإمكان ، والثاني : لا يدل على استحقاقه تعالى بالفعل ، وأجيب بأن من المعلوم بأن وجوب الوجود مبدأ جميع الكمالات فلا ريب أنه يوجب استحقاق التعظيم والتبجيل ولا معنى لاستحقاق العبادة سواه فإذا لم يستحق غيره تعالى للعبادة لم يوجد غيره تعالى وإلا لاستحق العبادة قطعاً وإذا لم يوجد لم يكن ممكناً أيضاً على ما أشير إليه فثبت أن نفي الاستحقاق يستلزم نفي التعدد مطلقاً ، والقائلون بعدم/ تقدير الخبر ذهب الأكثر منهم إلى أن { لا } هذه لا خبر لها ، واعترض بأنه يلزم حينئذ انتفاء الحكم والعقد وهو باطل قطعاً ضرورة اقتضاء التوحيد ذلك ، وأجيب بأن القول بعدم الاحتياج لا يخرج المركب من { لا } واسمها عن العقد لأن معناه انتفى هذا الجنس من غير هذا الفرد وإلا عند هؤلاء بمعنى غير تابعة لمحل اسم { لا } وظهر إعرابها فيما بعدها ولا مجال لجعلها للاستثناء إذ لو كانت له لما أفاد الكلام التوحيد لأن حاصله حينئذ أن هذا الجنس على تقدير عدم دخول هذا الفرد فيه منتف فيفهم منه عدم انتفاء أفراد غير خارج عنها ذلك وهو بمعزل عن التوحيد كما لا يخفى ، واستشكل الإبدال من جهتين ، الأول : أنه بدل بعض ولا ضمير للمبدل منه وهو شرط فيه ، الثاني : أن بينهما مخالفة فإن البدل موجب والمبدل منه منفي ، وأجيب عن الأول : بأن { إِلا } تغني عن الضمير لإفهامها البعضية ، وعن الثاني : بأنه بدل عن الأول في عمل العامل ، وتخالفهما في الإيجاب والنفي لا يمنع البدلية على أنه لو قيل : إن البدل في الاستثناء على حدة لم يبعد .

والثاني : من القولين الأولين وهو القول بخبرية ما بعد { إِلا } ذهب إليه جماعة وضعف بأنه يلزم عمل ( لا ) في المعارف وهي لا تعمل فيها وبأن اسمها عام وما بعد ( إلا ) خاص فكيف يكون خبراً ، وقد قالوا : بامتناع الحيوان إنسان ، وأجيب عن الأول : بأن { لا } لا عمل لها في الخبر على رأي سيبويه وأنه حين دخولها مرفوع بما كان مرفوعاً به قبل فلم يلزم عملها في المعرفة وهو كما ترى ، وعن الثاني : بأنا لا نسلم أن في التركيب قد أخبر بالخاص عن العام إذ العموم منفي والكلام مسوق العموم ، والتخصيص بواحد من أفراد ما دل عليه العام وفيه ما فيه . وأما الأقوال الثلاثة التي لا يعول عليها فأولها : أن ( إلا ) ليست أداة استثناء وإنما هي بمعنى غير وهي مع اسمه تعالى شأنه صفة لا إسم لا باعتبار المحل ، والتقدير لا إله غير الله تعالى في الوجود ، وثانيها : وقد نسب للزمخشري أن لا إله في موضع الخبر و{ إِلا } وما بعدها في موضع المبتدأ ، والأصل هو ، أو الله إله فلما أريد قصر الصفة على الموصوف قدم الخبر وقرن المبتدأ بإلا إذ المقصور عليه هو الذي يلي { إِلا } والمقصور هو الواقع في سياق النفي ، والمبتدأ إذا اقترن بإلا وجب تقديم الخبر عليه كما قرر في موضعه ، وثالثها : أن ما بعد { إِلا } مرفوع بإله كما هو حال المبتدأ إذا كان وصفاً لأن إلهاً بمعنى مألوه فيكون قائماً مقام الفاعل وساداً مسد الخبر كما في ما مضروب العمران ، ويرد على الأول : أن فيه خللاً من جهة المعنى لأن المقصود من الكلمة أمران نفي الإلهية عن غيره تعالى وإثباتها له سبحانه وهذا إنما يتم إذا كان { إِلا } فيها للاستثناء إذ يستفاد النفي والإثبات حينئذ بالمنطوق ، وأما إذا كانت بمعنى غير فلا يفيد الكلام بمنطوقه إلا نفي الإلهية عن غيره تعالى ، وأما إثباتها له عن اسمه فلا يستفاد من التركيب واستفادته من المفهوم لا تكاد تقبل لأنه إن كان مفهوم لقب فلا عبرة به ولو عند القائلين بالمفهوم إذ لم يقل به إلا الدقاق وبعض الحنابلة ، وإن كان مفهوم صفة فمن البين أنه غير مجموع عليه ، ويرد على الثاني : أنه مع ما فيه من التمحل يلزم منه أن يكون الخبر مبنياً مع { لا } وهي لا يبنى معها إلا المبتدأ ، وأيضاً لو كان الأمر كما ذكر لم يكن لنصب الاسم الواقع بعد { إِلا } في مثل هذا التركيب وجه ، وقد جوزه فيه جماعة ، وعلى الثالث : أنا لا نسلم أن إلهاً وصف وإلا لوجب إعرابه وتنوينه ولا قائل به .

هذا ولي إن شاء الله تعالى عودة بعد عودة إلى ما في هذه الكلمة الطيبة من الكلام .

وفي قوله تعالى : { الحي } سبعة أوجه من وجوه الإعراب : الأول : أن يكون خبراً ثانياً للفظ الجلالة ، الثاني : أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف أي هو الحي ، الثالث : أن يكون بدلاً من قوله سبحانه : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } ، الرابع : أن يكون/ بدلاً من { هُوَ } وحده ، الخامس : أن يكون مبتدأ خبره { لاَ تَأْخُذُهُ } ، السادس : أنه بدل من ( الله ) ، السابع أنه صفة له ويعضده القراءة بالنصب على المدح لاختصاصه بالنعت ، وفي أصله قولان : الأول : أن أصله حيي بيائين من حي يحيى ، والثاني : أنه حيو فقلبت الواو المتطرفة المنكسر ما قبلها ياءاً ، ولذلك كتبوا الحياة بواو في رسم المصحف تنبيهاً على هذا الأصل ، ويؤيده الحيوان لظهور هذا الأصل فيه ، ووزنه قيل : فعل . وقيل : فيعل فخفف كميت في ميت ، والحياة عند الطبيعي القوة التابعة للاعتدال النوعي التي تفيض عنها سائر القوى الحيوانية أو قوة التغذية أو قوة الحس أو قوة تقتضي الحس والحركة ، والكل مما يمتنع اتصاف الله تعالى به لأنه من صفات الجسمانيات فهي فيه سبحانه صفة موجودة حقيقية قائمة بذاته لا يكتنه كنهها ولا تعلم حقيقتها كسائر صفاته جل شأنه زائدة على مجموع العلم والقدرة وليست نفس الذات حقيقة ولا ثابتة لا موجودة ولا معدومة كما قيل بكل فالحي ذات قامت به تلك الصفة ، وفسره بعض المتكلمين ( بأنه الذي يصح أن يعلم ويقدر ، واعترضه الإمام بأن هذا القدر حاصل لجميع الحيوانات فكيف يحسن أن يمدح الله تعالى نفسه بصفة يشاركه بها أخس الحيوانات ؟ ثم قال والذي عندي في هذا الباب أن الحي في أصل اللغة ليس عبارة عن نفس هذه الصحة بل كل شيء كان كاملاً في جنسه يسمى حياً ألا يرى أن عمارة الأرض الخربة تسمى إحياء الموات ، والصفة المسماة في عرف المتكلمين حياة إنما سميت بها لأنها كمال الجسم أن يكون موصوفاً بتلك الصفة فلا جرم سميت تلك الصفة حياة ، وكمال حال الأشجار أن تكون مورقة خضرة فلا جرم سميت هذه الحال حياة فالمفهوم الأصلي من الحي كونه واقعاً على أكمل أحواله وصفاته وإذا كان كذلك زال الإشكال لأن المفهوم من الحي هو الكامل ولما لم يكن ذلك مقيداً دل على أنه كامل على الإطلاق ، والكامل كذلك من لا يكون قابلاً للعدم لا في ذاته ولا في صفاته الحقيقية ولا في صفاته السلبية والإضافية ) انتهى ، ولا يخفى أنه صرح ممرد من قوارير .

أما أولاً : فلأن قوله : إن الحي بمعنى الذي يصح أن يعلم ويقدر مما يشترك به سائر الحيوانات فلا يحسن أن يمدح الله تعالى به نفسه في غاية السقوط لأنه إن أراد الاشتراك في إطلاق اللفظ فليس الحي وحده كذلك بل السميع والبصير أيضاً مثله في الإطلاق على أخس الحيوانات ، وقد مدح الله تعالى بهما نفسه ولم يستشكل ذلك أهل السنة ، وإن أراد الاشتراك في الحقيقة فمعاذ الله تعالى من ذلك ؛ إذ الاشتراك فيها مستحيل بين التراب ورب الأرباب ، وبين الأزلي والزائل ، ومتى قلت إن الاشتراك في إطلاق اللفظ يوجب ذلك الاشتراك حقيقة ، ولا مناص عنه إلا بالحمل على المجاز لزمك مثل ذلك في سائر الصفات ، ولا قائل به من أهل السنة ، وأما ثانياً : فلأن كون الحياة في اللغة بمعنى الكمال مما لم يثبت في شيء من كتب اللغة أصلاً وإنما الثابت فيها غير ذلك ووصف الجمادات بها إنما هو على سبيل المجاز دون الحقيقة كما وهم فإن قال : إنها مجاز في الله تعالى أيضاً بذلك المعنى عاد الإشكال بحصول الاشتراك في الكمال مع الجمادات فضلاً عن الحيوان ، فإن قال : كمال كل شيء بالنسبة إلى ما يليق به . قلنا : فحياة كل حي حقيقة بالنسبة إلى ما يليق به ، وليس كمثل الله تعالى شيء ، وكأني بك تفهم من كلامي الميل إلى مذهب السلف في مثل هذه المواطن فليكن ذلك فهم القوم كل القوم .

