{ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مّن سلطان } أي تسلط واستيلاء بالوسوسة والاستغواء .
{ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بالآخرة مِمَّنْ مِنْهَا في شَكّ } استثناء مفرغ من أعم العلل ، و { مِنْ } موصولة وجعلها استفهامية بعيد ، والعلم المستقبل المعلل ليس هو العلم الأزلي القائم بالذات المقدس بل تعلقه بالمعلوم في عالم الشهادة التي يترتب عليه الجزاء بالثواب والعقاب وهو مضمن معنى التميز لمكان من أي ما كان له عليهم تسلط لأمر من الأمور إلا لتعلق علمنا بمن يؤمن بالآخرة متميزاً ممن هو منها في شك تعلقاً حالياً يترتب عليه الجزاء وإلى هذا يشير كلام كثير من أئمة التفسير ، وقيل : المعنى لنجعل المؤمن متميزاً من غيره في الخارج فيتميز عند الناس ، وقيل : المراد من وقوع العلم في المستقبل وقوع المعلوم لأنه لازمه فكأنه قيل ما كان ذلك لأمر من الأمور إلا ليؤمن من قدر إيمانه ويضل من قدر ضلاله ، وعدل عنه إلى ما في «النظم الجليل » للمبالغة لما فيه من جعل المعلوم عين العلم ، وقيل المراد بالعلم الجزاء فكأنه قيل على الإيمان وضده ، وقيل : العلم على ظاهره إلا أن المستقبل بمعنى الماضي وعلم الله تعالى الأزلي بأهل الشك يستدعي تسلط الشيطان عليهم .
وقيل : المراد لنعامل معاملة من كأنه لا يعلم ذلك وإنما يعمل ليعلم ، وقيل : المراد ليعلم أولياؤنا وحزبنا ذلك ، ولا يخفى عليك ما في بعض هذه الأقوال ، وكان الظاهر إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن لا يؤمن بها وعدل عنه إلى ما فيه «النظم الجليل » لنكتة وهي أنه قوبل الإيمان بالشك ليؤذن بأن أدنى مراتب الكفر مهلكة ، وأورد المضارع في الجملة الأولى إشارة إلى أن المعتبر في الإيمان الخاتمة ولأنه يحصل بنظر تدريجي متجدد ، وأتى بالثانية اسمية إشارة إلى أن المعتبر الدوام والثبات على الشك إلى الموت ، ونون شكا للتقليل ، وأتى بفي إشارة إلى أن قليه كأنه محيط بصاحبه ، وعداه بمن دون في وقدمه لأنه إنما يضر الشك الناشئ منها وأنه يكفي شك ما فيما يتعلق بها .
وقرأ الزهري { لِيَعْلَمَ } بضم الياء وفتح اللام مبنياً للمفعول { وَرَبُّكَ عَلَى كُلّ شيء حَفُيظٌ } أي وكيل قائم على أحواله وشؤونه ، وهو إما مبالغة في حافظ وإما بمعنى محافظ كجليس ومجالس وخليط ومخالط ورضيع ومراضع إلى غير ذلك .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وما كان له} لإبليس {عليهم من سلطان} من ملك أن يضلهم عن الهدى.
{إلا لنعلم} لنرى {من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك} ليبين المؤمن من الكافر. {وربك على كل شيء} من الإيمان والشك {حفيظ} رقيب.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: وما كان لإبليس على هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم من حُجة يضلهم بها، إلا بتسليطناه عليهم، لُيعلم حزبُنا وأولياؤنا "مَنْ يُؤْمِنُ بالآخِرَةِ "يقول: من يصدّق بالبعث والثواب والعقاب "مِمّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكَ" فلا يُوقِن بالمعاد، ولا يصدّق بثواب ولا عقاب...
وقيل: عُنِي بقوله: "إلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بالآخِرَةِ" إلا لنعلم ذلك موجودا ظاهرا ليستحقّ به الثواب أو العقاب.
وقوله: "وَرَبّكَ على كُلّ شَيْءٍ حَفِيظٌ" يقول تعالى ذكره: وربك يا محمد على أعمال هؤلاء الكفرة به، وغير ذلك من الأشياء كلها حَفِيظٌ لا يعزب عنه علم شيء منه، وهو مُجازٍ جميعَهم يوم القيامة، بمِا كسبوا في الدنيا من خير وشرّ.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{وما كان له عليهم من سلطان} أي حُجّة، ليس له حجّة عليهم، أي لم يمكّن لهم من الحجة، ولكن إنما مكّن لهم الوساوس والتمويهات، ثم جعل الله للمؤمنين مقابل ذلك حُججا، يدفعون بها شُبَهه وتمويهاته.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
و «السلطان»... وقد يكون الاستعلاء والاستقدار، إذ اللفظ من التسلط.
{وربك على كل شيء حفيظ} يحقق ذلك أي الله تعالى قادر على منع إبليس عنهم عالم بما سيقع، فالحفظ يدخل في مفهومه العلم والقدرة، إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه ولا العاجز.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
{وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ}: ومع حفظه ضَلّ من ضَلّ من اتباع إبليس، وبحفظه وكلاءته سَلِم مَنْ سلم من المؤمنين أتباع الرسل...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان ذلك ربما أوهم أن لإبليس أمراً بنفسه، نفاه بقوله: {وما} أي والحال أنه ما {كان} أصلاً {له عليهم} أي الذين اتبعوه ولا غيرهم، وأعرق فيما هو الحق من النفي بقوله: {من سلطان}... قال القشيري: هو مسلط.
{ممن هو منها في شك} فهو لا يتجدد له بها إيمان أصلاً، لأن الشك ظرف له محيط به...
ولما كان هذا ربما أوقع في وهم نقصاً في العلم أو في القدرة، قال مشيراً إلى أنه سبحانه يسره صلى الله عليه وسلم بتكثير هذا الفريق المخلص وجعل أكثره من أمته فقال: {وربك} أي المحسن إليك بإخزاء الشيطان بنبوتك وإخسائه عن أمتك {على كل شيء} من المكلفين وغيرهم {حفيظ}... فلا يفعل الشيطان ولا غيره شيئاً إلا بعلمه وإذنه.
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :
{إِلاَّ لِنَعْلَمَ...}...كان الظاهر إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن لا يؤمن بها وعدل عنه إلى ما فيه «النظم الجليل» لنكتة وهي أنه قوبل الإيمان بالشك ليؤذن بأن أدنى مراتب الكفر مهلكة، وأورد المضارع في الجملة الأولى إشارة إلى أن المعتبر في الإيمان الخاتمة ولأنه يحصل بنظر تدريجي متجدد، وأتى بالثانية اسمية إشارة إلى أن المعتبر الدوام والثبات على الشك إلى الموت، ونون شكا للتقليل، وأتى بفي إشارة إلى أن قليله كأنه محيط بصاحبه، وعداه بمن دون في وقدمه؛ لأنه إنما يضر الشك الناشئ منها وأنه يكفي شك ما فيما يتعلق بها...
{وَرَبُّكَ عَلَى كُلّ شيء حَفُيظٌ} أي وكيل قائم على أحواله وشؤونه، وهو إما مبالغة في حافظ وإما بمعنى محافظ.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
وفعل {كان} في النفي مع {مِن} التي تفيد الاستغراق في النفي يفيد انتفاء السلطان، أي المِلك والتصريف للشيطان، أي ليست له قدرة ذاتية هو مستقل بها يتصرف بها في العالم كيف يشاء لأن تلك القدرة خاصة بالله تعالى.
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.