{ وَقُلْنَا يائادم اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة } عطف على { إِذَ قُلْنَا } [ البقرة : 4 3 ] بتقدير إذ أو بدونه أو على قلنا والزمان ممتد واسع للقولين ، وتصدير الكلام بالنداء لتنبيه المأمور لما يلقى إليه من الأمر وتحريكه لما يخاطب به إذ هو من الأمور التي ينبغي أن يتوجه إليها ، و( أسكن ) أمر من السكنى بمعنى اتخاذ المسكن لا من السكون ترك الحركة إذ ينافيه ظاهراً { حَيْثُ شِئْتُمَا } وذكر متعلقه بدون في ، وليس بمكان مبهم و{ أَنتَ } توكيد للمستكن في { اسكن } ، والمقصود منه بالذات صحة العطف إذ لولاه لزم العطف على الضمير المتصل بلا فصل وهو ممتنع في الفصيح على الصحيح ، وإفادة تقرير المتبوع مقصودة تبعاً ، وصح العطف مع أن المعطوف لا يباشره فعل الأمر لأنه وقع تابعاً ، ويغتفر فيه ما لا يغتفر في المتبوع ، وقيل : هناك تغليبان تغليب المخاطب على الغائب والمذكر على المؤنث ، ولكون التغليب مجازاً ومعنى السكون والأمر موجوداً فيهما حقيقة خفي الأمر ، فأما أن يلتزم أن التغليب قد يكون مجازاً غير لغوي بأن يكون التجوز في الإسناد ، أو يقال : إنه لغوي لأن صيغة الأمر هنا للمخاطب وقد استعملت في الأعم ، وللتخلص عن ذلك قيل : إنه معطوف بتقدير فليسكن ، وفيه أنه حينئذ يكون من عطف الجملة على الجملة فلا وجه للتأكيد ، والأمر يحتمل أن يكون للإباحة كاصطادوا وأن يكون للوجوب كما أن النهي فيما بعد للتحريم ، وإيثاره على اسكنا للتنبيه على أنه عليه السلام المقصد بالحكم في جميع الأوامر وهي تبع له كما أنها في الخلقة كذلك ، ولهذا قال بعض المحققين : لا يصح إيراد زوجك بدون العطف بأن يكون منصوباً على أنه مفعول معه ، والجنة في المشهور دار الثواب للمؤمنين يوم القيامة لأنها المتبادرة عند الإطلاق ولسبق ذكرها في السورة ، وفي ظواهر الآثار ما يدل عليه ، ومنها ما في الصحيح من محاجة آدم وموسى عليهما السلام فهي إذن في السماء حيث شاء الله تعالى منها ، وذهب المعتزلة وأبو مسلم الأصفهاني وأناس إلى أنها جنة أخرى خلقها الله تعالى امتحاناً لآدم عليه السلام وكانت بستاناً في الأرض بين فارس وكرمان ، وقيل : بأرض عدن ، وقيل : بفلسطين كورة بالشام ولم تكن الجنة المعروفة ، وحملوا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في { اهبطوا مِصْرًا } [ البقرة : 16 ] أو على ظاهره ، ويجوز أن تكون في مكان مرتفع قالوا : لأنه لا نزاع في أنه تعالى خلق آدم في الأرض ولم يذكر في القصة أنه نقله إلى السماء ولو كان نقله إليها لكان أولى بالذكر ولأنه سبحانه قال في شأن تلك الجنة وأهلها { لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قَلِيلاً سلاما سلاما }
[ الواقعة : 5 2 ، 6 2 ] و{ لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ } [ الطور : 3 2 ] { وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } [ الحجر : 8 4 ] وقد لغا إبليس فيها وكذب وأخرج منها آدم وحواء مع إدخالهما فيها على وجه السكنى لا كإدخال النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج . ولأن جنة الخلد دار للنعيم وراحة وليست بدار تكليف ، وقد كلف آدم أن لا يأكل من الشجرة ولأن إبليس كان من الكافرين وقد دخلها للوسوسة ولو كانت دار الخلد ما دخلها ولا كاد لأن الأكابر صرحوا بأنه لو جيء بالكافر إلى باب الجنة لتمزق ولم يدخلها لأنه ظلمة وهي نور ودخوله مستتراً في الجنة على ما فيه لا يفيد ، ولأنها محل تطهير فكيف يحسن أن يقع فيها العصيان والمخالفة ويحل بها غير المطهرين ولأن أول حمل حواء كان في الجنة على ما في بعض الآثار ، ولم يرد أن ذلك الطعام اللطيف يتولد منه نطفة هذا الجسد الكثيف ، والتزام الجواب عن ذلك كله لا يخلو عن تكلف ، والتزام ما لا يلزم وما في حيز المحاجة يمكن حمله على هذه الجنة وكون حملها على ما ذكر يجري مجرى الملاعبة بالدين والمراغمة لإجماع المسلمين غير مسلم ، وقيل : كانت في السماء وليست دار الثواب بل هي جنة الخلد ، وقيل : كانت غيرهما ويرد ذلك أنه لم يصح أن في السماء بساتين غير بساتين الجنة المعروفة ، واحتمال أنها خلقت إذ ذاك ثم اضمحلت مما لا يقدم عليه منصف ، وقيل : الكل ممكن والله تعالى على ما يشاء قدير والأدلة متعارضة ، فالأحوط والأسلم هو الكف عن تعيينها والقطع به ، وإليه مال صاحب «التأويلات » ، والذي ذهب