ويا حبذا هند وأرض بها هند ***

والزمخشري فسر الحي بالباقي الذي لا سبيل عليه للموت والفناء وجعلوا ذلك منه تفسيراً بما هو المتعارف من كلام العرب وأرى أن في القلب منه شيء ، ولعلي من وراء المنع لذلك ، نعم روي عن قتادة أنه الذي لا يموت وهو ليس بنص في المدعي { القيوم } صيغة مبالغة للقيام وأصله قيووم على فيعول فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياءاً/ وأدغمت ، ولا يجوز أن يكون فعولاً وإلا لكان قووماً لأنه واوي ، ويجوز فيه قيام وقيم وبهما قرئ ، وروي أولهما عن عمر رضي الله تعالى عنه ، وقرئ ( القائم ) و( القيوم ) بالنصب ومعناه كما قال الضحاك وابن جبير : الدائم الوجود ، وقيل : القائم بذاته ، وقيل : القائم بتدبير خلقه من إنشائهم ابتداءاً ، وإيصال أرزاقهم إليهم وهو المروي عن قتادة وقيل : هو العالم بالأمور من قولهم فلان يقوم بالكتاب أي يعلم ما فيه ، وقال بعضهم : هو الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه ، وذكر الراغب أنه يقال : قام كذا أي دام وقام بكذا أي حفظه ، والقيوم القائم الحافظ لكل شيء والمعطي له ما به قوامه ، والظاهر منه أن القيام بمعنى الدوام ثم يصير بالتعدية بمعنى الإدامة وهو الحفظ فأورد عليه أن المبالغة ليست من أسباب التعدية فإذا عرى القيوم عن أداتها كان بمعنى اللازم فلا يصح تفسيره بالحافظ ثم إن المبالغة في الحفظ كيف تفيد إعطاء ما به القوام ، ولعله من حيث إن الاستقلال بالحفظ إنما يتحقق بذلك كما لا يخفى ، وأورد على تفسيره بنحو القائم بذاته أن يكون معنى قيوم السموات والأرض الوارد في الأدعية المأثورة واجب السموات والأرض وهو كما ترى ، فالظاهر أنه فيه بمعنى آخر مما يليق إذ لا يصح ذلك إلا بنوع تمحل ، وذهب جمع إلى أن القيوم هو اسم الله تعالى الأعظم ، وفسره هؤلاء بأنه القائم بذاته والمقوم لغيره ، وفسروا القيام بالذات بوجوب الوجود المستلزم لجميع الكمالات والتنزه عن سائر وجوه النقص وجعلوا التقويم للغير متضمناً جميع الصفات الفعلية فصح لهم القول بذلك وأغرب الأقوال أنه لفظ سرياني ومعناه بالسريانية الذي لا ينام ، ولا يخفى بعده لأنه يتكرر حينئذ في قوله تعالى :

{ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } السنة بكسر أوله فتور يتقدم النوم وليس بنوم لقول عدي بن الرقاع :

وسنان أقصده النعاس فرنقت *** في عينه ( سنة ) وليس بنائم

والنوم بديهي التصور يعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس رأساً ، وزعم السيوطي في بعض «رسائله » أن سببه شم هواء يهب من تحت العرش ، ولعله أراد تصاعد الأبخرة من المعدة تحت القلب الذي هو عرش الروح وإلا فلا أعقله ، وتقديم السنة عليه وقياس المبالغة يقتضي التأخير مراعاة للترتيب الوجودي فلتقدمها على النوم في الخارج قدمت عليه في اللفظ ، وقيل : إنه على طريق التتميم وهو أبلغ لما فيه من التأكيد إذ نفي السنة يقتضي نفي النوم ضمناً فإذا نفي ثانياً كان أبلغ ، ورد بأنه إنما هو على أسلوب الإحاطة والإحصاء وهو متعين فيه مراعاة الترتيب الوجودي والابتداء من الأخف فالأخف كما في قوله تعالى :

{ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً } [ الكهف : 94 ] ولهذا توسطت كلمة { لا } تنصيصاً على الإحاطة وشمول النفي لكل منهما ، وقيل : إن تأخير النوم رعاية للفواصل ولا يخفى أنه من ضيق العطن ، وقال بعض المحققين : هذا كله إنما يحتاج إليه إذا أخذ الأخذ بمعنى العروض والاعتراء ، وأما لو أخذ بمعنى القهر والغلبة كما ذكره الراغب وغيره من أئمة اللغة ومنه قوله تعالى : { أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ } [ القمر : 24 ] فالترتيب على مقتضى الظاهر إذ يكون المعنى لا تغلبه السنة ولا النوم الذي هو أكثر غلبة منها والجملة نفي للتشبيه وتنزيه له تعالى أن يكون له مثل من الأحياء ؛ لأنها لا تخلو من ذلك فكيف تشابهه ، وفيها تأكيد لكونه تعالى حياً قيوماً لأنّ النوم آفة تنافي دوام الحياة وبقاءها وصفاته تعالى قديمة لا زوال لها ولأن من يعتريه النوم والغلبة لا يكون واجب الوجود دائمه ولا عالماً مستمر العلم ولا حافظاً قوي الحفظ ، وأخرج ابن أبي حاتم وغيره عن ابن عباس/ رضي الله تعالى عنهما «أن بني إسرائيل قالوا : يا موسى هل ينام ربك ؟ قال : اتقوا الله تعالى فناداه ربه يا موسى سألوك هل ينام ربك فخذ زجاجتين في يديك فقم الليل ففعل موسى فلما ذهب من الليل ثلث نعس فوقع لركبتيه ثم انتعش فضبطهما حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقط الزجاجتان فانكسرتا فقال : يا موسى لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكن كما هلكت الزجاجتان في يديك » ولما فيها من التأكيد كالذي بعدها ترك العاطف فيها وهي إما استئنافية لا محل لها من الإعراب وإما حال مؤكدة من الضمير المستكن في القيوم ، وجوز أن تكون خبراً عن الحي أو عن الاسم الجليل .

{ لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض } تقريراً لقيوميته تعالى واحتجاج على تفرده في الإلهية ، والمراد بما فيهما ما هو أعم من أجزائهما الداخلة فيهما ، ومن الأمور الخارجة عنهما المتمكنة فيهما من العقلاء وغيرهم فيعلم من الآية نفي كون الشمس والقمر وسائر النجوم والملائكة . والأصنام والطواغيت آلهة مستحقة للعبادة { مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } استفهام إنكاري ولذا دخلت { إِلا } والمقصود منه بيان كبرياء شأنه تعالى وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه بحيث يستقل أن يدفع ما يريده دفعاً على وجه الشفاعة والاستكانة والخضوع فضلاً عن أن يستقل بدفعه عناداً أو مناصبة وعداوة ، وفي ذلك تأييس للكفار حيث زعموا أن آلهتهم شفعاء لهم عند الله تعالى { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } أي أمر الدنيا { وَمَا خَلْفَهُمْ } أي أمر الآخرة قاله مجاهد وابن جريج وغيرهما ، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة عكس ذلك ، وقيل : يعلم ما كان قبلهم وما كان بعدهم ، وقيل : ما بين أيديهم من خير أو شر وما خلفهم مما فعلوه كذلك ، وقيل : ما يدركونه وما لا يدركونه أو ما يحسونه ويعقلونه والكل محتمل ، ووجه الإطلاق فيه ظاهر ، وضمير الجمع يعود على ما في { مَا فِي السموات } الخ إلا أنه غلب من يعقل على غيره ، وقيل : للعقلاء في ضمنه فلا تغليب ، وجوز أن يعود على ما دل عليه { مَن ذَا } من الملائكة والأنبياء ، وقيل : الأنبياء خاصة ، والعلم بما بين أيديهم وما خلفهم كناية عن إحاطة علمه سبحانه ، والجملة إما استئناف أو خبر عما قبل أو حال من ضمير ( يشفع ) أو من المجرور في ( بإذنه ) .

{ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ } أي معلومه كقولهم : اللهم اغفر لنا علمك فينا ، والإحاطة بالشيء علماً علمه كما هو على الحقيقة ، والمعنى لا يعلم أحد من هؤلاء كنه شيء ما من معلوماته تعالى { إِلاَّ بِمَا شَاء } أن يعلم ، وجوز أن يراد ( من علمه ) معلومه الخاص وهو كل ما في الغيب { فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ } [ الجن : 62 ، 72 ] وعطفت هذه الجملة على ما قبلها لمغايرتها له لأن ذلك يشعر بأنه سبحانه يعلم كل شيء وهذه تفيد أنه لا يعلمه غيره ومجموعهما دال على تفرده تعالى بالعلم الذاتي الذي هو من أصول صفات الكمال التي يجب أن يتصف الإله تعالى شأنه بها بالفعل { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض } الكرسي جسم بين يدي العرش محيط بالسموات السبع ، وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : لو أن السموات السبع والأرضين السبع بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض ما كن في سعته أي الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة وهو غير العرش كما يدل عليه ما أخرجه ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي ذر أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكرسي فقال : «يا أبا ذر ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وأن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة » وفي رواية الدارقطني والخطيب عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما/ قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ } الخ «قال : كرسيه موضع قدميه والعرش لا يقدر قدره » وقيل : هو العرش نفسه ، ونسب ذلك إلى الحسن ، وقيل : قدرة الله تعالى ، وقيل : تدبيره ، وقيل : ملك من ملائكته ، وقيل : مجاز عن العلم من تسمية الشيء بمكانه لأن الكرسي مكان العالم الذي فيه العلم فيكون مكاناً للعلم بتبعيته ؛ لأن العرض يتبع المحل في التحيز حتى ذهبوا إلى أنه معنى قيام العرض بالمحل ، وحكي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقيل : عن الملك أخذاً من كرسي الملك ، وقيل : أصل الكرسي ما يجلس عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد والكلام مساق على سبيل التمثيل لعظمته تعالى شأنه وسعة سلطانه وإحاطة علمه بالأشياء قاطبة ، ففي الكلام استعارة تمثيلية وليس ثمة كرسي ولا قاعد ولا قعود وهذا الذي اختاره الجم الغفير من الخلف فراراً من توهم التجسيم ، وحملوا الأحاديث التي ظاهرها حمل الكرسي على الجسم المحيط على مثل ذلك لا سيما الأحاديث التي فيها ذكر القدم كما قدمنا ، وكالحديث الذي أخرجه البيهقي وغيره عن أبي موسى الأشعري الكرسي : موضع القدمين وله أطيط كأطيط الرحل ، وفي رواية عن عمر مرفوعاً " له أطيط كأطيط الرحل الجديد إذا ركب عليه من يثقله ما يفضل منه أربع أصابع " وأنت تعلم أن ذلك وأمثاله ليس بالداعي القوي لنفي الكرسي بالكلية فالحق أنه ثابت كما نطقت به الأخبار الصحيحة وتوهم التجسيم لا يعبأ به وإلا للزم نفي الكثير من الصفات وهو بمعزل عن اتباع الشارع والتسليم له .

