روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلِيّٞ مِّنَ ٱلذُّلِّۖ وَكَبِّرۡهُ تَكۡبِيرَۢا} (111)

{ وَقُلِ الحمد لِلَّهِ الذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا } رد على اليهود والنصارى وبني مليح حيث قالوا : عزير ابن الله والمسيح ابن الله تعالى والملائكة بنات الله سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً ، ونفى اتخاذ الولد ظاهر في نفي التبني ويعلم منه نفي أن يكون له سبحانه ولداً لصلب من باب أولى ، وقد نفى ذلك صريحاً في قوله تعالى { لَمْ يَلِدْ } [ الإخلاص : 3 ] { وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى الملك } ظاهره أنه رد على الثنوية وهم المشركون في الربوبية ، ويجوز أن يكون كناية عن نفي الشركة في الألوهية فيكون رداً على الوثنية { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ الذل } أي ناصر ومانع له سبحانه من الذل لاعتزازه تعالى بنفسه فمن صلة لولي وضمن معنى المنع والنصر أو لم يوال تعالى أحداً من أجل مذلة فالولاية بمعنى المحبة على أصلها ومن تعليلية ، وليس المعنى على الوجهين ففي الذل والنص في الأول والموالاة والذل في الثاني على أسلوب لا يهتدي بمناره بل المراد أنه تعلى إذا اتخذ عبداً له ولياً فذلك محض الاصطناع في شأن العبد لا أن هناك حاجة ، وكذلك نصر الله تعالى كمال للناصر لا إن ثمة حاجة ألا ترى إلى قوله سبحانه : { إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ } [ محمد : 7 ] وإلى هذا ذهب «صاحب الكشف » وهو حسن ، وجعل ذلك على الوجهين الفاضل الطيبي من ذاك الأسلوب ، وفي «الحواشي الشهابية » في بيان ثاني الوجهين أن المراد نفى أن يكون له تعالى مولى يلتجىء هو سبحانه إليه ، وأما الولي الذي يوصف به المؤمن فليس الولاية فيه بهذا المعنى بل بمعنى من يتولى أمره لمحبته له تفضلاً منه عز وجل ورحمة فغاير بين الولايتين ، ولعل الحق مع صاحب «الكشف » ، ومن عجيب ما قيل إن { مَّنَ الذل } في موضع الصفة لولي ومن فيه للتبعيض وأن الكلام على حذف مضاف أي لم يكن له ولي من أهل الذل والمراد بهم اليهود والنصارى ، ولعمري أنه لا ينبغي أن يلتفت إليه .

وربما يتوهم أن المقام مقام التنزيه لا مقام الحمد لأنه يكون على الفعل الاختياري وبه وما ذكر من الصفات العدمية ويدفع بأنه لاق وصفه تعالى بما ذكر بكلمة التحميد لأنه يدل على نفي الإمكان المقتضي للاحتياج وإثات أنه تعالى الواجب الوجود لذاته الغني عما سواه المحتاج إليه ما عداه فهو الجواد المعطي لكل قابل ما يستحق فهو تعالى المستحق للحمد دون غيره عز وجل ، وهذا الذي عناه الزمخشري وقال في «الكشف » : لك أن تخذ نفي هذه الصفات وهي ذرائع منع المعروف أما الولد فلأنه مبخلة ، وأما الشريك فلأنه مانع من التصرف كيف يشاء ، وأما الاحتياج إلى من يعتز به أو يذب عنه فاظهر رديفاً لإثبات أضادها على سبيل الكناية وهو وجه حسن ؛ ولو حمل الكلام على ظاهره أيضاً لكان له وجه وذلك لأن قول القائل الحمد لله فيه ما ينبىء أن الإلهية تقتضي الحمد فإذا قلت الحمد لله المنزه عن النقائص مثلاً يكون قد قويت معنى الإلهية المفهومة من اللفظ فيكون وصفاً لائقاً مؤيداً لاستحقاقه تعالى الحمد من غير نظر إلى مدخلية الوصف في الحمد بالاستقلال وهذا بين مكشوف إلا أن الزمخشري حاول أن ينبه على مكان الفائدة الزائدة اه .