إليه بعض سادتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم أنها في الأرض عند جبل الياقوت تحت خط الاستواء ويسمونها جنة البرزخ وهي الآن موجودة وإن العارفين يدخلونها اليوم بأرواحهم لا بأجسامهم ولو قالوا : إنها جنة المأوى ظهرت حيث شاء الله تعالى وكيف شاء كما ظهرت لنبينا صلى الله عليه وسلم على ما ورد في الصحيح في عرض حائط المسجد لم يبعد على مشربهم ، ولو أن قائلاً قال بهذا لقلت به لكن للتفرد في مثل هذه المطالب آفات . وكما اختلف في هذه الجنة اختلف في وقت خلق زوجه عليه السلام ، فذكر السدي عن ابن مسعود وابن عباس وناس من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن الله تعالى لما أخرج إبليس من الجنة وأسكنها آدم بقي فيها وحده وما كان معه من يستأنس به فألقى الله تعالى عليه النوم ثم أخذ ضلعاً من جانبه الأيسر ووضع مكانه لحماً وخلق حواء منه فلما استيقظ وجدها/ عند رأسه قاعدة فسألها من أنت ؟ قالت : امرأة قال ولم خلقت ؟ قالت : لتسكن إليّ فقالت الملائكة تجربة لعلمه : من هذه ؟ قال : امرأة قالوا : لم سميت امرأة ؟ قال : لأنها خلقت من المراء فقالوا : ما اسمها ؟ قال : حواء قالوا : لم سميت حواء ؟ قال : لأنها خلقت من شيء حي .
وقال كثيرون ولعلي أقول بقولهم إنها خلقت قبل الدخول ودخلا معاً ، وظاهر الآية الكريمة يشير إليه وإلا توجه الأمر إلى معدوم وإن كان في علمه تعالى موجوداً ، وأيضاً في تقديم ( زوجك ) على ( الجنة ) نوع إشارة إليه وفي المثل ، الرفيق قبل الطريق . وأيضاً هي مسكن القلب ، والجنة مسكن البدن ، ومن الحكمة تقديم الأول على الثاني ، وأثر السدي على ما فيه مما لا يخفى عليك معارض بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : بعث الله جنداً من الملائكة فحملوا آدم وحواء على سرير من ذهب كما تحمل الملوك ولباسهما النور حتى أدخلوهما الجنة فإنه كما ترى يدب على خلقها قبل دخول الجنة .
{ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا } الضمير المجرور للجنة على حذف مضاف أي من مطاعمها من ثمار وغيرها فلم يحظر عليهما شيئاً إلا ما سيأتي ، وأصل كُلاَ أأكلا بهمزتين الأولى للوصل ، والثانية فاء الكلمة فحذفت الثانية لاجتماع المثلين حذف شذوذ وأتبعت بالأولى لفوات الغرض ، وقيل : حذفا معا لكثرة الاستعمال والرغد بفتح الغين .
وقرأ النخعي بسكونها الهنيّ الذي لا عناء فيه أو الواسع ، يقال : رغد عيش القوم ، ورغد بكسر الغين وضمها كنوا في رزق واسع كثير ، وأرغد القوم أخصبوا وصاروا في رغد من العيش ، ونصبه على أنه نعت لمصدر محذوف ، أي أكلاً رغداً . وقال ابن كيسان : إنه حال بتأويل راغدين مرفهين ، و( حيث ) ظرف مكان مبهم لازم للظرفية ، وإعرابها لغة بني فقعس ولا تكون ظرف زمان خلافاً للأخفش ، ولا يجزم بها دون ( ما ) خلافاً للفراء ، ولا تضاف للمفرد خلافاً للكسائي ، ولا يقال : زيد حيث عمرو خلافاً للكوفيين ويعتقب على آخرها الحركات الثلاث مع الياء والواو والألف ويقال : حايث على قلة وهي هنا متعلقة بِكُلاَ ، والمراد بها العموم لقرينة المقام وعدم المرجح أي أيّ مكان من الجنة شئتما وأباح لهما الأكل كذلك إزاحة للعذر في التناول مما حظر ، ولم تجعل متعلقة ب { اسكن } ، لأن عموم الأمكنة مستفاد من جعل الجنة مفعولا به له ، مع أن التكريم في الأكل من كل ما يريد منها لا في عدم تعيين السكنى ولأن قوله تعالى في آية أخرى : { فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا } [ الأعراف : 19 ] يستدعي ما ذكرنا ، وكذا قوله سبحانه : { وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة فَتَكُونَا مِنَ الظالمين } ظاهر هذا النهي التحريم ، والمنهي عنه الأكل من الشجرة ، إلا أنه سبحانه نهى عن قربانها مبالغة ، ولهذا جعل جل شأنه العصيان المرتب على الأكل مرتباً عليه ، وعدل عن فتأثما إلى التعبير بالظلم الذي يطلق على الكبائر ، ولم يكتف بأن يقول : ظالمين ، بل قال : { مِنَ الظالمين } بناء على ما ذكروا أن قولك : زيد من العالمين ، أبلغ من زيد عالم لجعله غريقاً في العلم أباً عن جد ، وإن قلنا بأن ( تكونا ) دالة على الدوام ازدادت المبالغة ، ومن الناس من قال : لا تقرب بفتح الراء نهي عن التلبس بالشيء وبضمها بمعنى لا تدن منه ، وقال الجوهري : قرب بالضم يقرب قربا دنا وقربته بالكسر قربانا دونت منه .