وأكثر السلف الصالح جعلوا ذلك من المتشابه الذي لا يحيطون به علماً وفوضوا علمه إلى الله تعالى مع القول بغاية التنزيه والتقديس له تعالى شأنه ، والقائلون بالمظاهر من ساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم لم يشكل عليهم شيء من أمثال ذلك ، وقد ذكر بعض العارفين منهم أن الكرسي عبارة عن تجلي جملة الصفات الفعلية فهو مظهر إلهي ومحل نفوذ الأمر والنهي والإيجاد والإعدام المعبر عنهما بالقدمين ، وقد وسع السموات والأرض وسع وجود عيني ووسع حكمي ؛ لأن وجودهما المقيد من آثار الصفات الفعلية التي هو مظهر لها وليست القدمان في الأحاديث عبارة عن قدمي الرجلين ومحل النعلين تعالى الله سبحانه عن ذلك علواً كبيراً ، ولا «الأطيط » عبارة عما تسمعه وتفهمه في الشاهد بل هو إن لم تفوض علمه إلى العليم الخبير إشارة إلى بروز الأشياء المتضادة أو اجتماعها في ذلك المظهر الذي هو منشأ التفصيل والإبهام ومحل الإيجاد والإعدام ومركز الضر والنفع والتفريق والجمع ، ومعنى ما يفضل منه إلا أربع أصابع إن كان الضمير راجعاً إلى الرحل ظاهر وإن كان راجعاً إلى الكرسي فهو إشارة إلى وجود حضرات هي مظاهر لبعض الأسماء لم تبرز إلى عالم الحس ولا يمكن أن يراها إلا من ولد مرتين ، وليس المراد من الأصابع الأربع ما تعرفه من نفسك ، وللعارفين في هذا المقام كلام غير هذا ، ولعلنا نشير إلى بعض منه إن شاء الله تعالى ، ثم المشهور أن الياء في الكرسي لغير النسب ، واشتقاقه من الكرسي وهو الجمع ومنه الكراسة للصحائف الجامعة للعلم ، وقيل : كأنه منسوب إلى الكرس بالكسر وهو الملبد وجمعه كراسي كبختي وبخاتي وفيه لغتان ضم كافة وهي المشهورة وكسرها للاتباع والجمهور على فتح الواو والعين ، وكسر السين في { واسع } على أنه فعل والكرسي فاعله ، وقرئ بسكون السين مع كسر الواو كعلم في علم ، وبفتح الواو وسكون السين ورفع العين مع جر كرسيه ورفع السموات فهو حينئذٍ مبتدأ مضاف إلى ما بعده و( السموات والأرض ) خبره { وَلاَ يؤوده } أي لا يثقله كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو مأخوذ من الأود بمعنى الاعوجاج لأن الثقيل يميل له ما تحته ، وماضيه آد ، والضمير لله تعالى .

وقيل : الكرسي .

{ حِفْظُهُمَا } / أي السموات والأرض وإنما لم يتعرض لذكر ما فيهما لما أن حفظهما مستتبع لحفظه ، وخصهما بالذكر دون الكرسي ؛ لأن حفظهما هو المشاهد المحسوس ، والقول بالاستخدام ليدخل هو والعرش وغيرهما مما لا يعلمه إلا الله تعالى بعيد { وَهُوَ العلي } أي المتعالي عن الأشباه والأنداد والأمثال . والأضداد وعن أمارات النقص ودلالات الحدوث ، وقيل : هو من العلو الذي هو بمعنى القدرة والسلطان والملك وعلو الشأن والقهر والاعتلاء والجلال والكبرياء { العظيم } ذو العظمة وكل شيء بالإضافة إليه حقير ولما جليت على منصة هذه الآية الكريمة عرائس المسائل الإلهية وأشرقت على صفحاتها أنوار الصفات العلية حيث جمعت أصول الصفات من الألوهية والوحدانية والحياة والعلم والملك والقدرة والإرادة ، واشتملت على سبعة عشر موضعاً فيها اسم الله تعالى ظاهراً في بعضها ومستتراً في البعض ونطقت بأنه سبحانه موجود منفرد في ألوهيته حي واجب الوجود لذاته موجد لغيره منزه عن التحيز والحلول مبرأ عن التغير والفتور لا مناسبة بينه وبين الأشباح ولا يحل بساحة جلاله ما يعرض النفوس والأرواح مالك الملك والملكوت ومبدع الأصول والفروع ذو البطش الشديد العالم وحده بجلي الأشياء وخفيها وكليها وجزئيها واسع الملك والقدرة لكل ما من شأنه أن يملك ويقدر عليه لا يشق عليه شاق ولا يثقل شيء لديه متعال عن كل ما لا يليق بجنابه عظيم لا يستطيع طير الفكر أن يحوم في بيداء صفات قامت به تفردت بقلائد فضل خلت عنها أجياد أخواتها الجياد وجواهر خواص تتهادى بها بين أترابها ولا كما تتهادى لبنى وسعاد .

أخرج مسلم وأحمد وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إن أعظم آية في القرآن آية الكرسي » وأخرج البيهقي من حديث أنس مرفوعاً «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة حفظ إلى الصلاة الأخرى ولا يحافظ عليها إلا نبي أو صديق أو شهيد »

وأخرج الديلمي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال : «لو تعلمون ما فيها لما تركتموها على حال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أعطيت آية الكرسي من كنز تحت العرش لم يؤتها نبي قبلي » والأخبار في فضلها كثيرة شهيرة إلا أن بعضها مما لا أصل له كخبر من «قرأها بعث الله تعالى ملكاً يكتب من حسناته ويمحو من سيئآته إلى الغد من تلك الساعة » ، وبعضها منكر جداً كخبر «إن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام أن اقرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة فإنه من يقرؤها في دبر كل صلاة مكتوبة أجعل له قلب الشاكرين ولسان الذاكرين وثواب المنيبين وأعمال الصديقين » . ولا يخفى أن أكثر الأحاديث في هذا الباب حجة لمن قال : إن بعض القرآن قد يفضل على غيره وفيه خلاف فمنعه بعضهم كالأشعري والباقلاني وغيرهما لاقتضائه نقص المفضول وكلام الله تعالى لا نقص فيه ، وأولوا أعظم بعظيم وأفضل بفاضل ، وأجازه إسحق بن راهويه وكثير من العلماء والمتكلمين وهو المختار ويرجع إلى عظم أجر قارئه ولله تعالى أن يخص ما شاء بما شاء لما شاء ، ومناسبة هذه الآية الكريمة لما قبلها أنه سبحانه لما ذكر أن الكافرين هم الظالمون ناسب أن ينبههم جل شأنه على العقيدة الصحيحة التي هي محض التوحيد الذي درج عليه المرسلون على اختلاف درجاتهم وتفاوت مراتبهم بما أينعت من ذلك رياضه وتدفقت حياضه وصدح عندليبه وصدع على منابر البيان خطيبه فللَّه الحمد على ما أوضح الحجة وأزال الغبار عن وجه المحجة .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ الله لا إله } في الوجود العلمي { إِلاَّ هُوَ الحي } الذي حياته عين ذاته وكل ما هو حي لم يحي إلا بحياته { القيوم } الذي يقوم بنفسه ويقوم كل ما يقوم به ، وقيل : الحي الذي ألبس حياته أسرار الموحدين فوحدوا به ، والقيوم الذي ربي بتجلي الصفات وكشف الذات أرواح العارفين ففنوا في ذاته واحترقوا بنور كبريائه . { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } بيان لقيوميته وإشارة إلى أن حياته عين ذاته له ما في سموات الأرواح وأرض الأشباح فلا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن ولا يخطر خاطر في بر أو بحر وسر أو جهر إلا بقدرته وإرادته وعلمه ومشيئته { مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } إذ كلهم له ومنه وإليه وبه { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } من الخطرات { وَمَا خَلْفَهُمْ } من العثرات ، أو ما بين أيديهم من المقامات وما خلفهم من الحالات ، أو يعلم منهم ما قبل إيجادهم من كمية استعدادهم وما بعد إنشائهم من العمل بمقتضى ذلك { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ } معلوماته التي هي مظاهر أسمائه { إِلاَّ بِمَا شَاء } كما يحصل لأهل القلوب من معاينات أسرار الغيوب وإذا تقاصرت الفهوم عن الإحاطة بشيء من معلوماته فأي طمع لها في الإحاطة بذاته هيهات هيهات أني لخفاش الفهم أن يفتح عينه في شمس هاتيك الذات ؟ { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ } الذي هي قلب العارف { السموات والأرض } لأنه معدن العلوم الإلهية والعلم اللدني الذي لا نهاية له ولا حد ، ومن هنا قال أبو يزيد البسطامي : لو وقع العالم ومقدار ما فيه ألف ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به ، وقيل : كرسيه عالم الملكوت وهو مطاف أرواح العارفين لجلال الجبروت { وَلاَ يؤوده } ولا يثقله { حِفْظُهُمَا } في ذلك الكرسي لأنهما غير موجودين بدونه { وَهُوَ العلي } الشأن الذي لا تقيده الأكوان { العظيم } [ البقرة : 255 ] الذي لا منتهى لعظمته ولا يتصور كنه ذاته لإطلاقه حتى عن قيد الإطلاق .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ} (255)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

{لا إلَهَ إلاّ هُوَ} معناه: النهي عن أن يعبد شيء غير الله، "الحيّ القيوم": الذي صفته ما وصف به نفسه تعالى ذكره في هذه الآية. يقول: «الله» الذي له عبادة الخلق «الحيّ القيوم»، لا إله سواه، لا معبود سواه، يعني: ولا تعبدوا شيئا سوى الحَيّ القَيّوم الذي لا تَأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ، والذي صفته ما وصف في هذه الآية. وهذه الآية إبانة من الله تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله عما جاءت به أقوال المختلفين في البينات من بعد الرسل الذين أخبرنا تعالى ذكره أنه فضل بعضهم على بعض، واختلفوا فيه، فاقتتلوا فيه كفرا به من بعض، وإيمانا به من بعض. فالحمد لله الذي هدانا للتصديق به ووفقنا للإقرار به.