وتعقب بأن ما ذكره من أن الحمد لله ما ينبىء أن الإلهية تقتضي الحمد لا يتم على مذهب مانعي الاشتقاق في الاسم الكرمي وفيه تأمل . والآية على ما قال العلامة الطيبي من التقسيم الحاصر لأن المانع من إيتاء النعم إما فوقه سبحانه وتعالى أو دونه أو مثله عز وجل فبنى الكلام على الترقي وبدىء من الأدون وختم بالأعلى فنفى الكل فمنه ولد الكثرة ولد القل والدق والجل تعالى كبرياؤه وعظمت نعماؤه ، ولدلالة ما تقدم على أنه تعالى هو الكامل وما عداه ناقص استحق التكبير أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال ، وفي الأمر بذلك بعدما تقدم مؤكداً بالمصدر المنكر من غير تعيين لما يعظم به تعالى إشارة إلى أنه مما لا تسعه العبارة ولا تفي به القوة البشرية وإن بالغ العبد في التنزيه والتمجيد واجتهد في العبادة والتحميد فلم يبق إلا الوقوف بأقدام المذلة في حضيض القصور والاعتراف بالعجز عن القيام بحقه جل وعلا وإن طالت القصور ، وروى غير واحد أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم الغلام من بني عبد المطلب إذا أفصح الحمد لله إلى آخر الآية سبع مرات وسماها عليه الصلاة والسلام كما أخرج أحمد والطبراني عن معاذ آية العز ، وأخرج أبو يعلى وابن السني عن أبي هريرة قال : خرجت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ويدي في يده فاتي على رجل رث الهيئة فقال : أي فلان ما بلغ بك ما أرى قال : السقم والضر قال صلى الله عليه وسلم ألا أعلمك كلمات تذهب عنك السقم والضر توكلت على الحي الذي لا يموت الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً الآية فاتى عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام وقد حسنت حالته فقال : مهيم . فقال : لم أزل أقول الكلمات التي علمتني .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الفرج والبيهقي في الأسماء والصفات عن إسمعيل بن أبي فديك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما كربني أمر إلا مثل لي جبريل عليه السلام فقال : يا محمد قل : توكلت على الحي الذي لا يموت والحمد لله الذي لم يتخذ ولداً » إلى آخر الآية ، وأخرج ابن السني والديلمي عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لها إذا أخذت مضجعك فقولي : «الحمد لله الكافي سبحان الله الأعلى حسبي الله وكفى ما شاء الله قضى سمع الله لمن دعا ليس من الله ملجأ ولا وراء الله ملتجي توكلت على ربي وربكم ما من دابة إلا هو وآخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقين ، الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً إلى وكبره تكبيراً ثم قال صلى الله عليه وسلم : ما من مسلم يقرأها عند منامه ثم ينام وسط الشياطين والهوام فتضره » هذا وما ألطف المناسبة بين ابتداء هذه السورة ، وهذا الختام وليس ذلك بدعا في كلام اللطيف العلام ( ومن باب الإشارة ) :{ وَقُلِ الحمد لِلَّهِ الذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا } فضلاً عن أن يكون له سبحانه ولد بطريق التولد { وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى الملك } فلا مدخل لغيره تعالى في ملكية شيء على الحقيقة وما يوجد بسبب ليس السبب إلا آلة له ولا تملك الآلة شيئاً بل لا شيء إلا وهو صنعه تعالى على الحقيقة والسرير مثلاً وإن أضيف إلى النجار من حيث الصنعة إلا أنه في الحقيقة آلة كالقدوم ولا يضاف العمل إلى الآلة على الحقيقة كذا قيل ، وللشيخ قدس سره كلام في هذا المقام يفصح عن بعض هذا ذكره في الباب الثامن والتسعين بعد المائة فارجع إليه وتدبر ، وكذا له كلام في قوله سبحانه { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ الذل } لكن يغني عنه ما قدمناه

