{ إِذْ يُغَشّيكُمُ النعاس } أي يجعله غاشياً عليكم ومحيطاً بكم . والنعاس أول النوم قبل أن يثقل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أن النعاس في الرأس والنوم في القلب ولعل مراده الثقل والخفة وإلا فلا معنى له ، والفعل نعس كمنع والوصف ناعس ونعسان قليل . و { إِذْ يُغَشّيكُمُ } بدل ثان من { إِذْ * يَعِدُكُمُ } [ الأنفال : 7 ] على القول بجواز تعدد البدل ، وفيه إظهار نعمة أخرى فإن الخوف أطار كراهم من أوكاره فلما طامن الله تعالى قلوبهم رفرف بجناحه عليها فنعسوا ، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية أو هو منصوب باذكروا .
وجوز تعلقه بالنصر ، وضعف بأن فيه إعمال المصدر المعرف بأل وفيه خلاف الكوفيين ، والفصل بين المصدر ومعموله ، وعمل ما قبل إلا فيما بعدها من غير أن يكون ذلك المعمول مستثنى أو مستثنى منه أو صفة له ، والجمهور لا يجوزون ذلك خلافاً للكسائي والأخفش ، وتعلقه بما في عند الله من معنى الفعل وقل عليه : إذ يلزم تقييد استقرار النصر من الله تعالى بهذا الوقت ولا تقييد له به ، وأجاب الحلبي بأن المراد به نصر خاص فلا محذور في تقييده وبالجعل ، وفيه الفصل وعمل ما قبل إلا فيما ليس أحد الثلاثة وبما دل عليه { عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ الأنفال : 10 ] وفيه لزوم التقييد ولا تقييد ، وأجيب بما أجيب ، والأنصاف بعد الاحتمالات الأربع . وقرأ نافع { يُغَشّيكُمُ } بالتخفيف من الإغشاء بمعنى التغشية والفاعل في القراءتين هو الله تعالى .
وقرأ ابن كثير . وأبو عمرو { *يغشاكم } على إسناد الفعل إلى النعاس . وقوله سبحانه وتعالى : { النعاس أَمَنَةً مّنْهُ } نصب على أنه مفعول له وهو مصدر بمعنى الأمن كالمنعة وإن كان قد يكون جمعاً وصفة بمعنى آمنين كما ذكره الراغب ، واستشكل بأن شرط النصب الذي هو اتحاد فاعله وفاعل الفعل العامل فيه مفقود إذ فاعله هم الصحابة الآمنون رضي الله تعالى عنهم وفاعل الآخر هو الله على القراءتين الأوليين والنعاس على الأخرى .
وأجيب بأنه مفعول له باعتبار المعنى الكنائي فإن يغشاكم النعاس يلزمه تنعسون ويغشيكم بمعناه فيتحد الفاعلان إذ فاعل كل حينئذٍ الصحابة ، وقال بعض المدققين : إنه على القراءتين الأوليين يجوز أن يكون منصوباً على العلية لفعل مترتب على الفعل المذكور أي يغشيكم النعاس فتنعسون أمناً أو على أنه مصدر لفعل آخر كذلك أي فتأمنون أمناً ، وعلى القراءة الأخيرة منصوب على العلية بيغشاكم باعتبار المعنى فإنه في حكم تنعسون أو على أنه مصدر لفعل مترتب عليه كما علمت ، وما تقدم أقل انتشاراً .
وجوز أن يراد بالأمنة الإيمان بمعناه اللغوي وهو جعل الغير آمناً فيكون مصدر آمنه ، وهو على بعده إنما يتمشى في القراءتين الأوليين لأن فاعل التغشية والأمان هو الله تعالى ، وأما على القراءة الأخرى فلا ويحتاج إلى ما مر ، ومن الناس من جوز فيها أن يجعل الأمن فعل النعاس على الإسناد المجازي لكونه من ملابسات أصحاب الأمن ، والإسناد في ذلك مقدر وليس المراد به النسبة التي بين الفعل والمفعول له أي يغشاكم النعاس لأمنه ، أو على تشبيه حاله بحال إنسان شأنه الأمن والخوف وأنه حصل له من الله تعالى الأمان من الكفار في مثل ذلك الوقت المخوف فلذلك غشاكم وأنامكم فيكون الكلام تمثيلاً وتخييلاً للمقصود بإبراز المعقول في صورة المحسوس .