{الحَيّ}: الذي له الحياة الدائمة، والبقاء الذي لا أوّل له يحدّ، ولا آخر له يُؤْمَد، إذ كان كل ما سواه فإنه وإن كان حيا فلحياته أول محدود وآخر مأمود، ينقطع بانقطاع أمدها وينقضي بانقضاء غايتها.

{القَيّومُ}: القائم برزق ما خلق وحفظه.

{لا تَأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ}: لا يأخذه نعاس فينعس، ولا نوم فيستثقل نوما. والوسن: خثورة النوم.

وإنما عنى تعالى ذكره بقوله: {لا تَأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} لا تحله الآفات، ولا تناله العاهات. وذلك أن السنة والنوم معنيان يغمران فهم ذي الفهم، ويزيلان من أصاباه عن الحال التي كان عليها قبل أن يصيباه.

فتأويل الكلام إذ كان الأمر على ما وصفنا: الله لا إله إلا هو الحيّ الذي لا يموت، القيوم على كل ما هو دونه بالرزق والكلاءة والتدبير والتصريف من حال إلى حال، لا تأخذه سنة ولا نوم، لا يغيره ما يغير غيره، ولا يزيله عما لم يزل عليه تنقل الأحوال وتصريف الليالي والأيام، بل هو الدائم على حال، والقيوم على جميع الأنام، لو نام كان مغلوبا مقهورا، لأن النوم غالب النائم قاهره، ولو وسن لكانت السموات والأرض وما فيهما دكّا، لأن قيام جميع ذلك بتدبيره وقدرته، والنوم شاغل المدبر عن التدبير، والنعاس مانعٌ المقدّر عن التقدير بوسنه. كما: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدثنا هشام بن يوسف، عن أمية بن شبل، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى صلى الله عليه وسلم على المنبر، قال: «وَقَعَ فِي نَفْسِ مُوسَى هَلْ يَنامُ اللّهُ تَعالى ذِكْرُهُ؟ فأرْسَلَ اللّهُ إلَيْهِ مَلَكا فَأرّقَهُ ثَلاثا، ثُمّ أعْطَاهُ قارُورَتَيْنِ، فِي كُلّ يَدٍ قارُورَةٌ، وأمَرَهُ أنْ يَحْتَفِظَ بِهما» قال: «فَجَعَلَ يَنامُ وَتَكادُ يَدَاهُ تَلْتَقِيَانِ، ثُمّ يَسْتَيْقِظُ فَيَحْبِسُ إحْدَاهُمَا عَنِ الأُخْرَى، ثُمّ نَامَ نَوْمَةً فَاصْطَفَقَتْ يَدَاهُ وَانْكَسَرَتِ القارُورَتَانِ». قال: ضرب الله مثلاً له، أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض.

{لَهُ مَا فِي السّمَوَاتِ وَما فِي الأرْضِ مَنْ ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بإذْنِهِ}: أنه مالك جميع ذلك بغير شريك ولا نديد، وخالق جميعه دون كل آلهة ومعبود. وإنما يعني بذلك أنه لا تنبغي العبادة لشيء سواه، لأن المملوك إنا هو طوع يد مالكه، وليس له خدمة غيره إلا بأمره. يقول: فجميع ما في السموات والأرض ملكي وخلقي، فلا ينبغي أن يعبد أحد من خلقي غيري وأنا مالكه، لأنه لا ينبغي للعبد أن يعبد غير مالكه، ولا يطيع سوى مولاه.

{مَنْ ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بِإذْنِهِ}: من ذا الذي يشفع لمماليكه إن أراد عقوبتهم إلا أن يخليه، ويأذن له بالشفاعة لهم. وإنما قال ذلك تعالى ذكره لأن المشركين قالوا: ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى، فقال الله تعالى ذكره لهم: لي ما في السموات وما في الأرض مع السموات والأرض ملكا، فلا ينبغي العبادة لغيري، فلا تعبدوا الأوثان التي تزعمون أنها تقربكم مني زلفى، فإنها لا تنفعكم عندي ولا تغني عنكم شيئا، ولا يشفع عندي أحد لأحد إلا بتخليتي إياه والشفاعة لمن يشفع له، من رسلي وأوليائي وأهل طاعتي.

{يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلاّ بِمَا شاءَ}:

يعني تعالى ذكره بذلك أنه المحيط بكل ما كان وبكل ما هو كائن علما، لا يخفى عليه شيء منه.

عن الحكم: {وَيَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} الدنيا {وَما خَلْفَهُمْ} الاَخرة.

{وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شاءَ} فإنه يعني تعالى ذكره أنه العالم الذي لا يخفى عليه شيء محيط بذلك كله محص له دون سائر من دونه، وأنه لا يعلم أحد سواه شيئا إلا بما شاء هو أن يعلمه فأراد فعلمه.

وإنما يعني بذلك أن العبادة لا تنبغي لمن كان بالأشياء جاهلاً، فكيف يعبد من لا يعقل شيئا البتة من وثن وصنم، يقول: أخلصوا العبادة لمن هو محيط بالأشياء كلها يعلمها، لا يخفى عليه صغيرها وكبيرها.

{وَسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَوَاتِ وَالأَرْضَ}؛

اختلف أهل التأويل في معنى الكرسي الذي أخبر الله تعالى ذكره في هذه الآية أنه وسع السموات والأرض؛ فقال بعضهم: هو علم الله تعالى ذكره. وقال آخرون: الكرسي: موضع القدمين.

وقال آخرون: الكرسي: هو العرش نفسه. ولكل قول من هذه الأقوال وجه ومذهب، غير أن الذي هو أولى بتأويل الآية ما جاء به الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما:

حدثني به عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، قال: أتت امرأة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة! فعظم الربّ تعالى ذكره، ثم قال: «إنّ كُرْسِيّهُ وَسِعَ السّمَوَاتِ وَالأرْضَ، وَإنّهُ لَيَقْعُدُ عَلَيْهِ فَمَا يَفْضُلُ مِنْهُ مِقْدَارُ أرْبَعِ أصَابِعَ» ثم قال بأصابعه فجمعها: «وَإنّ لَهُ أطيطا كأطِيطِ الرّحْلِ الجَدِيدِ إذَا رُكِبَ مِنْ ثِقَلِه».

وأما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن فقول ابن عباس الذي رواه جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عنه أنه قال: هو علمه، وذلك لدلالة قوله تعالى ذكره: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُما} على أن ذلك كذلك، فأخبر أنه لا يؤوده حِفظ ما علم، وأحاط به مما في السموات والأرض، وكما أخبر عن ملائكته أنهم قالوا في دعائهم: {رَبّنَا وَسِعْتَ كُلّ شَيْءٍ رَحمَةً وَعِلْما} فأخبر تعالى ذكره أن علمه وسع كل شيء، فكذلك قوله: {وَسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَوَاتِ وَالأرْضَ}. وأصل الكرسي: العلم، ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم مكتوب كُرّاسة، ومنه يقال للعلماء: الكراسي، لأنهم المعتمد عليهم، كما يقال: أوتاد الأرض، يعني بذلك أنهم العلماء الذين تصلح بهم الأرض.

والعرب تسمي أصل كل شيء: الكِرْس، يقال منه: فلان كريم الكِرْس: أي كريم الأرض. {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيّ العَظِيمُ}: ولا يشقّ عليه ولا يثقله... لا يجهده حفظهما.

{وَهُوَ العَلِيّ}: والله العليّ. والعلِيّ: الفعيل من قولك علا يعلو علوّا: إذا ارتفع، فهو عالٍ وعليّ، والعليّ: ذو العلوّ والارتفاع على خلقه بقدرته. وكذلك قوله: {العَظِيمُ} ذو العظمة، الذي كل شيء دونه، فلا شيء أعظم منه.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{الله لا إله إلا هو}؛ قيل: هو اسم المعبود بحق... ويحتمل أن يكون على الإضمار: أن قل {الله} الذي {لا إله إلا هو} لأنهم كانوا يقرون بالخالق، ويقرون بالإله كقوله جل وعلا: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله} [العنكبوت: 61] [وكقوله: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله}] [لقمان: 25 والزمر: 38] وكقوله: {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون} {سيقولون لله قل أفلا تذكرون} {قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم} {سيقولون لله قل أفلا تتقون} {قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون}

{سيقولون لله قل فأنى تسحرون} [المؤمنون: 84- 89] فإذا كانوا يقرون به، فأخبرهم أن الذي تقرون به، [وتسمونه، هو {الله} الذي {لا إله إلا هو الحي القيوم}] ويحتمل أن يكون لقوم من أهل الإسلام عرفوا الله تعالى، وآمنوا به، ولم يعرفوا نعته وصفته أنه {الحي القيوم} إلى آخره.