{ وَكَبّرْهُ تَكْبِيرًا } [ الإسراء : 111 ] قال بعضهم . تكبيره تعالى أن تعلم أنك لا تطيق أن تكبره إلا به ، وقال ابن عطاء تكبيره عز وجل بتعظيم منته وإحسانه في القلب بالعلم بالتقصير في الشكر وكيف يوفي أحد شكره تعالى ونعمه جل وعلا لا تحصى وآلاؤه لا تستقصى ، هذا وقد تم بفضل الله تعالى تفسير هذه السورة الكريمة .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلِيّٞ مِّنَ ٱلذُّلِّۖ وَكَبِّرۡهُ تَكۡبِيرَۢا} (111)

{ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ } له الكمال والثناء والحمد والمجد من جميع الوجوه ، المنزه عن كل آفة ونقص .

{ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ } بل الملك كله لله الواحد القهار ، فالعالم العلوي والسفلي ، كلهم مملوكون لله ، ليس لأحد من الملك شيء .

{ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ } أي : لا يتولى أحدًا من خلقه ليتعزز به ويعاونه ، فإنه الغني الحميد ، الذي لا يحتاج إلى أحد من المخلوقات ، في الأرض ولا في السماوات ، ولكنه يتخذ أولياء إحسانًا منه إليهم ورحمة بهم { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور }

{ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } أي : عظمه وأجله بالإخبار بأوصافه العظيمة ، وبالثناء عليه ، بأسمائه الحسنى ، وبتجميده بأفعاله المقدسة ، وبتعظيمه وإجلاله بعبادته وحده لا شريك له ، وإخلاص الدين كله له .

تم تفسير سورة الإسراء ولله الحمد والمنة والثناء الحسن على يد جامعه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن سعدي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين أمين وصلى الله على محمد وسلم تسليمًا وذلك في 7 جمادى الأولى سنة 1344 .

المجلد الخامس من تيسير الكريم الرحمن من تفسير كلام المنان لجامعه الفقير إلى الله عبد الرحمن بن ناصر السعدي{[480]} .