والتاء في ( الشجرة ) للوحدة الشخصية وهو اللائق بمقام الإزاحة وجاز أن يراد النوع ، وعلى التقديرين اللام للجنس كما في «الكشف » ووقع خلاف في هذه الشجرة ، فقيل : الحنطة ، وقيل : النخلة ، وقيل : شجرة الكافور ونسب إلى علي كرم الله تعالى وجهه وقيل : التين ، وقيل : الحنظل ، وقيل : شجرة المحبة ، وقيل : شجرة الطبيعة والهوى وقيل ، وقيل . . . والأولى : عدم القطع والتعيين كما أن الله تعالى لم يعينها باسمها في الآية ولا أرى ثمرة في تعيين هذه الشجرة ويقال : فيها شجرة بكسر الشين وشيرة بإبدال الجيم ياءاً مفتوحة مع فتح الشين وكسرها وبكل قرأ بعض ، وعن أبي عمرو أنه كره شيرة قائلاً : إن برابر مكة وسودانها يقرؤون بها ولا يخفى ما فيه ، والشجر ماله ساق أو كل ما تفرع له أغصان وعيدان ، أو أعم من ذلك لقوله تعالى : { شَجَرَةً مّن يَقْطِينٍ } [ الصافات : 146 ] وقوله تعالى : { فَتَكُونَا } إما مجزوم بحذف النون معطوفاً على { تَقْرَبَا } فيكون منهيا عنه وكان على أصل معناها ، أو منصوب على أنه جواب للنهي كقوله سبحانه : { وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ } [ طه : 1 8 ] والنصب بإضمار ( أن ) عند البصريين وبالفاء نفسها عند الجرمي ، وبالخلاف عند الكوفيين و( كان ) حينئذ بمعنى صار ، وأياً ما كان من تفهم سببية ما تقدم لكونها ( من الظالمين ) أي الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعصية أو نقصوا حظوظهم بمباشرة ما يخل بالكرامة والنعيم أو تعدوا حدود الله تعالى ، ولعل القربان المنهي عنه الذي يكون سبباً للظلم المخل بالعصمة هو ما لا يكون مصحوباً بعذر كالنسيان هنا مثلاً المشار إليه بقوله تعالى : { فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } [ طه : 5 11 ] فلا يستدعي حمل النهي على التحريم ، والظلم المقول بالتشكيك على ارتكاب المعصية عدم عصمة آدم عليه السلام بالأكل المقرون بالنسيان وإن ترتب عليه ما ترتب نظراً إلى أن حسنات الأبرار سيآت المقربين وللسيد أن يخاطب عبده بما شاء ، نعم لو كان ذلك غير مقرون بعذر كان ارتكابه حينئذ مخلا ودون إثبات هذا خرط القتاد فإذاً لا دليل في هذه القصة على عدم العصمة ، ولا حاجة إلى القول إن ما وقع كان قبل النبوة لا بعدها كما يدعيه المعتزلة القائلون بأن ظهوره مع علمه بالأسماء معجزة على نبوته إذ ذاك . وصدور الذنب قبلها جائز عند أكثر الأصحاب وهو قول أبي هذيل وأبي علي من المعتزلة ولا إلى حمل النهي على التنزيه والظلم على نقص الحظ مثلاً والتزمه غير واحد وقرئ { تَقْرَبَا } بكسر التاء وهي لغة الحجازيين ، وقرأ ابن محيض { هذي } بالياء .
قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: أول معصية عصي الله بها الحسد والكبر والشح، حسد إبليس آدم وتكبر عليه، وشح آدم، قيل له كل من جميع شجر الجنة إلا هذه الشجرة، فشح، فأكلها...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
في هذه الآية دلالة واضحة على صحة قول من قال: إن إبليس أخرج من الجنة بعد الاستكبار عن السجود لآدم، وأسكنها آدم قبل أن يهبط إبليس إلى الأرض ألا تسمعون الله جل ثناؤه يقول:"وَقُلْنَا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنةَ وكُلا مِنْهَا رَغدا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظّالِمِينَ فأزَلّهُما الشّيْطانُ عَنْها فأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ". فقد تبين أن إبليس إنما أزلّهما عن طاعة الله، بعد أن لُعن، وأظهر التكبر، لأن سجود الملائكة لآدم كان بعد أن نفخ فيه الروح، وحينئذٍ كان امتناع إبليس من السجود له، وعند الامتناع من ذلك حلت عليه اللعنة...
عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أن عدوّ الله إبليس أقسم بعزّة الله ليغوينّ آدم وذريته وزوجه، إلا عباده المخلصين منهم، بعد أن لعنه الله، وبعد أن أخرج من الجنة، وقبل أن يهبط إلى الأرض، ويعلّم الله آدم الأسماء كلها...