وقوله: {الحي القيوم} قيل: هو {الحي} بذاته لا بحياة هي حياة غيره، كالخلق، وهم أحياء بحياة هي حياة غيرهم، حلت فيهم، لا بد من الموت، والله عز وجلا، تعالى عن أن يحل فيه الموت لأنه حي بذاته، وجميع الخلائق أحياء لا بذاتهم، تعالى الله، عز وجلا عما يقول فيه الملحدون. والأصل أن كل من وصف في الشاهد بالحياة وصف بذلك للعظمة له والجلال والرفعة، ويقال: فلان حي، وكذلك الأرض سماها الله تعالى حية إذا اهتزت، وأنبتت لرفعتها على أعين الخلق. فعلى ذلك الله سبحانه وتعالى حي للعظمة، وكذلك، الأرض سماها الله تعالى حية للعظمة والرفعة ولكثرة ما تكون تذكر في المواطن كلها كما سمى الشهداء أحياء لأنهم مذكورون في الملأ من الخلق، ويحتمل أنه يمسى حيا لما لا يغفل عن شيء، ولا يسهو، ولا يذهب عنه شيء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وبالله العصمة.

وقوله: {القيوم} [القائم على مصالح أعمال الخلق وأرزاقهم، وقيل: {القيوم}، هو القيام على كل شيء يحفظه، ويتعاهده كما يقال: فلان قائم على أمر فلان؛ يعنون أنه يحفظ أموره حتى لا يذهب عنه شيء. وقيل: {هو الحي القيوم} أي لا يغفل عن أحوال الخلق.

وقوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم}؛ قيل: السنة النعاس، و] وقيل: السنة بين النوم واليقظة، وسمي وسنان... ويحتمل قوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم} على نفي الغفلة والسهو عنه؛ إذ لو أخذه صار مغلوبا مقهورا، فيزول عنه وصفه: حي، قيوم كقوله: {لا يعزب عنه مثقال ذرة} [سبأ: 3] على نفي الغفلة، ويحتمل أنه نفي عن نفسه ذلك لأن الخلق إنما ينامون، ويتغشون طلبا للراحة والمنفعة إما لدفع حزن أو وحشة، فأخبر أنه ليس بالذي يحتاج إلى راحة وإلى دفع حزن أو وحشة، وقيل: لا يفتر، ولا ينام... [و] النوم والسنة حالان تدلان على غفلة من حلاَّ به، وعلى حاجته إلى ما فيه راحته وعلى عجزه؛ إذ هما يغلبان، ويقهران...

وقوله: {له ما في السموات وما في الأرض} أخبر أن ما في السموات والأرض عبيده وإمائه، ليس كما قالوا: فلان ابن الله، والملائكة بنات الله، بل كلهم عبيده وإماؤه، والناس لا يتخذون ولدا من عبيدهم وإمائهم، فالله أحق ألا يتخذ...

وقوله: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} أي لا أحد يجترئ على الشفاعة {إلا بإذنه}...

وقوله: {وسع كرسيه السموات والأرض}...المراد منه أنه المعتمد والمفزع للخلق، وذلك بالعظمة والقوة، ويقال: {وسع كرسيه} وهو خلق من خلقه، وقيل: إن الكرسي هو الكرسي، لكنه خلقه ليكرم به من يشاء من خلقه. فعلى ذلك لا يفهم من قوله: {وسع كرسيه} وغيره من الآيات ما يفهم من الخلق بقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11].

وقوله: {وهو العلي العظيم}: {العلي} عن كل موهوم يحتاج إلى عرش أو كرسي، {العظيم} عن أن يحاط به. والله أعلم.

{العلي} عن جميع أحوال الخلق وشبههم و {العظيم} القاهر والغالب...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

{الله} اسم تفرّد به الحق -سبحانه فلا سمِيّ له فيه. قال الله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] أي هل تعرف أحداً غيره تسمَّى "الله "؟. من اعتبر في هذا الاسم الاشتقاق فهو كالمتعارض، فهذا اسم يدل على استحقاق صفات الجلال لا على اشتقاق الألفاظ، فلا يعارض ما لا يعارض فيه من الأقوال. قوله: {لا إله إلا هو}: إخبار عن نفي النظير والشبيه، بما استوجب من التقديس والتنزيه. ومن تحقق بهذه القالة لا يرى ذَرّةً من الإثبات بغيره أو من غيره؛ فلا يرفع إلى غيره حاجته، ولا يشهد من غيره ذرة، فَيَصْدُقُ إليه انقطاعه، ويديم لوجوده انفرادَه، فلا يسمع إلا من الله وبالله، ولا يشهد إلا بالله، ولا يُقْبِلْ إلا على الله، ولا يشتغل إلا بالله، فهو محوٌ عما سِوى الله، فَمَالَهُ شكوى ولا دعوى، ولا يتحرك منه لغيره عِرْقٌ، فإذا استوفى الحق عبداً لم يَبْقَ للحظوظ- البتة -مساغ.

وقوله: {الحي القيوم}: المتولي لأمور عباده، القائم بكل حركة...

{لا تأخذه سنة ولا نوم} لأنه أحدي لا ترهقه غفلة، وصمد لا تمسه علة، وعزيز لا تقاربه قلة، وجبار لا تميزه عزلة، وفَرْدٌ لا تضمه جثة، ووتر لا تحده جهة، وقديم لا تلْحَقُه آفة، وعظيم لا تدركه مسافة. تَقَدَّس مِنْ جمالِه جلالُه، وجلالُه جمالُه، وسناؤه بهاؤه، وبهاؤه سناؤه، وأزله أبده، وأبده سرمده، وسرمدهِ قدَمُه، وقدمه وجوده.

قوله جلّ ذكره: {لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ} مِلْكاً وإبداعاً، وخَلْقاً واختراعاً.

{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}. من ذا الذي يتنفس بنَفَس إلا بإجرائه، أو يتوسل إليه من دون إذنه وإبدائه. ومن ظنَّ أنه يتوسل إليه باستحقاقٍ أو عمل، أو تذلل أو أمل، أو قربة أو نسب، أو علة أو سبب- فالظنُّ وطنه والجهل مألفه والغلظ غايته والبعد قُصاراه.

{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} لأنه لا يخرج عن علمه معلوم، ولا يلتبس عليه موجود ولا معدوم.

{وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ}. يعني من معلوماته، أي تقاصرت العلوم عن الإحاطة بمعلوماته إلا بإذنه. فأي طمع لها في الإحاطة بذاته وحقه؟ وأَنَّى تجوز الإحاطة عليه وهو لا يقطعه في عِزِّه أَمَد، ولا يدركه حَدٌّ؟!.

{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}. خطاب لهم على قدر فهمهم. وإلا فأي خَطَرٍ للأكوان عند صفاته؟ جلَّ قَدْرُه عن التعزز بعرش أو كرسي، والتجمل بجنٍ أو إنْسِي.

{وَلاَ يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِىُّ العَظِيمُ}. كَيف تُتْعِبُ المخلوقاتُ مَنْ خَلق الذرة والكون بجملته -له سواء؛ فلا من القليل له تَيَسُّر، ولا من الكثير عليه تَعَسُّر...

جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :

-... آية الكرسي سيدة القرآن [جواهر القرآن ودرره: 48]. 141- لعلك تقول: لم خصصت آية الكرسي بأنها السيدة؟... [نفسه: 64]. آية الكرسي تشتمل على المعرفة العظمى التي هي المتبوعة والمقصودة، التي يتبعها سائر المعارف، فكان اسم السيدة بها أليق.

...

.

- أقول: هل لك أن تتفكر في آية الكرسي أنها لم تسمى سيدة الآيات؟ فإن كنت تعجز عن استنباطه بتفكرك فارجع إلى الأقسام التي ذكرناها والمراتب التي رتبناها. وقد ذكرنا لك أن معرفة الله تعالى ومعرفة ذاته وصفاته هي المقصد الأقصى من علوم القرآن، وأن سائر الأقسام مرادة لنفسه لا لغيره، فهو المتبوع وما عداه التابع، وهي سيدة الاسم المقدم الذي يتجوه إليه وجوه الأتباع وقلوبهم، فيحذون حذوه وينحون نحوه ومقصده، وآية الكرسي تشتمل عل ذكر الذات والصفات والأفعال فقط ليس فيها غيرها.

زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 597 هـ :

{اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} روى مسلم في " "صحيحه "" عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: {يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله أعظم؟} قال: قلت: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}. قال: فضرب صدري، وقال: "" ليهنك العلم يا أبا المنذر "" قال أبو عبيدة: القيوم: الذي لا يزول، لاستقامة وصفه بالوجود، حتى لا يجوز عليه التغيير بوجه من الوجوه. وقال الزجاج: القيوم: القائم بتدبير أمر الخلق. وقال الخطابي: القيوم: هو القائم الدائم بلا زوال...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