[480]:كان الشيخ -رحمه الله- قد طلب في 30/2/1374 من الشيخ محمد نصيف -رحمه الله- أن يختار من يتولى طباعة خمسة آلاف نسخة من المجلد الخامس من التفسير، وذكر محب الدين الخطيب والشيخ حامد الفقي -رحمهما الله- فبعث الشيخ محمد نصيف -رحمه الله- بالكتاب إلى الأستاذ: محب الدين الخطيب لطباعته، وطبع بالفعل عام 1375هـ، وقد جعل الشيخ -رحمه الله- لهذا الجزء مقدمة، وأتبعه بخاتمة فيها أصول وكليات من أصول وكليات التفسير، وهذه هي مقدمة الشيخ لهذا الجزء، وأما الخاتمة فقد جعلتها في آخر التفسير، قال -رحمه الله-:(بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، وأصلي وأسلم على محمد وآله وصحبه، أما بعد فلما كان علم التفسير للقرآن أشرف العلوم على الإطلاق وأهمها وأحقها بتحقيق معانيه وفهم مبانيه، لكونه تنزيلا من حكيم حميد أنزله هدى ورحمة للعباد وتبيانا لكل شيء وتفصيلا لكل ما يحتاجونه في دينهم ودنياهم وأخراهم، وكان من خاصة علم القرآن أن فهم بعضه وطائفة منه يعين على فهم جميعه، لأن القرآن من أوله إلى آخره يدور على تقرير الأصول النافعة والحقائق والشرائع الكبار والأحكام الحسنة والعقائد الصحيحة، ويوجه العباد إلى كل خير ويحذرهم من كل شر، ويعيد تقرير هذه الأمور ويبديها بأساليب متنوعة وتصاريف مناسبة في غاية اليسر والسهولة والإحكام والحسن الذي لا مزيد عليه. وقد تكرر عليّ السؤال من كثير من الأصحاب في نشر تفسيرنا هذا جميعه وألحوا لما يرونه من الفائدة الكبيرة، فاعتذرت بأن ذلك يصعب جدا لأنه مبسوط، وأيضا في هذه الأوقات قلت رغبات الناس في الكتب المطولة، لذلك أحببت إجابتهم لنشر بعض ما طلبوا وهو الاقتصار على جزء واحد من أجزاء هذا التفسير، ووقع الاختيار على الجزء الأوسط من سورة الكهف إلى آخر النمل، فما لا يحصل جميعه لا يترك جميعه. وأرجو الله وأسأله أن يجعل ذلك خالصا لوجهه، نافعا لنا ولإخواننا، وأن يمدنا بعونه وعنايته وتوفيقه إنه جواد كريم رءوف رحيم، وأتبعته بكليات وأصول من كليات التفسير لاستدراك ما لعله يفوت القارئ في غير هذا الجزء، فإن الأصول والكليات تبنى عليها الفروع والجزئيات، ويحصل بها من النفع والفائدة على اختصارها ما لا يحصل في الكلام الطويل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلِيّٞ مِّنَ ٱلذُّلِّۖ وَكَبِّرۡهُ تَكۡبِيرَۢا} (111)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:"وَقُل" يا محمد: "الحَمْدُ لِلّهِ الّذِي لَمْ يَتّخذْ وَلَدا "فيكون مربوبا لا ربا، لأن ربّ الأرباب لا ينبغي أن يكون له ولد، "ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ" فيكون عاجزا ذا حاجة إلى معونة غيره ضعيفا، ولا يكون إلها من يكون محتاجا إلى معين على ما حاول، ولم يكن منفردا بالمُلك والسلطان، "وَلمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيّ مِنَ الذُلّ" يقول: ولم يكن له حليف حالفه من الذلّ الذي به، لأن من كان ذا حاجة إلى نصرة غيره، فذليل مهين، ولا يكون من كان ذليلاً مهينا يحتاج إلى ناصر إلها يطاع "وكّبرْهُ تَكْبيرا" يقول: وعظم ربك يا محمد بما أمرناك أن تعظمه به من قول وفعل، وأطعه فيما أمرك ونهاك...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

ذكر في هذه الآية جميع ما تقع به الحاجة إلى التوحيد، لأن ما نفى التوحيد، وأنكره، إنما نفى لأحد الوجوه التي ذكر. منهم من قال له بالولد، وهم اليهود والنصارى، ومنهم من قال له بالشريك، وهم مشركو العرب، ومنهم من قال له بالولي والعون من الذل، وهم الثَّنَوِيَّةُ وغيرهم حين قالوا: أنشأ هذا النور ليستعين على التخلص من وثاق الظلمة، فنزه نفسه، وبرَّأها عن جميع ما قالوا فيه، ونسبوا إليه... الولد في الشاهد إنما يُطلب إما للتلهِّي وإما للاستئناس، والله يتعالى عن أن تقع له الحاجة إلى ذلك، ويتعالى عن أنه يكون له شريك، لأن الشركاء في الشاهد إنما تُتَّخَذُ للمَعُونة والقوة بهم على بعض ومالهم وما هم فيه... والولي من الذل: إنما يتخذ في الشاهد للاستنصار والاستعانة على أعدائه. والله يتعالى عن أن تقع له الحاجة إلى شيء من ذلك... فنفى عنه جميع المعاني الخلق وجميع ما ينسب إليهم، ويضاف، ويصفون به.