وعن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فأخرج إبليس من الجنة حين لعن، وأسكن آدم الجنة، فكان يمشي فيها وَحْشا ليس له زوج يسكن إليها. فنام نومة فاستيقظ، وإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها: من أنت؟ فقالت: امرأة، قال: ولم خلقت؟ قالت: تسكن إليّ. قالت له الملائكة ينظرون ما بلغ علمه: ما اسمها يا آدم؟ قال: حوّاء، قالوا: ولم سميت حوّاء؟ قال: لأنها خُلقت من شيء حيّ. فقال الله له: "يا آدَمَ اسْكُنْ أنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدا حَيْثُ شِئْتُمَا". فهذا الخبر ينبئ عن أن حوّاء خلقت بعد أن سكن آدم الجنة فجُعلت له سكنا...
[و] عن عبد الله بن عباس وغيره: ثم أخذ ضلعا من أضلاعه من شقه الأيسر ولأم مكانه لحما وآدم نائم لم يهبّ من نومته حتى خلق الله من ضلعه تلك زوجته حوّاء، فسوّاها امرأة ليسكن إليها. فلما كشف عنه السِّنَة وهبّ من نومته رآها إلى جنبه، فقال فيما يزعمون والله أعلم: لحمي ودمي وزوجتي. فسكن إليها. فلما زوّجه الله تبارك وتعالى وجعل له سكنا من نفسه، قال له، فتلا: "يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وَزَجُكَ الجَنّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبا هَذِهِ الشّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظّالِمِينَ".
ويقال لامرأة الرجل زوجه وزوجته، والزوجة بالهاء أكثر في كلام العرب منها بغير الهاء، والزوج بغير الهاء يقال إنه لغة لأزد شنوءة. فأما الزوج الذي لا اختلاف فيه بين العرب فهو زوج المرأة...
"وكُلاَ مِنْهَا رَغَدا حَيْثُ شِئْتُمَا": أما الرغد، فإنه الواسع من العيش، الهنيء الذي لا يُعَنّي صاحبه، يقال: أرغد فلان: إذا أصاب واسعا من العيش الهنيء...
عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: "وكُلاَ مِنْهَا رَغَدا "قال: الرغد: الهنيء...
وعن مجاهد في قوله: "رَغَدا "قال: لا حساب عليهم...
وعن ابن عباس: "وكُلا مِنْها رَغَدا حَيْثُ شِئْتُمَا" قال: الرغد: سعة المعيشة...
فمعنى الآية: "وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة"، وكلا من الجنة رزقا واسعا هنيئا من العيش حيث شئتما...
عن قتادة قوله: "يا آدَم اسْكُنْ أنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنّةَ وكُلا مِنْهَا رَغَدا حَيْثُ شِئْتُما" ثم إن البلاء الذي كتب على الخلق كتب على آدم كما ابتُلي الخلق قبله أن الله جل ثناؤه أحلّ له ما في الجنة أن يأكل منها رغدا حيث شاء غير شجرة واحدة نُهي عنها. وقدم إليه فيها، فما زال به البلاء حتى وقع بالذي نُهي عنه.
"وَلاَ تَقْرَبا هَذِهِ الشجرَةَ": والشجر في كلام العرب: كل ما قام على ساق، ومنه قول الله جل ثناؤه: "وَالنّجمُ وَالشّجَرُ يَسْجُدَانِ" يعني بالنجم: ما نجم من الأرض من نبت. وبالشجر: ما استقلّ على ساق.
ثم اختلف أهل التأويل في عين الشجرة التي نُهي عن أكل ثمرها آدم...
فقال بعضهم هي السنبلة... وقال آخرون: هي الكرمة...وقال آخرون: هي التّينة...
فالصواب في ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها، فخالفا إلى ما نهاهما الله عنه، فأكلا منها كما وصفهما الله جل ثناؤه به. ولا علم عندنا أيّ شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يضع لعباده دليلاً على ذلك في القرآن ولا في السنة الصحيحة... وذلك إن علمه عالم لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم يضرّه جهله به...
"فَتَكُونَا مِنَ الظّالِمِينَ"... يعني به فتكونا من المتعدّين إلى غير ما أذن لهم وأبيح لهم فيه. وإنما عنى بذلك أنكما إن قربتما هذه الشجرة كنتما على منهاج من تعدّى حدودي وعصى أمري واستحلّ محارمي لأن الظالمين بعضهم أولياء بعض، والله وليّ المتقين...
وأصل الظلم في كلام العرب وضع الشيء في غير موضعه... وظلمه إياه: مجيئه في غير أوانه، وانصبابه في غير مصبه...
وقد يتفرع الظلم في معان يطول بإحصائها الكتاب، وسنبينها في أماكنها إذا أتينا عليها إن شاء الله تعالى...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
السكنى: من السكون، لأنها نوع من اللبث والاستقرار. و {أَنتَ} تأكيد للمستكن في {اسكن} ليصح العطف عليه.
و {رَغَدًا} وصف للمصدر، أي أكلا رغداً واسعاً رافهاً.
و {حَيْثُ} للمكان المبهم، أي: أيّ مكان من الجنة {شِئْتُمَا} أطلق لهما الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة المزيحة للعلة، حين لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع الجامعة للمأكولات من الجنة، حتى لا يبقى لهما عذر في التناول من شجرة واحدة بين أشجارها الفائتة للحصر...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
قال بعض الحذاق: إن الله لما أراد النهي عن أكل الشجرة نهى عنه بلفظ يقتضي الأكل وما يدعو إليه وهو القرب.