... لما ابتدأ سبحانه وتعالى الفاتحة كما مضى بذكر الذات، ثم تعرف بالأفعال لأنها مشاهدات، ثم رقى الخطاب إلى التعريف بالصفات، ثم أعلاه رجوعاً إلى الذات للتأهل للمعرفة ابتدأ هذه السورة بصفة الكلام لأنها أعظم المعجزات وأبينها وأدلها على غيب الذات وأوقعها في النفوس لا سيما عند العرب، ثم تعرف بالأفعال فأكثر منها. فلما لم يبق لبس أثبت الوحدانية بآيتها السابقة مخللاً ذلك بأفانين الحكم ومحاسن الأحكام وأنواع الترغيب والترهيب في محكم الوصف والترتيب فلما تمت الأوامر وهالت تلك الزواجر وتشوقت الأنفس وتشوفت الخواطر إلى معرفة سبب انقطاع الوصل بانبتار الأسباب وانتفاء الشفاعة في ذلك اليوم، إذ كان المألوف من ملوك الدنيا أنهم لا يكادون يتمكنون من أمر من الأمور حق التمكن من كثرة الشفعاء والراغبين من الأصدقاء، إذ كان الملك منهم لا يخلو مجلسه قط عن جمع كل منهم صالح للقيام مقامه ولو خذله أو وجه إليه مكره ضعضع أمره وفتّ في عضده فهو محتاج إلى مراعاتهم واسترضائهم ومداراتهم، بين سبحانه وتعالى صفة الآمر بما هو عليه من الجلال والعظمة ونفوذ الأمر والعلو عن الصد والتنزه عن الكفر والند والتفرد بجميع الكمالات والهيبة المانعة بعد انكشافها هناك أتم انكشاف لأن تتوجه الهمم لغيره وأن تنطق بغير إذنه وأن يكون غير ما يريد ليكون ذلك أدعى إلى قبول أمره والوقوف عند نهيه وزجره، ولأجل هذه الأغراض ساق الكلام مساق جواب السؤال فكأنه قيل: هذا ما لا يعرف من أحوال الملوك فمن الملك في ذلك اليوم؟ فذكر آية الكرسي سيدة آي القرآن التي ما اشتمل كتاب على مثلها مفتتحاً لها بالاسم العلم الفرد الجامع الذي لم يتسم به غيره، وذلك لما تأهل السامع بعد التعرف بالكلام والتودد بالأفعال لمقام المعرفة فترقى إلى أوج المراقبة وحضرة المشاهدة فقال عائداً إلى مظهر الجلال الجامع لصفات الجلال والإكرام لأنه من أعظم مقاماته: {الله} أي هو الملك في ذلك اليوم ثم أثبت له صفات الكمال منزهاً عن شوائب النقص مفتتحاً لها بالتفرد فقال: {لا إله إلا هو} مقرراً لكمال التوحيد، فإنه المقصود الأعظم من جميع الشرائع، ولكن الإنسان لما جبل عليه من النقصان لا بد له من ترغيب يشده وترهيب يرده ومواعظ ترفقه وأعمال تصدقه وأخلاق تحققه، فخلل سبحانه وتعالى آي التوحيد بالأحكام والقصص، والأحكام تفيد الأعمال الصالحة فترفع أستار الغفلة عن عيون القلوب وتكسب الأخلاق الفاضلة لتصقل الصدأ عن مرائي النفوس فتتجلى فيها حقائق التوحيد، والقصص تلزم بمواعظها واعتباراتها بالأحكام وتقرر دلائل المعارف فيرسخ التوحيد، وكان هذا التفصيل لأنه أنشط للنفس بالانتقال من نوع إلى آخر مع الهز بحسن النظم وبلاغة التناسب والإلهاب ببداعة الربط وبراعة التلاحم.

قال الحرالي: لما أتى بالخطاب على بيان جوامع من معالم الدين وجهات الاعتبار وبيان أحكام الجهاد والإنفاق فيه فتم الدين بحظيرته معالم إسلام وشعائر إيمان ولمحة إحسان أعلى تعالى الخطاب إلى بيان أمر الإحسان كما استوفى البيان في أمر الإيمان والإسلام فاستفتح هذا الخطاب العلي الذي يسود كل خطاب ليعلي به الذين آمنوا فيخرجهم به من ظلمة الإيمان بالغيب الذي نوره يذهب ظلمة الشك والكفر إلى صفاء ضياء الإيقان الذي يصير نور الإيمان بالإضافة إليه ظلمة كما يصير نور القمر عند ضياء الشمس ظلمة، فكانت نسبة هذه الآية من آية الإلهية في قوله سبحانه وتعالى

{وإلهكم إله واحد} [البقرة: 163] وما بعدها من الاعتبار في خلق السماوات والأرض نسبة ما بين علو اسمه الله الذي لم يقع فيه شرك بحق ولا بباطل إلى اسمه الإله الذي وقع فيه الشرك بالباطل فينقل تعالى المؤمنين الذين استقر لهم إيمان الاعتبار بآية {وإلهكم إله واحد} [البقرة: 163] وما بعدها من الاعتبار في خلق السماوات والأرض إلى يقين العيان باسمه {الله} وما يلتئم بمعناه من أوصافه العظيمة...

ولما وحّد سبحانه وتعالى نفسه الشريفة أثبت استحقاقه لذلك بحياته وبين أن المراد بالحياة الأبدية بوصف القيومية فقال: {الحي} أي الذي له الحياة وهي صفة توجب صحة العلم والقدرة أي الذي يصح أن يعلم ويقدر {القيوم} أي القائم بنفسه المقيم لغيره على الدوام على أعلى ما يكون من القيام والإقامة.

قال الحرالي: فيعول زيدت في أصوله الياء ليجتمع فيه لفظ ما هو من معناه الذي هو القيام بالأمر مع واوه التي هي من قام يقوم فأفادت صيغته من المبالغة ما في القيام والقوام على حد ما تفهمه معاني الحروف عند المخاطبة بها من أئمة العلماء الوالجين في مدينة العلم المحمدي من بابه العلوي...

ثم بين قيوميته وكمال حياته بقوله: {لا تأخذه سنة} قال الحرالي: هي مجال النعاس في العينين قبل أن يستغرق الحواس ويخامر القلب {ولا نوم} وهو ما وصل من النعاس إلى القلب فغشيه في حق من ينام قلبه وما استغرق الحواس في حق من لا ينام قلبه...

ولما عبر بالأخذ الذي هو بمعنى القهر والغلبة وجب تقديم السنة، كما لو قيل: فلان لا يغلبه أمير ولا سلطان، ثم بين هذه الجملة بقوله: {له} أي بيده وفي تصرفه واختصاصه {ما في السماوات} الذي من جملته الأرض {وما في الأرض} أي من السنة والنوم وغيرهما إبداعاً ودواماً وما هو في قبضته وتصرفه لا يغلبه.

قال الحرالي: وسلب بالجملة الأولى أمر الملكوت من أيدي الملائكة إلى قهر جبروته والآثار من نجوم الأفلاك إلى جبره، وسلب بالجملة الثانية الآثار والصنائع من أيدي خليفته وخليقته إلى قضائه وقدره وظهور قدرته...

ثم بين ما تضمنته هذه الجملة بقوله منكراً على من ربما توهم أن شيئاً يخرج عن أمره فلا يكون مختصاً به {من ذا الذي يشفع} أي مما ادعى الكفار شفاعته وغيره {عنده إلا بإذنه} أي بتمكينه لأن من لم يقدر أحد على مخالفته كان من البيّن أن كل شيء في قبضته، وكل ذلك دليل على تفرده بالإلهية. قال الحرالي: وحقيقة الشفاعة وصلة بين الشفيع والمشفوع له لمزية وصلة بين الشفيع والمشفوع عنده، فكان الإذن في باطن الشفاعة حظاً من سلب ما للشفعاء ليصير بالحقيقة إنما الشفاعة لله سبحانه وتعالى عند الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه وتعالى بالحقيقة الذي شفع عند نفسه بنفسه، فبإخفائه تعالى شفاعته في شفاعة الشفعاء كان هو الشفيع في الابتداء من وراء حجاب لأن إبداءه كله في حجاب وإعادته من غير حجاب، فلذلك هو سبحانه وتعالى خاتم الشفعاء...

ثم بين جميع ما مضى بقوله: {يعلم ما بين أيديهم} أي ما في الخافقين ممن ادعت شفاعته وغيرهم. قال الحرالي: أي ما أتاهم علمه من أمر أنفسهم وغيرهم، لأن ما بين يدي المرء يحيط به حسه، وما علمه أيضاً فكأنه بين يدي قلبه يحيط به علمه {وما خلفهم} وهو ما لم ينله علمهم، لأن الخلف هو ما لا يناله الحس، فأنبأ أن علمه من وراء علمهم محيط بعلمهم فيما علموا وما لم يعلموا...

ولما بين قهره لهم بعلمه بين عجزهم عن كل شيء من علمه إلا ما أفاض عليهم بحلمه فقال: {ولا يحيطون بشيء} أي قليل ولا كثير {من علمه إلا بما شاء} فبان بذلك ما سبقه، لأن من كان شامل العلم ولا يعلم غيره إلا ما علمه كان كامل القدرة، فكان كل شيء في قبضته، فكان منزهاً عن الكفوء متعالياً عن كل عجز وجهل، فكان بحيث لا يقدر غيره أن ينطق إلاّ بإذنه لأنه يسبب له ما يمنعه مما لا يريده.

ثم بين ما في هذه الجملة من إحاطة علمه وتمام قدرته بقوله مصوراً لعظمته وتمام علمه وكبريائه وقدرته بما اعتاده الناس في ملوكهم: {وسع كرسيه} ومادة كرس تدور على القوة والاجتماع والعظمة...

قال الأصفهاني: الكرسي ما يجلس عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد. وقال الحرالي: معنى الكرس هو الجمع، فكل ما كان أتم جمعاً فهو أحق بمعناه... فبان بذلك ما قبله لأن من كان بهذه العظمة في هذا التدبير المحكم والصنع المتقن كان بهذا العلم وهذه القدرة التي لا يثقلها شيء ولذا قال: {ولا يؤوده} أي يثقله.