{وكبره تكبيرا} أي صفة بما وصفه نفسه، وانْفِ عنه معاني الخلق، فيكون في ذلك تعظيمه وتكبيره. أو اعرفه بما ذكر؛ فإذا عرفته هكذا فقد عظمته و كبرته...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

وليس لاحد أن يقول: كيف يحمد الله على أن لم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، والحمد إنما يستحق على فعل ماله صفة التفضل، وذلك أن الحمد في الآية ليس هو على أن لم يفعل ذلك، وإنما هو حمد على أفعاله المحمودة، ووجه إلى من هذه صفته، لا من أجل أن ذلك صفته... ومعنى "وكبره تكبيرا ": صفه بصفاته التي لا يشركه فيها أحد. وقيل: كبره عن كل ما لا يليق وصفه به...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

احْمَدْه بذكر تقدسه عن الولد، وأنه لا شريك له؛ ولا ولي له من الذل؛ إما على أنه لم يَذلَّ فيحتاج إلى ولي، أو على أنه لم يوالِ أحداً من أجل مذلة به فيدفعها بموالاته. ويقال اشكره على نعمته العظيمة حيث عرَّفك بذلك. ويقال له الأولياءُ ولكن لا يعتريهم بِذُلِّهم، إذ يصيرون بعبادته أَعِزَّةً. {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} بأَنْ تَعْلَمَ أَنَّك تصل إليه به لا بتكبيرك.

...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

فإن قلت: كيف لاق وصفه بنفي الولد والشريك والذل بكلمة التحميد؟ قلت: لأنّ من هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة، فهو الذي يستحق جنس الحمد...

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

... {وكبره تكبيراً} التكبير أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال، وأكد بالمصدر تحقيقاً له وإبلاغاً في معناه، وابتدئت هذه السورة بتنزيه الله تعالى واختتمت به.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما تقدم إحاطة هذين الاسمين، أما الله فبجميع معاني الأسماء الحسنى، وأما الرحمن فبالرحمانية، المأمور بالدعاء بهما كل مخاطب، خصه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالأمر بالتحميد الذي معناه الإحاطة واسمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم مشتق منه لاتصافه به حامداً ومحموداً، وبالتكبير عن كل ما يفهمه العباد من أسمائه الحسنى فقال تعالى: {وقل الحمد} أي الإحاطة بالأوصاف الحسنى {لله} أي الملك الأعظم {الذي لم يتخذ} لكونه محيطاً بالصفات الحسنى {ولداً} فإن ذلك لا يكون إلا للحاجة وبالحاجة وهي من أسوأ الأوصاف {ولم يكن} أي يوجد بوجه من الوجوه {له شريك في الملك} ولا ولد ولا غيره فإن ذلك لا يكون إلا للعجز {ولم يكن له ولي} ناصر أعم من أن يكون ذلك الناصر ولداً أو شريكاً أو غيره: ثم قيده واصفاً بقوله تعالى: {من الذل} إفهاماً بأن له أولياء جاد عليهم بالتقريب وجعلهم أنصاراً لدينه رحمة منه لهم لا احتياجاً منه إليهم {وكبره} عن أن يشاركه أحد في شيء من الأشياء وعن كل ما يفهمه فاهم، ويصفه به واصف... {تكبيراً} عن أن يدرك أحد كنه معرفته أو يجهله أحد من كل وجه، بل احتجب سبحانه بكبريائه وجلاله فلا يعرف، وتجلى بإكرامه وكماله فلا ينكر، فكان صريح اتصافه بالحمد أنه تعالى متصف بجميع صفات الكمال، وصريح وصفه بنفي ما ذكر أنه منزه عن شوائب النقص وأنه أكبر من كل ما يخطر للعباد المطبوعين على النقص المجبولين على غرائز العجز، ولذلك وغيره من المعاني العظمى سمى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه الآية آية العز كما رواه الإمام أحمد عن سهل عن أبيه رضي الله عنهما، وذلك عين ما افتتحت به السورة من التنزيه وزيادة -والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وتختم السورة كما بدأت بحمد الله وتقرير وحدانيته بلا ولد ولا شريك، وتنزيهه عن الحاجة إلى الولي والنصير. وهو العلي الكبير. فيلخص هذا الختام محور السورة الذي دارت عليه، والذي بدأت ثم ختمت به: (وقل: الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك. ولم يكن له ولي من الذل. وكبره تكبيرا)...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

لما كان النهي عن الجهر بالدعاء أو قراءة الصلاة سداً لذريعة زيادة تصميمهم على الكفر أعقب ذلك بأمره بإعلان التوحيد لقطع دابر توهم من توهموا أن الرحمان اسم لمسمى غير مسمى اسم الله، فبعضهم توهمه إلهاً شريكاً، وبعضهم توهمه مُعيناً وناصراً، أمر النبي بأن يقول ما يقلع ذلك كله وأن يعظمه بأنواع من التعظيم.