وفي حظره تعالى على آدم الشجرة ما يدل على أن سكناه في الجنة لا يدوم، لأن المخلد لا يحظر عليه شيء، ولا يؤمر ولا ينهى.
... والظلم في أحكام الشرع على مراتب، أعلاها الشرك، ثم ظلم المعاصي وهي مراتب، وهو في هذه الآية يدل على أن قوله: {ولا تقربا} على جهة الوجوب، لا على الندب، لأن من ترك المندوب لا يسمى ظالماً، فاقتضت لفظة الظلم قوة النهي...
قوله تعالى: {وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} اعلم أن ههنا مسائل:
المسألة الرابعة: اختلفوا في الجنة المذكورة في هذه الآية، هل كانت في الأرض أو في السماء؟ وبتقدير أنها كانت في السماء فهل هي الجنة التي هي دار الثواب أو جنة الخلد أو جنة أخرى؟ فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني: هذه الجنة كانت في الأرض، وحملا الإهباط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله تعالى: {اهبطوا مصرا} [البقرة: 61] واحتجا عليه بوجوه أحدها: أن هذه الجنة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد، ولو كان آدم في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله: {هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} [طه: 120]، ولما صح قوله: {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين} [الأعراف: 20]. وثانيها: أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى: {وما هم منها بمخرجين} [الحجر: 48].
وثالثها: أن إبليس لما امتنع عن السجود لعن فما كان يقدر مع غضب الله على أن يصل إلى جنة الخلد.
ورابعها: أن الجنة التي هي دار الثواب لا يفنى نعيمها لقوله تعالى: {أكلها دائم وظلها} [الرعد: 35] ولقوله تعالى: {وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها} [هود: 108] إلى أن قال: {عطاء غير مجذوذ} [هود: 108] أي غير مقطوع، فهذه الجنة لو كانت هي التي دخلها آدم عليه السلام لما فنيت، لكنها تفنى لقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88] ولما خرج منها آدم عليه السلام لكنه خرج منها وانقطعت تلك الراحات.
وخامسها: أنه لا يجوز في حكمته تعالى أن يبتدئ الخلق في جنة يخلدهم فيها ولا تكليف لأنه تعالى لا يعطي جزاء العاملين من ليس بعامل ولأنه لا يهمل عباده بل لابد من ترغيب وترهيب ووعد ووعيد.
وسادسها: لا نزاع في أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام في الأرض ولم يذكر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء لكان ذلك أولى بالذكر لأن نقله من الأرض إلى السماء من أعظم النعم. فدل ذلك على أنه لم يحصل وذلك يوجب أن المراد من الجنة التي قال الله تعالى له: {اسكن أنت وزوجك الجنة} جنة أخرى غير جنة الخلد.
القول الثاني: وهو قول الجبائي: أن تلك الجنة كانت في السماء السابعة والدليل عليه قوله تعالى: {اهبطوا منها} [البقرة: 38]، ثم إن الإهباط الأول كان من السماء السابعة إلى السماء الأولى، والإهباط الثاني كان من السماء إلى الأرض.
القول الثالث: وهو قول جمهور أصحابنا: أن هذه الجنة هي دار الثواب، والدليل عليه أن الألف واللام في لفظ الجنة لا يفيدان العموم لأن سكنى جميع الجنان محال فلابد من صرفها إلى المعهود السابق والجنة التي هي المعهودة المعلومة بين المسلمين هي دار الثواب، فوجب صرف اللفظ إليها.
والقول الرابع: أن الكل ممكن والأدلة النقلية ضعيفة ومتعارضة فوجب التوقف وترك القطع والله أعلم.
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :
في قوله تعالى:"اسكن" تنبيه على الخروج؛ لأن السكنى لا تكون ملكا، ولهذا قال بعض العارفين: السكنى تكون إلى مدة ثم تنقطع، فدخولهما في الجنة كان دخول سكنى لا دخول إقامة. قلت: وإذا كان هذا فيكون فيه دلالة على ما يقول الجمهور من العلماء: إن من أسكن رجلا مسكنا له أنه لا يملكه بالسكنى، وأن له أن يخرجه إذا انقضت مدة الإسكان...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما فرغ من نعمة التفضيل في الصفات الذاتية بين النعمة بشرف المسكن مع تسخير زوج من الجنس لكمال الأنس وما يتبع ذلك فقال تعالى. وقال الحرالي: لما أظهر الله سبحانه فضيلة آدم فيما أشاد به عند الملائكة من علمه وخلافته والإسجاد له وإباء إبليس عنه أظهر تعالى إثر ذلك ما يقابل من أحوال آدم حال ما ظهر للملائكة بما فيه من حظ مخالفة يشارك بها إفراط ما في الشيطان من الإباء...، وليظهر فضل آدم في حال مخالفته على إبليس في حال إبائه مما يبدو على آدم من الرجوع بالتوبة كحال رجوع الملائكة بالتسليم، فيظهر فيه الجمع بين الطرفين والفضل في الحالين: حال علمه وحال توبته في مخالفته، فجعل تعالى إسكان الجنة توطئة لإظهار ذلك من أمره فقال تعالى: { {وقلنا يا آدم اسكن}، من السكن وهو الهدوء في الشيء الذي في طيه إقلاق.