قال الحرالي: من الأود أي بلوغ المجهود ذوداً، ويقابله ياء من لفظ الأيد أي وهو القوة، وأصل معناه والله سبحانه وتعالى أعلم أنه لا يعجزه علو أيده ولذلك يفسره اللغويون بلفظة يثقله {حفظهما} في قيوميته كما يثقل غيره أو يعجزه حفظ ما ينشئه بل هو عليه يسير لأنه لو أثقله لاختل أمرهما ولو يسيراً ولقدر غيره ولو يوماً ما على غير ما يريده. والحفظ قال الحرالي: الرعاية لما هو متداع في نفسه فيكون تماسكه بالرعاية له عما يوهنه أو يبطله... ولما لم يكن علوه وعظمته بالقهر والسلطان والإحاطة بالكمال منحصراً فيما تقدم عطف عليه قوله: {وهو} أي مع ذلك كله المتفرد بأنه {العلي} أي الذي لا رتبة إلا وهي منحطة عن رتبته {العظيم} كما أنبأ عن ذلك افتتاح الآية بالاسم العلم الأعظم الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى علواً وعظمة تتقاصر عنهما الأفهام لما غلب عليها من الأوهام، ونظم الاسمين هكذا دال على أنه أريد بالعظم علو الرتبة وبعد المنال عن إدراك العقول، وقد ختمت الآية بما بدئت به غير أن بدأها بالعظمة كما قال الحرالي: كان باسم {الله} إلاحة، وختمها كان بذلك إفصاحاً.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

بعد أن أمرنا تعالى بالإنفاق في سبيله قبل أن يأتي يوم لا مال فيه ولا كسب، ولا ينجي من عقابه فيه شفاعة ولا فداء، انتقل كدأب القرآن إلى تقرير أصول التوحيد والتنزيه التي تشعر متدبرها بعظيم سلطانه تعالى ووجوب الشكر له والإذعان لأمره والوقوف عند حدوده وبذل المال في سبيله وتحول بينه وبين الغرور والاتكال على الشفاعات والمكفرات التي جرأت الناس على نبذ كتاب الله وراء ظهورهم فقال:

{الله لا إلاه إلا هو الحي القيوم}. فسر الجلال الإله بالمعبود بحق والحي بالدائم البقاء والقيوم بالمبالغ بالقيام بتدبير خلقه. وقد استحسن الأستاذ الإمام قوله في تفسير كلمة التوحيد وقال إن تفسيره لكلمة (إله) هو الشائع وهو إنما يصح إذا حملنا العبادة على معناها الحقيقي وهو استعباد الروح وإخضاعها لسلطان غيبي لا تحيط به علما، ولا تعرف له كنها، فهذا هو معنى التأليه في نفسه وكل ما ألهه البشر من جماد ونبات وحيوان وإنسان فقد اعتقدوا فيه هذا السلطان الغيبي بالاستقلال أو بالتبع لإله آخر أقوى سلطانا. ومن ثم تعددت الآلهة المنتحلة. وكل تعظيم واحترام ودعاء ونداء يصدر عن هذا الاعتقاد فهو عبادة حقيقية وإن كان المعبود غير إله حقيقة، أي ليس له هذا السلطان الذي اعتقده العابد له، لا بالذات ولا بالتوسط إلى ما هو أعظم منه. فالإله الحق هو الذي يعبد بحق وهو واحد، والآلهة التي تعبد بغير حق كثيرة جدا. وهي غير آلهة في الحقيقة ولكن في الدعوى الباطلة التي يثيرها الوهم. ذلك أن الإنسان إذا رأى أو سمع أو توهم أن شيئا صدر عن موجود بغير علة معروفة ولا سبب مألوف، يتوهم أنه لو لم تكن له تلك السلطة العليا والقوة الغيبية لما صدر عنه ذلك، حتى أن الذين يعتقدون النفع ببعض الشجر والجماد... يعدون عابدين لها حقيقة.

والحاصل أن معنى "لا إله إلا الله "ليس في الوجود صاحب سلطة حقيقية على النفوس يبعثها على تعظيمه والخضوع له قهرا منها معتقدا أن بيده منح الخير ورفع الضر بتسخير الأسباب أو بإبطال السنن الكونية إلا الله تعالى وحده.

قال الأستاذ الإمام: وأما الحي فهو ذو الحياة وهي مبدأ الشعور والإدراك والحركة والنمو. ومثل لذلك بالنبات والحيوان. فإن كلا منهما حي وإن تفاوتت الحياة فيهما فكانت في الحيوان أكمل منها في النبات. قال والحياة بهذا المعنى مما ينزه الله تعالى عنه لأنه محال عليه. ولذلك فسر مفسرنا "الحي" بالدائم البقاء وهو بعيد جدا لا يفهم من اللفظ مطلقا إنما معنى الحياة بالنسبة إليه سبحانه مبدأ العلم والقدرة أي الوصف الذي يعقل معه الاتصاف بالعلم والقدرة. وهذا الوصف يبطل قول الماديين الذين يزعمون أن مبدأ الكون علة تتحرك بطبعها ولا شعور لها بنفسها ولا بحركتها وما ينشأ عنها من الأفعال والآثار. أي إن هذا النظام والأحكام في الخلق من آثار المادة الميتة التي لا شعور لها ولا علم...

{له ما في السماوات وما في الأرض} فهم ملكه وعبيده مقهورون لسنته خاضعون لمشيئته وهو وحده المصرف لشؤونهم والحافظ لوجودهم

{من ذا الذي يشفع عنده} منهم فيحمله على ترك مقتضى ما مضت به سنته، وقضت به حكمته وأوعدت به شريعته، من تعذيب من دسى نفسه بالعقائد الباطلة، ودنسها بالأخلاق السافلة، وأفسد في الأرض، وأعرض عن السنة والفرض، من ذا الذي يقدم على هذا من عبيده {إلا بإذنه} والأمر كله له صورة وحقيقة. وليس هذا الاستثناء نصا في أن الأذن سيقع، وإنما هو كقوله: {يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه} [هود: 105] فهو تمثيل لانفراده بالسلطان والملك في ذلك اليوم {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله} [التكوير: 19] ولهذا قال البيضاوي في تفسير الجملة: "بيان لكبرياء شأنه وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه ويستقل بأن يدفع ما يريد شفاعة واستكانة فضلا عن أن يعاوقه عنادا أو مناصبة". وقال الأستاذ الإمام ما محصله: إن في هذا الاستثناء قطعا لأمر الشافعين والمتكلمين على الشفاعة المعروفة التي كان يقول بها المشركون وأهل الكتاب عامة ببيان انفراده تعالى بالسلطان والملك وعدم جراءة أحد من عبيده على الشفاعة أو التكلم بدون إذنه، وإذنه غير معروف لأحد من خلقه.

ثم قال تعالى: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} أي ما قبلهم وما بعدهم أو بالعكس أو أمور الدنيا التي خلفوها وأمور الآخرة التي يستقبلونها أو ما يدركون وما يجهلون. وهذا دليل على نفي الشفاعة بالمعنى المعروف. وبيان ذلك أنه لما كان عالما بكل شيء فعله العباد في الماضي وما هو حاضر بين أيديهم وما يستقبلهم، وكان ما يجازيهم به مبنيا على هذا العلم كانت الشفاعة المعهودة مما يستحيل عليه تعالى. لأنها لا تتحقق إلا بإعلام الشفيع المشفوع عنده من أمر المشفوع له، وما يستحق ما لم يكن يعلم. مثال ذلك: إذا أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ينفي رجلا من المدينة ولا يمكن أن يريد ذلك وهو عادل إلا إذا كان يعتقد المصلحة فيه بأن يكون الرجل مفسدا ضارا بالناس. فإذا شفع له شافع ولم يبين لعمر ما لم يكن يعلم من أن المصلحة في بقائه دون نفيه. فإنه لا يقبل شفاعته. هذا إذا كانت الشفاعة عند سلطان عادل كعمر. وأما إذا كانت عند سلطان جائر فيجوز أن تقبل ويترك نفي المفسد الضار بالناس لأجل مرضاة الشفيع، كأن يكون من أعوان السلطان وبطانته الذين يؤثر مرضاتهم على المصلحة العامة لأنهم يؤثرون هواه على المصلحة الحقيقية. وفي هذه الحال يظن الغافل أن الشفاعة ليس فيها إعلام المشفوع عنده بما لم يكن يعلم ولو رجع نظر البصيرة لرأى أن الشفيع قد أعلم السلطان أن هذا الرجل الجاني ممن يلوذ به ويهمه شأنه ويرضيه بقاؤه ولم يكن يعلم ذلك. فالشفاعة المعروفة التي يغتر بها الكافرون والفاسقون ويظنون أن الله تعالى يرجع عن تعذيب من استحق العذاب منهم لأجل أشخاص ينتظرون شفاعتهم هي مما يستحيل على الله تعالى لأنها وهي من شأن أهل الظلم والبغي وتستلزم الجهل وهو ذو العلم المحيط...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

هذه الآية الكريمة أعظم آيات القرآن وأفضلها وأجلها، وذلك لما اشتملت عليه من الأمور العظيمة والصفات الكريمة، فلهذا كثرت الأحاديث في الترغيب في قراءتها وجعلها وردا للإنسان في أوقاته صباحا ومساء وعند نومه وأدبار الصلوات المكتوبات، فأخبر تعالى عن نفسه الكريمة بأن {لا إله إلا هو} أي: لا معبود بحق سواه، فهو الإله الحق الذي تتعين أن تكون جميع أنواع العبادة والطاعة والتأله له تعالى، لكماله وكمال صفاته وعظيم نعمه، ولكون العبد مستحقا أن يكون عبدا لربه، ممتثلا أوامره مجتنبا نواهيه، وكل ما سوى الله تعالى باطل، فعبادة ما سواه باطلة، لكون ما سوى الله مخلوقا ناقصا مدبرا فقيرا من جميع الوجوه، فلم يستحق شيئا من أنواع العبادة.