وجملة {الحمد لله} تقتضي تخصيصه تعالى بالحمد، أي قصر جنس الحمد عليه تعالى لأنه أعظم مستحق لأن يحمد. فالتخصيص ادعائي بادعاء أن دواعي حمد غير الله تعالى في جانب دواعي حمد الله بمنزلة العدم، كما تقدم في سورة الفاتحة.

و (مِن) في قوله: {من الذل} بمعنى لام التعليل.

والذل: العجز والافتقار، وهو ضدّ العز، أي ليس له ناصر من أجل الذل. والمراد: نفي الناصر له على وجه مؤكد، فإن الحاجة إلى الناصر لا تكون إلا من العجز عن الانتصار للنفس. ويجوز تضمين (الولي) معنى (المانع) فتكون (من) لتعدية الاسم المضمن معناه.

ومعنى {كبره} اعتقد أنه كبير، أي عظيم العِظم المعنوي الشامل لوجوب الوجود والغِنى المطلق، وصفات الكمال كلها الكاملة التعلقات، لأن الاتصاف بذلك كله كمال، والاتصاف بأضداد ذلك نقص وصغار معنوي.

وإجراء هذه الصلات الثلاث على اسم الجلالة الذي هو متعلق الحمد لأن في هذه الصلاة إيماء إلى وجه تخصيصه بالحمد. والإتيان بالمفعول المطلق بعد {كَبّره} للتوكيد، ولما في التنوين من التعظيم، ولأنّ من هذه صفاته هو الذي يقدر على إعطاء النعم التي يعجز غيره عن إسدائها.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

... {وكبره تكبيراً}: لأن عظمة الحق سبحانه في نفس المؤمن اكبر من كل شيء، وأكبر من كل كبير؛ لذلك جعلت (الله أكبر) شعار أذانك وصلاتك، فلابد أن تكبر الله، وتجعله أكبر مما دونه من الأغيار، فإن ناداك وأنت في أي عمل فقل: الله أكبر من عملي، وإن ناداك وأنت في حضرة عظيم، فقل: الله أكبر من أي عظيم، كبره تكبيراً بأن تقدم أوامره ونواهيه على كل أمر، وعلى كل نهي...

وبهذه الآية ختمت سورة الإسراء، فجعلنا الحق سبحانه نختمها بما أنعم علينا من هذه النعم الثلاث، وليست هذه هي كل نعم الله علينا، بل لله تعالى علينا نعم لا تعد ولا تحصى، لكن هذه الثلاث هي قمة النعم التي تستوجب أن نحمده عليها. فالحمد لله الذي لم يتخذ ولداً؛ لأنه لم يلد ولم يولد وهو واحد أحد، والحمد لله الذي لم يتخذ شريكاً لأنه واحد، والحمد لله الذي لم يكن له ولي من الذل لأنه القاهر العزيز المعز، ولهذا يجب أن نكبر هذا الإله تكبيراً في كل نعمة نستقبلها منه سبحانه...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} في الوعي الداخلي الذي يدخل دائماً في مقارنة بين عظمة الله وبين الآخرين، ليشعر بأن الله أكبر من كل شيء، وأقوى من كل وجود، لأنه هو الذي يعطي الأشياء حجمها وقوتها، وهو المهيمن على ذلك كله. وكلما عظم الله في النفس، صغر الآخرون في الذهن، فينعكس ذلك على الفكر والحركة والعمل...