والقطب جعل في الكلام استعارة بالكناية حيث ذكر أنه شبه النعاس بشخص من شأنه أن يأتيهم لكنه لا يأتيهم في وقت الخوف وإذا من أتاهم ، ثم ذكر النعاس وأراد ذلك الشخص ، والقرينة ذكر الأمنة لأنها من لوازم المشبه به ، وقد وصف الزمخشري النوم بنحو ذلك في قوله :
يهاب النوم أن يغشى عيونا *** تهابك فهو نفار شرود
وما يقال : إن مثل هذا إنما يليق بالشعر لا بالقرآن الكريم فغير مسلم ، وذكر ابن المنير في توجيه اتحاد الفاعل على القراءتين أن لقائل أن يقول : فاعل تغشية النعاس إياهم هو الله تعالى وهو فاعل الأمنة أيضاً لأنه خالقها فحينئذٍ يتحد فاعل الفعل والعلة فيرتفع السؤال ويزول الإشكال على قواعد أهل السنة التي تقتض نسبة أفعال الخلق إلى الله تعالى على أنه خالقها ومبدعها وتعقبه بأن للمورد أن يقول : المعتبر الفاعل اللغوي وهو المتصف بالفعل وهو هنا ليس إلا العبد إذ لا يقال لله سبحانه وتعالى آمن وإن كان هو الخالق وحينئذٍ يحتاج إلى الجواب بما سلف والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لأمنة ، أي أمنة كائنة منه تعالى لكم ، ولعل مغايرة ما هنا لما في سورة آل عمران لاختلاف المقام فقد قالوا : إن ذلك المقام اقتضى الاهتمام بشأن الأمن ولذلك قدمه سبحانه وتعالى وبسط الكلام فيه كما لا يخفى على من تأمل في السياق والسباق بخلافه هنا لأنه في مقام تعداد النعم فلذا جىء بالقصة مختصرة للرمز وقرىء { ءامِنَةً } بالسكون وهو لغة فيه .
{ وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء } عطف على { يُغَشّيكُمُ } وكان هذا قبل النعاس كما روي عن مجاهد وتقديم الجار والمجرور على المفعول به للاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر كما مر غير مرة ، وتقديم عليكم لما أن بيان كون التنزيل عليهم أهم من بيان كونه من السماء : وقرأ ابن كثير . وسهل . ويعقوب . وأبو عمر { وَيُنَزّلُ } بالتخفيف من الإنزال وقرأ الشعبي ما { لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } أي من الحدث الأصغر والأكبر ووجهها كما قال ابن جني أن { مَا } موصولة واللام متعلقة بمحذوف وقع صلة لها أي وينزل عليكم الذي ثبت لتطهيركم ، ونظير هذه اللام اللام في قولك : أعطيت الثوب الذي لدفع البرد وهي في قراءة الجماعة نظير اللام في قولك : زرتك لتكرمني ومرجع القراءتين واحد والمشهورة أفصح بالمراد وانظر لم لا يجوز أن تخرج هذه القراءة على ما سمع من قولهم اسقني ما بالقصر ، وقد حكي ذلك في «القاموس » وأرى أن العدول عن ذلك إن جاز كالتيمم مع وجود الماء .
{ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان } أي وسوسته وتخويفه إياكم من العطش . أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ من طريق ابن جريج عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المشركين غلبوا المسلمين في أول أمرهم على الماء فظمىء المسلمون وصلوا مجنبين محدثين وكانت بينهم رمال فألقى الشيطان في قلوبهم الحزن وقال : أتزعمون أن فيكم نبياً وأنكم أولياء الله تعالى وتصلون مجنبين محدثين ؟ فأنزل الله تعالى من السماء ماء فسال عليهم الوادي فشربوا وتطهروا وثبتت أقدامهم وذهبت وسوسة الشيطان ، وفسر بعضهم الرجز هنا بالجنابة مع اعتبار كون التطهير منها واعترض بلزوم التكرار ودفع بأن الجملة الثانية تعليل للأولى والمعنى طهركم من الجنابة لأنها كانت من رجز الشيطان وتخييله . وقرىء { رِجْسٌ } وهو بمعنى الرجز { وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ } أي يقويها بالثقة بلطف الله تعالى فيما بعد بمشاهدة طلائعه ، وأصل الربط الشد ويقال لمن صبر على الشيء : ربط نفسه عليه .
قال الواحدي : ويشبه أن تكون { على } صلة أي وليربط قلوبكم . وقيل الأصل ذلك إلا أنه أتى بعلى قصداً للاستعلاء . وفيه إيماء إلى أن قلوبهم قد امتلأت من ذلك حتى كأنه علا عليها ، وفي ذلك إن إفادة التمكن ما لا يخفى { وَيُثَبّتَ بِهِ الاقدام } ولا تسوخ في الرمل فالضمير للماء كالأول .
/ وجوز أن يكون للربط ، والمراد بتثبيت الأقدام كما قال أبو عبيدة جعلهم صابرين غير فارين ولا متزلزلين .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ إِذْ يُغَشّيكُمُ النعاس } وهو هدو القوى البدنية والصفات النفسانية بنزول السكينة { أَمَنَةً مّنْهُ } أي أمنا من عنده سبحانه وتعالى { وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء } أي سماء الروح { مَاء } وهو ماء علم اليقين { لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } عن حدث هواجش الوهم وجنابة حديث النفس { وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان } وسوسته وتخويفه { وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ } أي يقويها بقوة اليقين ويسكن جأشكم { وَيُثَبّتَ بِهِ الاقدام } [ الأنفال : 11 ] إذ الشجاعة وثبات الأقدام في المخاوف من ثمرات قوة اليقين
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك بعض المنن الأخرى التي منحها للمؤمنين قبل أن يلتحموا مع أعدائهم في بدر فقال : { إِذْ يُغَشِّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقدام } .
وقوله : { يُغَشِّيكُمُ } بتشديد الشين من التغشية بمعنى التغطية عن غشاه تغشية أى : غطاه .
والنعاس : أول الوم قبل أن يثقل . وفعله - على الراجح - على وزن منع .
والأمنة : مصدر بمعنى الأمن . وهو طمأنينة القلب وزوال الخوف ، يقال : أمنت من كذا أمنة وأمنا وأمانا بمعنى .
قال الجمل : في قوله : { إذ يغشاكم النعاس } ثلاثة قراءات سبعية .
الأولى : يغشاكم كيلقاكم ، من غشية إذا أتاه وأصابه وفى المصباح : غشيته أغشاه من باب تعب بمعنى أتيته - وهى قراءة أبى عمرو وابن كثير .
الثانية : يُغْشِيكم - بإسكان الغيب وكسر الشين - من أغشاه . أي أنزله بكم وأوقعه عليكم - وهو قراءة نافع - .
الثالثة : يغشيكم - بتشديد الشين وفتح الغين وهى قراءة الباقين - من غشاه تغشية بمعنى غطاه .
أى : يغشيكم الله النعاس أي يجعله عليكم كالغطاء من حيث اشتماله عليكم .
والنعاس على القراءة الأولى مرفوع على الفاعلية ، وعلى الأخيرتين منصوب على المفعولية . وقوله : " أمنة " حال أو مفعول لأجله .
وقال القرطبى : وكان هذا النعاس في الليلة التي كان القتال من غدها ، فكان النوم عجيبا مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهم ، ولكن الله ربط جأشهم .