{وزوجك الجنة} فأجنت لآدم ما فيها من خبء استخراج أمر معصيته ليكون ذلك توطئة لكمال باطنه بإطلاعه على سر من أسرار ربه في علم التقدير إيماناً والكمال ظاهره يكون ذلك توطئة لفضيلة توبته إسلاماً ليسن لبنيه التوبة إثر المعصية، مخالفة لإصرار إبليس بعد إبائه وشهادة عليه بجهله في ادعائه، وجعل له ذلك فيما هو متنزل عن رتبة علمه فلم تلحقه فيه فتنة حفيظة على خلافته وأنزلت معصيته إلى محل مطعمه الذي هو خصوص حال المرء من جهة أجوفية خلقه ليبدو نقص الأجوف، ويبدي ذلك إكبار الصمد الذي "يُطْعِم ولا يُطعَم"، فكان ذلك من فعله تسبيحاً بحمد ربه؛ لا يقضي الله لمؤمن قضاء إلا كان خيراً له انتهى.
ولما كان السياق هنا لمجرد بيان النعم استعطافاً إلى المؤالفة، كان عطف الأكل بالواو في قوله: {وكلا منها} كافياً في ذلك، وكان التصريح بالرغد الذي هو من أجل النعم عظيم الموقع فقال تعالى: {رغداً} أي واسعاً رافها طيباً هنيئاً {حيث} أي: أيّ مكان {شئتما} بخلاف سياق الأعراف فإنه أريد منه مع التذكير بالنعم التعريف بزيادة التمكين وأنها لم تمنع من الإخراج تحذيراً للمتمكنين في الأرض المتوسعين في المعايش من إحلال السطوات وإنزال المَثُلات، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ثم المقصود من حكاية القصص في القرآن إنما هو المعاني فلا يضر اختلاف اللفظ إذا أدى جميع المعنى أو بعضه ولم يكن هناك مناقضة، فإن القصة كانت حين وقوعها بأوفى المعاني الواردة. ثم إن الله تعالى يعبر لنا في كل سورة تذكر القصة فيها بما يناسب ذلك المقام في الألفاظ عما يليق من المعاني ويترك ما لا يقتضيه ذلك المقام.
ولما أباح لهما سبحانه ذلك كله، أتبعه بالنهي عن شجرة واحدة. قال الحرالي: وأطلق له الرغد إطلاقاً، وجعل النهي عطفاً، ولم يجعله استثناء ليكون آدم أعذر في النسيان، لأن الاستثناء أهم في الخطاب من التخصيص وقال: {ولا تقربا} ولم يقل: ولا تأكلا، نهياً عن حماها ليكون ذلك أشد في النهي -انتهى.
{هذه} ولما كان اسم الإشارة لا دلالة له على حقيقة الذات افتقر إلى بيان ذات المشار إليه فقال: {الشجرة} أي فإنكما إن قربتماها تأكلا منها {فتكونا} أي بذلك {من الظالمين} أي الواضعين الشيء في غير موضعه كمن يمشي في الظلام؛ وفي هذا النهي دليل على أن هذه السكنى لا تدوم، لأن المخلد لا يناسب أن يعرض للحظر بأن يحظر عليه شيء ولا أن يؤمر ولا ينهى، ولذلك دخل عليه الشيطان من جهة الخلد، ولا داعي لبيان نوع الشجرة لأن السياق لبيان شؤم المخالفة وبركة التوبة لا لتعيين المنهي عنه فليس بيانه حينئذ من الحكمة.
السراج المنير في تفسير القرآن الكريم للشربيني 977 هـ :
تنبيه: في هذه الآية مبالغتان: الأولى: تعليق النهي بالقرب الذي هو من مقدمات التناول مبالغة في تحريمه ووجوب الاجتناب عنه وتنبيهاً على أن القرب من الشيء يورث داعية وميلاً يأخذ بمجامع القلب ويلهيه عما هو مقتضى العقل والشرع كما روى أبو داود: (حبك الشيء يعمى ويصم) أي: يخفى عليك معانيه ويصم أذنيك عن سماع مساويه فينبغي أن لا يحول ما حول ما حرّم عليهما مخافة أن يقعا فيه.
الثانية: جعل قربانهما إلى الشجرة سبباً لأن يكونا من الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{(35) وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (36) فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (37) فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم} مجمل الآيات أن هذا العالم لما استعد لوجود هذا النوع الإنساني، واقتضت الحكمة الإلهية إيجاده واستخلافه في الأرض، آذن الله تعالى الأرواح المنبثة في الأشياء لتدبيرها ونظامها بذلك، وأن تلك الأرواح فهمت من معنى كون الإنسان خليفة أنه يفسد النظام ويسفك الدماء، حتى أعلمها الله تعالى بأن علمها لم يحط بمواقع حكمته، ولا يصل إلى حيث يصل علمه تعالى. ثم أوجد آدم وفضله بتعليمه الأسماء كلها، على أن كل صنف من تلك الأرواح لا يعلم إلا طائفة منها، ولذلك أخضع له تلك الأرواح إلا روحا واحدا هو مبعث الشر ومصدر الإغواء فقد أبى الخضوع، واستكبر عن السجود، لما كان في طبيعته من الاستعداد لذلك. والاستعداد في الشيء إنما يظهر بظهور متعلقه.
