{ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ } أخرج الواحدي عن محمد بن كعب قال : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم / إلى المدينة ، وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أحد ، قال ناس من أصحابه : من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله تعالى النصر ؟ فأنزل الله تعالى الآية ، و { وَعْدَهُ } مفعول ثان لصدق صريحاً فإنه يتعدى إلى مفعولين في مثل هذا النحو ، وقد يتعدى إلى الثاني بحرف الجر ، فيقال : صدقت زيداً في الحديث ، ومن هنا جوز بعضهم أن يكون نصباً بنزع الخافض ؛ والمراد بهذا الوعد ما وعدهم سبحانه من النصر بقوله عز اسمه : { إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } [ آل عمران : 125 ] الخ وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم حيث قال للرماة : «لا تبرحوا مكانكم فلن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم2 .
وفي رواية أخرى : «لا تبرحوا عن هذا المكان فإنا لا نزال غالبين ما دمتم في هذا المكان » وأيد الأول بما أخرجه البيهقي في «الدلائل » عن عروة قال : كان الله تعالى وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين وكان قد فعل فلما عصوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركوا مصافهم وتركت الرماة عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم أن لا يبرحوا منازلهم وأرادوا الدنيا رفع الله تعالى مدد الملائكة ، واختار مولانا شيخ الإسلام الثاني ، وقد تقدم لك ما ينفعك هنا . والقول بأن المراد ما وعده جل شأنه بقوله سبحانه : { سَنُلْقِى في قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب } [ آل عمران : 151 ] ليس بشيء كما لا يخفى ، وأخرج الإمام أحمد وجماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : ما نصر الله تعالى نبيه في موطن كما نصره يوم أحد فأنكروا ذلك ، فقال ابن عباس : بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله تعالى إن الله تعالى يقول يوم أحد : { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ } أي تقتلونهم وهو التفسير المأثور ، واستشهد عليه الحبر بقول عتبة الليثي :
( نحسهم ) بالبيض حتى كأننا *** نفلق منهم بالجماجم حنظلا
ومنا الذي لاقى بسيف محمد *** ( فحس ) به الأعداء عرض العساكر
وأصل معنى حسه أصاب حاسته بآفة فأبطلها مثل كبده ولذا عبر به عن القتل ، ومنه جراد محسوس وهو الذي قتله البرد ، وقيل : هو الذي مسته النار ، وكثيراً ما يستعمل الحس بالقتل على سبيل الاستئصال ، والظرف متعلق بصدقكم وجوز أبو البقاء أن يكون ظرفاً للوعد { بِإِذْنِهِ } أي بتيسيره وتوفيقه ، والتقييد به لتحقيق أن قتلهم بما وعدهم الله تعالى من النصر .
{ حتى إِذَا فَشِلْتُمْ } أي فزعتم وجبنتم عن عدوكم . { وتنازعتم * في الأمر } أي أمر الحرب أو أمره صلى الله عليه وسلم لكم في سدّ ذلك الثغر على ما تقدم تفسيره { وَعَصَيْتُمْ } إذ لم تثبتوا هناك وملتم إلى الغنيمة { مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } من انهزام المشركين وغلبتكم عليهم .
قال مجاهد : نصر الله تعالى المؤمنين على المشركين حتى ركب نساء المشركين على كل صعب وزلول ثم أديل عليهم المشركون بمعصيتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ، وروي أن خالد بن الوليد أقبل بخيل المشركين ومعه عكرمة بن أبي جهل ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الزبير رضي الله تعالى عنه أن احمل عليه فحمل عليه فهزمه ومن معه فلما رأى الرماة ذلك انكفأوا إلا قليلاً ودخلوا العسكر وخالفوا الأمر وأخلوا الخلة التي كانوا فيها فدخلت خيول المشركين من ذلك الموضع على الصحابة رضي الله تعالى عنهم فضرب بعضهم بعضاً والتبسوا وقتل من المسلمين أناس كثير بسبب ذلك .
{ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا } وهم الرماة الذين طمعوا في النهب وفارقوا المركز له { وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الاخرة } كعبد الله بن جبير أمير الرماة ومن ثبت معه ممتثلاً أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استشهد { ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } أي كفكم عنهم حتى تحولت الحال من الغلبة إلى ضدها { لِيَبْتَلِيَكُمْ } أي ليعاملكم معاملة من يمتحن ليبين أمركم وثباتكم على الإيمان ففي الكلام استعارة تمثيلية ، وإلا فالامتحان محال على الله تعالى ، وفي حتى هنا قولان ، أحدهما : أنها حرف جر بمنزلة إلى ومتعلقها { تَحُسُّونَهُمْ } أو { صَدَقَكُمُ } أو محذوف تقديره دام لكم ذلك ، وثانيهما : أنها حرف ابتداء دخلت على الجملة الشرطية من إذا وما بعدها وجواب { إِذَا } قيل : { تَنَازَعْتُمْ } ، والواو زائدة واختاره الفراء ، وقيل : { صَرَفَكُمْ } و { ثُمَّ } زائدة وهو ضعيف جداً والصحيح أنه محذوف وعليه البصريون ، وقدره أبو البقاء : بأن أمركم ، وأبو حيان : انقسمتم إلى قسمين بدليل ما بعده ، والزمخشري : منعكم نصره ، وابن عطية : انهزمتم ولكل وجهة ، وبعض المتأخرين امتحنكم ، وردّ بجعل الابتداء غاية للصرف المترتب على منع النصر ، وعلى كل تقدير يكون { صَرَفَكُمْ } معطوفاً على ذلك المحذوف ، وقيل : إن { إِذَا } اسم كما في قولهم : إذا يقوم زيد إذا يقوم عمرو ؛ و { حتى } حرف جر بمعنى إلى متعلقة ب { صَدَقَكُمُ } باعتبار تضمنه معنى النصر كأنه قيل : لقد نصركم الله تعالى إلى وقت فشلكم وتنازعكم الخ ، و { ثُمَّ صَرَفَكُمْ } حينئذ عطف على ذلك ، وهاتان الجملتان الظرفيتان اعتراض بين المتعاطفين .
{ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } بمحض التفضل أو لما علم من عظيم ندمكم على المخالفة ، وقيل : والمراد بذلك العفو عن الذنب وهو عام لسائر المنصرفين . ويؤيد ذلك ما أخرجه البخاري عن عثمان بن موهب قال : جاء رجل إلى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال : إني سائلك عن شيء فحدثني به ، أنشدك بحرمة هذا البيت أتعلم أن عثمان بن عفان فرّ يوم أحد ؟ قال : نعم قال : فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها ؟ قال : نعم ، قال : فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها ؟ قال : نعم فكبر فقال ابن عمر : تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه ، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله تعالى عفا عنه ، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه .
وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه فبعث عثمان فكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى وضرب بها على يده فقال : هذه يد عثمان اذهب بها الآن معك ، وقال البلخي : إنه عفو عن الاستئصال ، وروي ذلك عن ابن جريج ، وزعم أبو علي الجبائي أنه خاص بمن لم يعص الله تعالى بانصرافه والكل خلاف الظاهر . وقد يقال : الداعي لقول البلخي : إن العفو عن الذنب سيأتي ما يدل عليه بأصرح وجه ، والتأسيس خير من التأكيد ، وكلام ابن عمر رضي الله تعالى عنه ليس فيه أكثر من أن تعالى عفا عن ذنب الفارّين وهو صريح الآية الآتية ، وأما أنه يفهم منه ولو بالإشعار أن المراد من العفو هنا العفو عن الذنب فلا أظن منصفاً يدعيه .
{ والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين } تذييل مقرر لمضمون ما قبله وفيه إيذان بأن ذلك العفو ولو كان بعد التوبة بطريق التفضل لا الوجوب أي شأنه أن يتفضل عليهم بالعفو أو في جميع الأحوال أديل لهم أو أديل عليهم إذ الابتلاء أيضاً رحمة ، والتنوين للتفخيم ، والمراد بالمؤمنين إما المخاطبون ، والإظهار في مقام الإضمار للتشريف والإشعار بعلة الحكم ، وإما الجنس ويدخلون فيه دخولاً أولياً ولعل التعميم هنا وفيما قبله أولى من التخصيص ، وتخصيص الفضل بالعفو أولى من تخصيصه بعدم الاستئصال كما زعمه البعض .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ } المشروط بالصبر والتقوى { إِذْ تَحُسُّونَهُمْ } أي تقتلون جنود الصفات البشرية قتلاً ذريعاً { بِإِذْنِهِ } وأمره لا على وفق الطبع { حتى إِذَا فَشِلْتُمْ } جبنتم عند تجلي الجلال { وتنازعتم في الأمر } وخالفتم في أمر الطلب { وَعَصَيْتُمْ } المرشد المربي { مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } من الفوز بأنوار الحضرة { مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا } لقصور همته وضعف رأيه { وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخرة } لطول باعه وقوة عقله { ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } أي عن أعداء نفوسكم وجنودها { لِيَبْتَلِيَكُمْ } أي يمتحنكم بالستر بعد التجلي بأنوار المشاهدات والصحو بعد السكر بأقداح الواردات والفطام بعد إرضاع ألبان الملاطفات كما يقتضي ذلك الجلال { وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } بعد ذلك فانقطعتم إليه كما هو مقتضى الجمال { والله ذُو فَضْلٍ { عَلَى المؤمنين } [ آل عمران : 152 ] ، في طوري التقريب والإبعاد ، وما ألطف قول من قال :
{ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ }
أي : { ولقد صدقكم الله وعده } بالنصر ، فنصركم عليهم ، حتى ولوكم أكتافهم ، وطفقتم فيهم قتلا ، حتى صرتم سببا لأنفسكم ، وعونا لأعدائكم عليكم ، فلما حصل منكم الفشل وهو الضعف والخور { وتنازعتم في الأمر } الذي فيه ترك أمر الله بالائتلاف وعدم الاختلاف ، فاختلفتم ، فمن قائل نقيم في مركزنا الذي جعلنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن قائل : ما مقامنا فيه وقد انهزم العدو ، ولم يبق محذور ، فعصيتم الرسول ، وتركتم أمره من بعد ما أراكم الله ما تحبون وهو انخذال أعدائكم ؛ لأن الواجب على من أنعم الله عليه بما أحب ، أعظم من غيره .