وقوله: {الحي القيوم} هذان الاسمان الكريمان يدلان على سائر الأسماء الحسنى دلالة مطابقة وتضمنا ولزوما، فالحي من له الحياة الكاملة المستلزمة لجميع صفات الذات، كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ونحو ذلك، والقيوم: هو الذي قام بنفسه وقام بغيره، وذلك مستلزم لجميع الأفعال التي اتصف بها رب العالمين من فعله ما يشاء من الاستواء والنزول والكلام والقول والخلق والرزق والإماتة والإحياء، وسائر أنواع التدبير، كل ذلك داخل في قيومية الباري، ولهذا قال بعض المحققين: إنهما الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب، وإذا سئل به أعطى، ومن تمام حياته وقيوميته أن {لا تأخذه سنة ولا نوم} والسنة النعاس {له ما في السماوات وما في الأرض} أي: هو المالك وما سواه مملوك وهو الخالق الرازق المدبر وغيره مخلوق مرزوق مدبر لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض فلهذا قال: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} أي: لا أحد يشفع عنده بدون إذنه، فالشفاعة كلها لله تعالى، ولكنه تعالى إذا أراد أن يرحم من يشاء من عباده أذن لمن أراد أن يكرمه من عباده أن يشفع فيه، لا يبتدئ الشافع قبل الإذن،

ثم قال {يعلم ما بين أيديهم} أي: ما مضى من جميع الأمور {وما خلفهم} أي: ما يستقبل منها، فعلمه تعالى محيط بتفاصيل الأمور، متقدمها ومتأخرها، بالظواهر والبواطن، بالغيب والشهادة، والعباد ليس لهم من الأمر شيء ولا من العلم مثقال ذرة إلا ما علمهم تعالى، ولهذا قال: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض} وهذا يدل على كمال عظمته وسعة سلطانه، إذا كان هذه حالة الكرسي أنه يسع السماوات والأرض على عظمتهما وعظمة من فيهما، والكرسي ليس أكبر مخلوقات الله تعالى، بل هنا ما هو أعظم منه وهو العرش، وما لا يعلمه إلا هو، وفي عظمة هذه المخلوقات تحير الأفكار وتكل الأبصار، وتقلقل الجبال وتكع عنها فحول الرجال، فكيف بعظمة خالقها ومبدعها، والذي أودع فيها من الحكم والأسرار ما أودع، والذي قد أمسك السماوات والأرض أن تزولا من غير تعب ولا نصب، فلهذا قال: {ولا يؤوده} أي: يثقله {حفظهما وهو العلي} بذاته فوق عرشه، العلي بقهره لجميع المخلوقات، العلي بقدره لكمال صفاته {العظيم} الذي تتضائل عند عظمته جبروت الجبابرة، وتصغر في جانب جلاله أنوف الملوك القاهرة، فسبحان من له العظمة العظيمة والكبرياء الجسيمة والقهر والغلبة لكل شيء، فقد اشتملت هذه الآية على توحيد الإلهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وعلى إحاطة ملكه وإحاطة علمه وسعة سلطانه وجلاله ومجده، وعظمته وكبريائه وعلوه على جميع مخلوقاته، فهذه الآية بمفردها عقيدة في أسماء الله وصفاته، متضمنة لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلا...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وكل صفة من هذه الصفات تتضمن قاعدة من قواعد التصور الإسلامي الكلية. ومع أن القرآن المكي في عمومه كان يدور على بناء هذا التصور، فإننا نلتقي في القرآن المدني كذلك في مناسبات شتى بهذا الموضوع الأصيل إلهام. الذي يقوم على أساسه المنهج الإسلامي كله، ولا يستقيم هذا المنهج في الحس إلا أن يستقيم ذلك الأساس، ويتضح، ويتحول إلى حقائق مسلمة في النفس، ترتكن إلى الوضوح واليقين...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

... وجملة « لا إله إلاَّ هو» خبر أول عن اسم الجلالة، والمقصود من هذه الجملة إثبات الوحدانية...

والمقصود بوصف الله هنا بالحيّ إبطال عقيدة المشركين إلاهية أصنامهم التي هي جمادات، وكيف يكون مدبّر أمور الخلق جماداً...

والقيّوم فيعول من قام يقوم وهو وزن مبالغة، وأصله قَيْوُوم فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمتا، والمراد به المبالغة في القيام المستعملِ مجازاً مشهوراً في تدبير شؤون الناس، قال تعالى: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبتْ} [الرعد: 33]. والمقصود إثبات عموم العلم له وكمالِ الحياة وإبطالُ إلاهية أصنام المشركين، لأن المشركين كانوا يعترفون بأن مدبّر الكون هو الله تعالى، وإنّما جعلوا آلهتهم شفعاء وشركاء ومقتسمين أمور القبائل...

وجملة {لا تأخذه سِنة ولا نوم} مُقرّرة لمضمون جملة « الله الحيّ القيوم» ولرفع احتمال المبالغة فيها، فالجملة منزّلة منزلة البيان لمعنى الحي القيوم ولذلك فصلت عن التي قبلها...

وجملة {له ما في السماوات وما في الأرض} تقرير لانفراده بالإلهية إذ جميع الموجودات مخلوقاته، وتعليل لاتّصافه بالقيّوميّة لأنّ من كانت جميع الموجودات مِلكاً له فهو حقيق بأن يكون قيّومها وألاّ يهملها ولذلك فُصلت الجملة عن التي قبلها. واللامُ للمِلك. والمراد بالسماوات والأرض استغراق أمكنة الموجودات، فقد دلت الجملة على عموم الموجودات بالموصول وصلته، وإذا ثبت ملكه للعموم ثبت أنّه لا يشذّ عن مِلكه موجود فحصل معنى الحصر، ولكنّه زاده تأكيداً بتقديم المسند أي لا لِغيره لإفادة الردّ على أصناف المشركين، من الصابئة عبدة الكواكب كالسريان واليونان ومن مشركي العرب لأن مجرّد حصول معنى الحصر بالعموم لا يكفي في الدلالة على إبطال العقائد الضّالة. فهذه الجملة أفادت تعليم التوحيد بعمومها، وأفادت إبطال عقائد أهل الشرك بخصوصية القصر، وهذا بلاغة معجِزة...

وجملة {من ذا الذي يشفع عنده ألا بإذنه} مقرّرة لمضمون جملة {له ما في السموات وما في الأرض} لما أفادُه لام الملك من شمول ملكه تعالى لِجميع ما في السماوات وما في الأرض، وما تضمنّه تقديم المجرور من قَصْر ذلك الملك عليه تعالى قصرَ قلب، فبطل وصف الإلهية عن غيره تعالى، بالمطابقة. وبطل حق الإدلال عليه والشفاعة عنده التي لا تردّ بالالتزام، لأنّ الإدلال من شأن المساوي والمقارب، والشفاعة إدلال. وهذا إبطال لمعتقد معظم مشركي العرب لأنّهم لم يثبتوا لإلهتهم وطواغيتهم ألوهية تامة، بل قالوا: {هؤلاء شفعاؤنا عند الله} [يونس: 18] وقالوا: {ما نعبدهم إلاَّ ليقرّبونا إلى الله زُلْفى} [الزمر: 3]، فأكّد هذا المدلول بالصريح، ولذلك فصلت هذه الجملة عمّا قبلها...

وجملة {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه} تقرير وتكميل لما تضمنّه مجموع جملتي {الحيّ القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} ولما تضمنّته جملة {من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه}، فإنّ جملتي {الحيّ القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} دلتا على عموم علمه بما حدث ووُجد من الأكوان ولم تَدُلاّ على علمه بما سيكون فأُكد وكمل بقوله يعلمُ الآية، وهي أيضاً تعليل لجملة من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه إذ قد يتّجه سؤال لماذا حُرموا الشفاعة إلاّ بعد الإذن فقيل لأنّهم لا يعلمون من يستحقّ الشفاعة وربّما غرّتهم الظواهر، والله يعلم من يستحقّها فهو يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولأجل هذين المعنيين فصلت الجملة عما قبلها.

والمراد بما بين أيديهم وما خلفهم ما هو ملاحظ لهم من المعلومات وما خفي عنهم أو ذهلوا عنه منها، أو ما هو واقع بعدهم وما وقع قبلهم. وأما علمه بما في زمانهم فأحرى [بما سواه]... وضمير {أيديهم} و {خلفهم} عائد إلى {ما في السماوات وما في الأرض} بِتغليب العقلاء من المخلوقات لأنّ المراد بما بين أيديهم وما خلفهم ما يشمل أحوال غير العقلاء، أو هو عائد على خصوص العقلاء من عموم ما في السموات وما في الأرض فيكون المراد ما يختصّ بأحوال البشر وهو البعض، لضمير ولا يحيطون لأنّ العلم من أحوال العقلاء.

وعطفت جملة {ولا يحيطون بشيء من علمه} على جملة {يعلم ما بين أيديهم} لأنّها تكملة لمعناها كقوله: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة: 216]. ومعنى يحيطون يعلمون علماً تاماً، وهومجاز حقيقته أنّ الإحاطة بالشيء تقتضي الاحتواء على جميع أطرافه بحيث لا يشذّ منه شيء من أوله ولا آخره، فالمعنى لا يعلمون علم اليقين شيئاً من معلوماته، وأمَّا ما يدّعونه فهو رجم بالغيب. فالعلمُ في قوله: {من علمه} بمعنى المعلوم، كالخَلْق بمعنى المخلوق، وإضافته إلى ضمير اسم الجلالة تخصيص له بالعلوم اللدُنية التي استأثر الله بها ولم ينصب الله تعالى عليها دلائل عقلية أو عادية. ولذلك فقوله: {إلا بما شاء} تنبيه على أنّه سبحانه قد يُطلع بعض أصفيائه على ما هو من خواصّ علمه كقوله: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلاّ من ارتضى من رسول}

[الجن: 26، 27]...

وقوله: {وسّع كرسيّه السموات والأرض} تقرير لما تضمّنته الجمل كلّها من عظمة الله تعالى وكبريائه وعلمِه وقدرته وبيان عظمة مخلوقاته المستلزمة عظمة شأنه، أو لبيان سعة ملكه كذلك كما سنبيّنه، وقد وقعت هذه الجمل مترتبة متفرّعة...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

فهذه آية الكرسي، أعظم آية في كتاب الله، كما ورد في بعض الآثار المثبتة في الصحاح، وإنها لتدل على وحدانية الله تعالى بكل شعبها، ذلك بأن الوحدانية لها شعب ثلاثة:

وحدانية الألوهية، وقد دلت عليها بقوله تعالى: {الله لا إله إلا هو}

ووحدانية الخلق والتكوين فلا خالق مع الله تعالى، ولا إرادة تمنع إرادته، وقد دل على ذلك بأكثر ما في الآية الكريمة كقوله سبحانه: {الحي القيوم} وقوله تعالى: {ما في السماوات وما في الأرض}

والشعبة الثالثة وحدانية الذات والصفات، بمعنى أنه لا يشبهه شيء أو أحد من خلقه:"ليس كمثله شيء" (الشورى 11) وقد أشار سبحانه إلى ذلك بقوله تعالى: "لا تأخذه سنة ولا نوم "وبقوله تعالى: "وهو العلي العظيم" تعالى الله رب العالمين علوا كبيرا؛ تولانا سبحانه بعنايته وتوفيقه وهدايته...