وعن على - رضى الله عنه - قال : ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقدار على فرس أبلق ، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم سوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت شجرة يصلى حتى أصبح .
وفى امتنان الله عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان : - أحدهما : أن قواهم بالاستراحة على القتال من الغد .
الثانى : أن أمنهم بزوال الرعب في قلوبهم : كما يقال : الأمن منيم ، والخوف مسهر .
وقال ابن كثير : وجاء في الصحيح " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما كان يوم بدر في العريش مع الصديق ، وهما يدعوان ، أخذت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة من النوم . ثم استيقظ متبسما ، فقال : " أبشر يا أبا بكر ، هذا جبريل على تثناياه النقع " . ثم خرج من باب العريش وهو يتلو قول الله - تعالى - { سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر } " .
والمعنى : واذكروا - أيها المؤمنون - أيضاً ، وقت أن كنتم متعبين وقلقين على مصيركم في هذه المعركة ، فألقى الله عليكم النعاس ، وغشاكم به قبل التحامكم بأعدائكم ، ليكون أمانا لقلوبكم ، وراحة لأبدانكم ، وبشارة خير لكم .
هذا ، ومن العلماء الذين تكلموا عن نعمة النعاس التي ساقها الله للمؤمنين قبل المعركة ، الإِمامان الرازى ومحمد عبده .
أما الامام الرازى فقد قال ما ملخصه : واعلم أن كل نوم ونعاس لا يحصل إلا من قبل الله - تعالى - فتخصيص هذا النعاس بأنه من الله لا بد فيه من مزيد فائدة ، وذكروا في ذلك وجوها : منها : أن الخائف إذا خاف من عدوه فإنه لا يأخذه النوم ، وإذا نام الخائفون أمنوا . فصار حصول النوم لهم في وقت الخوف الشديد ، يدل على إزالة الخوف وحصول الأمن .
ومنها : أنهم ما ناموا نوما غرقا يتمكن مع العدو من معافصتهم ، بل كان ذلك نعاسا يزول معه الإِعياء والكلال ، ولو قصدهم العدو في هذه الحالة لعرفوا وصوله ، ولقدروا على دفعه .
ومنها : أنه غشيهم هذا النعاس دفعة واحدة مع كثرتهم ، ومحصول النعاس للجمع العظيم في الخوف الشديد أمر خارق للعادة . فلهذا السبب قيل : إن ذلك النعاس كان في حكم المعجز .
وقال الامام محمد عبده : لقد مضت سنة الله في الخلق ، بأن من يتوقع في صبيحة ليلته هو لا كبيرا ، ومصابا عظيما ، فإنه يتجافى تجنبه على مضجعه فيصبح خاملا ضعيفا . وقد كان المسلمون يوم بدر يتوقعون مثل ذلك ، إذ بلغهم أن جيشا يزيد على عددهم ثلاثة أضعاف سيحاربهم غدا فكان من مقتضى العادة أن يناموا على بساط الأرض والسهاد . . ولكن الله رحمهم بما أنزل عليهم من النعاس : غشيهم فناموا ، واثقين بالله ، مطمئنين لوعده ، وأصبحوا على همة ونشاط في لقاء عدوهم وعدوه . . . . فالنعاس لم يكن يوم بدر في وقت الحرب بل قبلها .
وبذلك نرى أن النعاس الذي أنزله الله تعالى - على المؤمنين قبل لقائهم بأعدائهم في بدر كان نعمة عظيمة ومنه جليلة .
وقوله - تعالى - : { وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ } وهو - أى : إنزال الماء من السماء نعمة عظمى تحمل في طياتها نعما وسننا .
أولهما : يتجلى في هذه الجملة الكريمة ، أنه - سبحانه - أنزل على المؤمنين المطر من السماء ليطهرهم به من الحدثين : الأصغر والأكبر ، فإن المؤمن كما يقول الإِمام الرازى - " يكاد يستقذر نفسه إذا كان جنبا ، وبغتم إذا لم يتمكن من الاغتسال ، ويضطرب قلبه لأجل هذا السبب " .