فلا يقال: إذا كان لكل روح من هذه الأرواح والقوى الغيبية علم محدود، فكيف ظهر من الروح الإبليسي ما لم يسبق له، وهو مخالفة الأمر بالسجود لآدم والتصدي لإغوائه؟ لا يقال ذلك لأنه كان مستعدا لهذا العصيان والإباء فلما أمر عصى. ولما وجد خلقا مستعدا للوسوسة اتصل به ووسوس إليه. كما أن ألوان ورق الشجر والزهور موجودة كامنة في البذرة ولكنها لا تظهر إلا عند الاستعداد لها ببلوغ الطور المحدود من النمو. ومجمل الآيات اللاحقة: أن الله تعالى أمر آدم وزوجه بسكنى الجنة والتمتع بها ونهاهما عن الأكل من شجرة مخصوصة وأخبرهما أن قربها ظلم. وأن الشيطان أزلهما عنها فأخرجهما مما كان فيه من النعيم إلى ضده. ثم إن آدم تاب إلى الله من معصيته فقبله. ثم جعل سعادة هذا النوع بإتباع هدى الله وشقاءه بتركه... وقد تقدم أن الآيات كلها قد سيقت للاعتبار ببيان الفطرة الإلهية التي فطر عليها الملائكة والبشر. وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما يلاقى من الإنكار. وتقدم وجه ذلك في الآيات السابقة. وأما وجهه في هذه الآيات فظاهر، وهو أن المعصية من شأن البشر. كأنه يقول: فلا تأس يا محمد على القوم الكافرين ولا تبخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا [فقد كان الضعف في طباعهم ينتهي إليهم من أول سلف لهم. تغلب عليهم الوساوس. وتذهب بصرهم الدسائس. انظر ما وقع لآدم وما كان منه وسنة الله مع ذلك لا تتبدل. فقد عوقب آدم على خطيئته بإهباطه مما كان فيه. وإن كان قد قبل توبته. وغفر هفوته] فالمعصية دائما مجلبة الشقاء. وقد استقر أمر البشر على أن سعادتهم في اتباع الهداية الإلهية وشقاءهم في الانحراف عن سبلها.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
والآن. لقد انكشف ميدان المعركة الخالدة. المعركة بين خليقة الشر في إبليس، وخليفة الله في الأرض. المعركة الخالدة في ضمير الإنسان. المعركة التي ينتصر فيها الخير بمقدار ما يستعصم الإنسان بإرادته وعهده مع ربه، وينتصر فيها الشر بمقدار ما يستسلم الإنسان لشهوته. ويبعد عن ربه:
(وقلنا: يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، وكلا منها رغدا حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرة، فتكونا من الظالمين)..
لقد أبيحت لهما كل ثمار الجنة.. إلا شجرة.. شجرة واحدة، ربما كانت ترمز للمحظور الذي لا بد منه في حياة الأرض. فبغير محظور لا تنبت الإرادة، ولا يتميز الإنسان المريد من الحيوان المسوق، ولا يمتحن صبر الإنسان على الوفاء بالعهد والتقيد بالشرط. فالإرادة هي مفرق الطريق. والذين يستمتعون بلا إرادة هم من عالم البهيمة، ولو بدوا في شكل الآدميين!
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
{فتكونا من الظالمين} أي من المعتدين. وأشهر معاني الظلم في استعمال العرب هو الاعتداء، والاعتداء إما اعتداء على نهي الناهي، إن كان المقصود من النهي الجزْم بالترك. وإما اعتداء على النفس والفضيلة، إن كان المقصود من النهي عن الأكل من الشجرة بقاء فضيلة التنعُم لآدم في الجنة. فعلى الأول الظلم لأنفسهما بارتكاب غضب الله وعقابه، وعلى الثاني الظلم لأنفسهما بحرمانها من دوام الكرامة...
جواهر التفسير للخليلي 2001 هـ :
وقد يقول قائل: إن آدم عليه السلام فشل في هذا الامتحان لأن الشيطان بلغ منه قصده، فقد تمكن من إنسائه عهد الله، وقدر على التأثير عليه حتى ارتكب ما نُهي عنه.
والجواب أن هذا لا يعد فشلا مع تدارك الأمر بالتوبة والانقلاب من الغفلة والغي والمعصية إلى أضدادها من الذكر والرشد والطاعة، وقد أراد الله لآدم أن يكون إمام التائبين من ذريته فإنهم جميعا خطاؤون وخير الخطَّائين التوابون، ولهم في أبيهم آدم -الذي ثاب إليه رشده فتعجل التوبة إلى الله- أسوة حسنة، أما الذي يُخلد إلى هواه ويصر على غيه ويركب رأسه في عناده لله فله في الشيطان -الذي أصر واستكبر استكبارا- أسوة سيئة.
وقد نادى الله آدم باسمه العلم إيناسا وتكريما له وإشعارا بمنزلته في ذلك العالم العلوي.
