نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِيَبۡتَلِيَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (152)

ولما كانت السين في { سنلقي } مفهمة للاستقبال كان ذلك ربما أوهم أنه لم يرغبهم فيما مضى ، فنفى هذا الوهم محققاً لهم ذلك بتذكيرهم بما أنجز لهم من وعده في أول هذه الوقعة{[19419]} مدة تلبسهم بما شرط عليهم من الصبر والتقوى بقوله تعالى - عطفاً على قوله :{ بلى إن تصبروا وتتقوا }[ آل عمران : 125 ] ، مصرحاً بما لوح إليه تقديراً قبل{ ولقد نصركم الله ببدر }[ آل عمران : 123 ] كما مضى - : { ولقد صدقكم الله وعده } أي{[19420]} في قوله{ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم }[ آل عمران : 120 ] { إذ تحسونهم } أي تقتلونهم بعضهم بالفعل والباقين بالقوة التي هيأها لكم { بإذنه } فإن الحسن بالفتح{[19421]} : القتل والاستئصال - قاله في القاموس . ثم بين لهم سبب هزيمتهم بعد تمكينه منهم ليكون{[19422]} رادعاً لهم عن المعاودة إلى مثله فقال مبيناً لغاية الحس : { حتى إذا فشلتم } أي ضعفتم وتراخيتم بالميل إلى الغنيمة خلاف ما تدعو إليه الهمم العوالي ، فكيف{[19423]} بهم إذا كانوا من حزب مولى الموالي ! فلو كانت العرب على حال جاهليتها تتفاخر بالإقبال على الطعن والضرب في مواطن الحرب والإعراض عن الغنائم{[19424]} - كما قال عنترة بن شداد العبسي يفتخر :

هلا سألت الخيل{[19425]} يا ابنة مالك{[19426]} *** إن كنت جاهلة بما لم تعلمي

إذ لا أزال على رحالة{[19427]} سابح *** نهد تعاوره{[19428]} الكماة مكلم{[19429]}

طوراً يعرض للطعان وتارة *** يأوي إلى حصد القسي عرمرم

يخبرك من شهد الوقيعة أنني *** أغشى{[19430]} الوغى وأعفّ عند المغنم

وقال يفاخر{[19431]} بقومه كلهم :{[19432]}إنا إذا حمس{[19433]} الوغى نروي القنا *** ونعف{[19434]} عند مقاسم الأنفال

ولما ذكر الفشل عطف عليه ما هو سببه في الغالب فقال : { وتنازعتم } أي بالاختلاف ، وأصله من نزع بعض{[19435]} شيئاً من يد بعض { في الأمر } أي أمر الثغر المأمور بحفظه { وعصيتم } أي وقع العصيان بينكم بتضييع الثغر . وأثبت الجار تصويراً للمخالفة بأنها كانت عقب رؤية النصر سواء ، وتبشيراً{[19436]} بزوالها{[19437]} فقال : { من بعد ما أراكم ما تحبون } أي من حسهم بالسيوف وهزيمتهم .

ولما كان ذلك ربما أفهم أن الجميع عصوا نفي ذلك معللاً للعصيان بقوله : { منكم من يريد الدنيا } أي قد أغضى{[19438]} عن معايبها{[19439]} التي أجلاها{[19440]} فناؤها . ولما كان حكم الباقين غير معين للفهم{[19441]} من هذه الجملة قال : { ومنكم من يريد الآخرة } وهم الثابتون{[19442]} في مراكزهم ، لم يعرجوا على الدنيا .

ولما كان التقدير جواباً لإذا : سلطهم عليكم ، عطف عليه قوله : { ثم صرفكم عنهم } أي لاندهاشكم{[19443]} إتيانهم إليكم من ورائكم{[19444]} ، وعطفه بثم لاستبعادهم للهزيمة بعد ما رأوا{[19445]} من النصرة { ليبتليكم } أي يفعل في ذلك فعل من{[19446]} يريد الاختبار في ثباتكم على الدين في حالي السراء والضراء . ولما كان اختباره تعالى بعصيانهم{[19447]} شديد الإزعاج للقلوب عطف على قوله { صرفكم } { ولقد عفا عنكم } أي تفضلاً عليكم لإيمانكم { والله } الذي له الكمال كله { ذو فضل على المؤمنين * } أي كافة ، وهو من الإظهار في موضع الإضمار للتعميم{[19448]} وتعليق الحكم بالوصف .


[19419]:في مد: الواقعة.
[19420]:سقط من مد.
[19421]:زيدت الواو بعده في الأصل وظ، ولم تكن في مد فحذفناها.
[19422]:من ظ ومد، وفي الًأصل: ليكونوا.
[19423]:من ظ ومد، وفي الًأصل: فيكف.
[19424]:من مد وديوانه، وفي الأصل وظ: بنت مالك.
[19425]:من مد وديوانه، وفي الأصل وظ: إذا.
[19426]:من مد وديوانه، وفي الأصل وظ: بنت.
[19427]:في ظ: راحاله ـ كذا.
[19428]:في ظ: يعاوره.
[19429]:من ظ ومد وديوانه، وفي الأًصل: تتكلم.
[19430]:من مد وديوانه، وفي الأصل: أغثى، وفي ظ: أعنى ـ كذا.
[19431]:في ظ: تفاخر.
[19432]:في ظ: إلا.
[19433]:في الأصول: خمس.
[19434]:من مد، وفي الأصل وظ: نغمر.
[19435]:سقط من ظ.
[19436]:من مد، وفي الأصل وظ: تيسيرا.
[19437]:في ظ: بزولها.
[19438]:في ظ: أعصى.
[19439]:من ظ ومد، وفي الًأصل: معاينها ـ كذا.
[19440]:زيد بعده في ظ: عضوا نفى ذلك معللا للعصيان بقوله.
[19441]:من مد، وفي الأصل وظ: الفهم,
[19442]:من ظ ومد، وفي الًأصل: التايبون.
[19443]:من مد، ولعله مطاوعة: أدهش، وفي الأصل: لاندهالكم، وفي ظ: لاندهامكم.
[19444]:زيد من مد.
[19445]:في ظ: أراد.
[19446]:من مد، وفي الأصل وظ: ما.
[19447]:من ظ ومد، وفي الأصل: بعصيانكم..
[19448]:في ظ: للتعظيم.