وثانيها : قوله - تعالى - : ويهذب عنكم رجز الشيطان .
وأصل الرجز : الاضطراب ويطلق على كل ما تشتد مشقته على النفوس .
قال الراغب : أصل الرجز الاضطراب ، ومنه قيل رجز البعير رجزا فهو أرجز ، وناقة رجزاء إذا تقارب خطوها واضطرب لضعفها . .
والمراد برجز الشيطان : وسوسته للمؤمنين ، وتخويفه إياهم من العطش وغيره عند فقدهم الماء وإلقاؤه الظنون السيئة في قلوبهم .
أى : أنه - سبحانه - أنزل عليكم الماء - أيها المؤمنون - ليظهركم به تطهيرا حسيا وليزيل عنكم وسوسة الشيطان ، بتخويفه إياكم من العطش وبإلقائه في نفوسكم الظنون والأوهام . . وهذا هو التطهير الباطنى .
وثالثها قوله - تعالى - : { وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ } أى : وليقويها بالثقة في نصر الله ، وليوطنها على الصبر والطمأنينة . . ولا شك أن وجود الماء في حوزة المحاربين يزيدهم قوة على قوتهم ، وثباتاً على ثباتهم ، أما فقده فإنه يؤدى إلى فقد الثقة والاطمئنان ، بل وإلى الهزيمة المحققة .
وأصل الربط : الشد . ويقال لكل من صبر على أمر : ربط قلبه عليه ، أى : حبس قلبه عن أن يضطرب أو يتزعزع ، ومنه قولهم : رجل رابط الجأش : أى : ثابت متمكن .
ورابع هذه النعم التي تولدت عن نزول الماء من السماء على المؤمنين ، قبل خوضهم معركة بدر ، يتجلى في قوله - تعالى - { وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقدام } .
أى : أنه - سبحانه - أنزل عليهم المطر قبل المعرفة لتطهيرهم حسياً ومعنوياً ، ولتقويتهم وطمأنينتهم ، وليثبت أقدامهم به حتى لا تسوخ في الرمال ، وحتى يسهل المشى عليها ، إذ من المعروف أن من العسير المشئ على الرمال . فإذا ما نزلت عليها الأمطار جمدت وسهل السير فوقها ، وانطفأ غبارها . . فالضمير في قوله { بِهِ } يعود على الماء المنزل من السماء .
قال الزمخشرى : ويجوز أن يعود للربط - في قوله { وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ } ، لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر والجراءة ثبت القدم في مواطن القتال .
وهذا ، وقد وردت آثار متعددة توضع ما اشتملت عليه هذه الآية الكريمة من نعم جليلة ، ومن ذلك ما جاء عن ابن عباس أنه قال : نزل النبى - صلى الله عليه وسلم - يغنى حين سار إلى بدر - والمسلمون بينهم وبين الماء رملة دعصة - أي كثيرة مجتمعة - فأصاب المسلمين ضعف شديد ، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ ، فوسوس بينهم ، تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم ورسوله ، وقد غلبكم المشركون على الماء ، وأنتم تصلون مجنبين ؟ فأمطر الله عليهم مطرا شدديا ، فشرب المسلمون وتطهروا ، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان وثبت الرمل حين أصابه المطر ، ومشى الناس عليه والدواب ، فاسروا إلى القوم .
وعن عروة بن الزبير قال : بعث الله السماء وكان الوادى دهساً فاصاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه مالبد لهم الأرض ولم منعهم من المسير ، وأصاب قريشا ما لم يقدروا على أن يرحلوا معه .
ومن هذا القول المنقول عن عروة - رضى الله عنه - نرى أن المطر كان خيراً للمسلمين ، وكان شراً على الكافرين ، لأن المسلمين كانوا في مكان يصلحه المطر ، بينما كان المشركون في مكان يؤذيهم فيه المطر .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
"يُغَشّيكُمُ النّعاسَ": يلقي عليكم النعاس. "أمَنَةً "يقول: أمانا من الله لكم من عدوّكم أن يغلبكم، وكذلك النعاس في الحرب أمنة من الله عزّ وجلّ...