والأمر بسكنى آدم وزوجه الجنة وُجه إليه ولم يُوجه إليهما معا لأن المرأة تابعة للرجل، وقد سكت القرآن عن وقت خلق حواء، فما لنا إلا أن نسكت عنه وإن كان في ذلك مجال رحب للذين يسوغون لأنفسهم أن يقولوا ما لا يعلمون...
ونجد النهي عن تلك الشجرة لم يقتصر على الأكل منها بل شمل القرب منها لأجل سد ذرائع المعصية، فإن الدنو منها مفض [إلى] ارتكابها، ونحوه قوله عز وجل: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً} [الإِسراء: 32]، ومن ثم حُجر على الإنسان ممارسة أي سبب يُفضي إلى معصية الله كما يدل عليه حديث النعمان بن بشير عند الشيخين قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الحلال بيِّن وإن الحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعرفهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه" وفي ذلك داعية إلى نفرة المسلم العاقل من كل المعاصي بعدم الحوم حول حماها، والقرب من الأمر يهون خَطبه ويدعو إلى ألفته، والنفس ميالة بطبعها إلى ما فيه مضرتها إن لم يتعهدها صاحبها بالرعاية ويستمد من الله التوفيق والعون...
هذا وإني لأعجب ممن يقول إن إبليس لم يتسلط على آدم إلا من طريق حواء مع أن القرآن صريح بأنه -لعنه الله- كان خطابه لآدم فقد قال تعالى: {قَالَ يآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى فَأَكَلاَ مِنْهَا} [طه: 120-121]، فإن ذلك واضح في أن أكلهما ناشئ عن هذا الخطاب الموجه إلى آدم، وهو لا ينافي أن يكون خاطبهما معا كما يدل عليه قوله سبحانه: {وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} [الأعراف: 20] وإنما حكى الله تارة خطابه لهما معا، وتارة خطابه لآدم وحده لأن حواء تبع له كما سبق.
هذا وقد بين الله لهما عاقبة مخالفتهما أمره بقربهما من تلك الشجرة التي نُهيا عنها حيث قال لهما: {فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ} وأصل الظلم وضع الشيء في غر موضعه، ومنه استحسان ما ليس بمستحسن، وقد استحسنا الأكل من تلك الشجرة بتزيين إبليس لهما ذلك مع ما فيه من مخالفة أمر الله...
وإطلاق الظلم على فعلهما لا يستلزم أن يكون من الكبائر لمنافاة ذلك عصمة النبوة، وللعلم بأنهما لم يأتيا ما أتياه لأجل الوقوع في مخالفة أمره سبحانه وتعالى، وإنما كان ذلك إما نسيانا وإما خطأ كما سيأتي قريبا إن شاء الله، وليس تهويل هذه المخالفة إلا لعلو قدرهما وعظم شأنهما، وما أحسن قول من قال: "حسنات الأبرار سيئات المقربين"...، فلا غرابة في إطلاق اسم الظلم على صنيع صفي الله آدم عليه السلام وإن كان بالنسبة إلى غير صغيرا...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
يستفاد من آيات القرآن أن آدم خُلق للعيش على هذه الأرض. لكنّ الله شاء أن يسكنه قبل ذلك الجنّة، وهي روضة خضراء موفورة النعمة في هذا العالم، وخالية من كل ما يزعج آدم.
[و] لعل مرحلة مكوث آدم في الجنّة كانت مرحلة تحضيرية لعدم ممارسة آدم للحياة على الأرض وصعوبة تحمّل المشاكل الدنيوية بدون مقدمة، ومن أجل تأهيل آدم لتحمل مسؤوليات المستقبل، ولتفهيمه أهمية حمل هذه المسؤوليات والتكاليف الإِلهية في تحقيق سعادته، ولإِعطائه صورة عن الشقاء الذي يستتبع إهمال هذه التكاليف، وللتنبيهه بالمحظورات التي سيواجهها على ظهر الأرض...كان من الضروري أيضاً أن يعلم آدم بإمكان العودة إلى الله بعد المعصية. فمعصية الله لا تسدّ إلى الأبد أبواب السعادة أمامه، بل يستطيع أن يرجع ويعاهد الله أن لا يعود لمثلها، وعند ذاك يعود إلى النعم الإِلهية.
[ف] ينبغي أن ينضج آدم (عليه السلام) في هذا الجوّ إلى حد معيّن، وأن يعرف أصدقاءه وأعداءه، ويتعلم كيف يعيش على ظهر الأرض. نعم، كانت هذه مجموعة من التعاليم الضرورية التي تؤهله للحياة على ظهر الأرض. كانت هذه مقدمات تأهيلية يحتاجها آدم وأبناء آدم في حياتهم الجديدة. ولعل الفترة التي قضاها آدم في الجنّة أن ينهض بمسؤولية الخلافة على الأرض كانت تدريبية أو تمرينية. وهنا رأى «آدم» نفسه أمام أمر إلهي يقضي بعدم الاقتراب من الشجرة، لكن الشيطان أبى إلاّ أن ينفذ قسمه في إغواء آدم وذريته، فطفق يوسوس لآدم ويعده وزوجه كما يبدو من سائر آيات القرآن الكريم بالخلود وباتخاذ شكل الملائكة وأقسم أنه لهما من الناصحين. (الأعراف، 20 و 21)