فالواجب في هذه الحال خصوصًا ، وفي غيرها عموما ، امتثال أمر الله ورسوله .
{ منكم من يريد الدنيا } وهم الذين أوجب لهم ذلك ما أوجب ، { ومنكم من يريد الآخرة } وهم الذين لزموا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبتوا حيث أمروا .
{ ثم صرفكم عنهم } أي : بعدما وجدت هذه الأمور منكم ، صرف الله وجوهكم عنهم ، فصار الوجه لعدوكم ، ابتلاء من الله لكم وامتحانا ، ليتبين المؤمن من الكافر ، والطائع من العاصي ، وليكفر الله عنكم بهذه المصيبة ما صدر منكم ، فلهذا قال : { ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين } أي : ذو فضل عظيم عليهم ، حيث منَّ عليهم بالإسلام ، وهداهم لشرائعه ، وعفا عنهم سيئاتهم ، وأثابهم على مصيباتهم .
ومن فضله على المؤمنين أنه لا يقدر عليهم خيرا ولا مصيبة ، إلا كان خيرا لهم . إن أصابتهم سراء فشكروا جازاهم جزاء الشاكرين ، وإن أصابتهم ضراء فصبروا ، جازاهم جزاء الصابرين .
قوله تعالى : { ولقد صدقكم الله وعده } . قال محمد بن كعب القرظي : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة من أحد ، قد أصابهم ما أصابهم ، قال ناس من أصحابه : من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر ؟ فأنزل الله تعالى ( ولقد صدقكم الله وعده ) . بالنصر والظفر ، وذلك أن الظفر كان للمسلمين في الابتداء .
قوله تعالى : { إذ تحسونهم بإذنه } . وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أحداً خلف ظهره واستقبل المدينة وجعل عينين ، وهو جبل عن يساره ، وأقام عليه الرماة ، وأمر عليهم عبد الله بن جبير ، وقال لهم " احموا ظهورنا ، فإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا ، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا " . وأقبل المشركون ، فأخذوا في القتال فجعل الرماة يرشقون خيل المشركين بالنبل ، والمسلمون يضربونهم بالسيوف ، حتى ولوا هاربين فذلك قوله تعالى ( إذ تحسونهم بإذنه ) أي تقتلونهم قتلاً ذريعاً بقضاء الله . قال أبو عبيدة : الحس : الاستئصال بالقتل .
قوله تعالى : { حتى إذا فشلتم } . أي إن جبنتم ، وقيل : معناه فلما فشلتم .
قوله تعالى : { وتنازعتم في الأمر وعصيتم } . فالواو زائدة في وتنازعتم ، يعني إذا فشلتم تنازعتم ، وقيل : فيه تقديم وتأخير ، تقديره حتى إذا تنازعتم في الأمر وعصيتم فشلتم ، ومعنى التنازع الاختلاف ، وكان اختلافهم أن الرماة اختلفوا حين انهزم المشركون ، فقال بعضهم : انهزم القوم فما مقامنا ؟ وأقبلوا على الغنيمة ، وقال بعضهم : لا تجاوزوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وثبت عبد الله بن جبير في نفر يسير دون العشرة . فلما رأى خالد بن الوليد ، وعكرمة بن أبي جهل ذلك ، حملوا على الرماة فقتلوا عبد الله بن جبير وأصحابه ، وأقبلوا على المسلمين ، وحالت الريح فصارت دبوراً بعد ما كانت صباً ، وانقضت صفوف المسلمين ، واختلطوا فجعلوا يقتلون على غير شعار يضرب بعضهم بعضاً ما يشعرون من الدهش ، ونادى إبليس : أن محمداً قد قتل ، فكان ذلك سبب الهزيمة للمسلمين . قوله تعالى ( وعصيتم ) يعني الرسول صلى الله عليه وسلم وخالفتم أمره .
قوله تعالى : { من بعد ما أراكم } . الله .
قوله تعالى : { ما تحبون } . يا معشر المسلمين من الظفر والغنيمة .
قوله تعالى : { منكم من يريد الدنيا } . يعني الذين تركوا المركز وأقبلوا على النهب .
قوله تعالى : { ومنكم من يريد الآخرة } . يعني : الذين ثبتوا مع عبد الله بن جبير حتى قتلوا ، قال عبد الله بن مسعود : ما شعرت أن أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى كان يوم أحد ، ونزلت هذه الآية .
قوله تعالى : { ثم صرفكم عنهم } . أي ردكم عنهم بالهزيمة .
قوله تعالى : { ليبتليكم } . ليمتحنكم ، وقيل : لينزل البلاء عليكم .
قوله تعالى : { ولقد عفا عنكم } . فلم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة منكم لأمر نبيكم .