والأمنة: مصدر من قول القائل: أمنت من كذا أَمَنَةً وأمانا وأمنا، وكلّ ذلك بمعنى واحد...
وأما قوله: "ويُنَزّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السّماءِ ماءً لِيّطَهّرَكُمْ بِهِ "فإن ذلك مطر أنزله الله من السماء يوم بدر، ليطهر به المؤمنين لصلاتهم لأنهم كانوا أصبحوا يومئذٍ مُجْنِبين على غير ماء فلما أنزل الله عليهم الماء اغتسلوا وتطهروا. وكان الشيطان وسوس لهم بما حزنهم به من إصباحهم مجنبين على غير ماء، فأذهب الله ذلك من قلوبهم بالمطر، فذلك ربطه على قلوبهم وتقويته أسبابهم وتثبيته بذلك المطر أقدامهم، لأنهم كانوا التقوا مع عدوّهم على رَمْلة هَشّاء فلبّدَها المطر حتى صارت الأقدام عليها ثابتة لا تسوخ فيها، توطئة من الله عزّ وجلّ لنبيه عليه الصلاة والسلام وأوليائه أسباب التمكن من عدوهم والظفر بهم...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
قوله -عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) ذكر النعاس بعد شدة خوفهم، والنعاس لا يكون ممن اشتد به الخوف ويغشيه إلا بعد الأمن، فذكر لطفه ومنته الأمن بعد شدة الخوف، ذكر عظيم ما منَّ عليهم من الأمن لما ذكر من إلقاء النعاس عليهم والنعاس إنما يكون بعد الأمن، بعد ما كان من حالهم ما ذكر حيث قال: (كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ). وقوله- عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) ذكر هذا -واللَّه أعلم- على المبالغة في المنة أنه أخبر أنه أنزل من السماء ماء فضل عن حوائجهم حتى وجدوا ماء لتطهير أنفسهم وأبدانهم، وأذهب عنهم رجز الشيطان؛ ذكر السبب الذي به يذهب الرجز؛ لأن الرجز هو العذاب، فذكر الرجز والمراد منه سبب الرجز.
وقوله -عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ). يحتمل: حقيقة تثبيت الأقدام. ويحتمل: الثبات على ما هم عليه. والربط: هو الشد لشيء، فيحتمل قوله: (وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ) أي شدها حتى لا يزول أحدهم عما هو فيه، ولا يزيغ عن ذلك، وإن ابتلاه اللَّه- تعالى -بأنواع الشدائد والبلايا. ذكر في التوحيد والإيمان الربط والتثبيت بقوله: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) وقوله: (وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ)، وقوله: (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ). وذكر في الشرك والكفر الطبع والختم والقفل ونحوه؛ فهو- واللَّه أعلم -عقوبة لهم لما اختاروا ذلك...
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
... وفي امتنان الله تعالى عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان:
أحدهما: قوّاهم بالاستراحة على القتال من الغد.
الثاني: أن أمَّنَهم بزوال الرعب من قلوبهم، كما قال: الأمن منيم، والخوف مسهر...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
كما طَهَّرَ ظواهرهم بماء السماء طهَّر سرائرهم بماء التحقيق عن شهود كلِّ غير وكلِّ عِلَّة، وصان أسرارهم عن الإصغاء إلى الوساوس، وربط على قلوبهم بشهودهم جريان التقدير على حسب ما يجري الحقُّ من فنون التصريف. قوله جلّ ذكره: {وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ}. أقدامَ الظاهر في مَشَاهِدِ القتال، وأقدامَ السرائر على نهج الاستقامة بشهود مجاري التقدير.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
ومعنى {يغشيكم} يغطيكم به ويفرغه عليكم، وهذه استعارة و {النعاس} أخف النوم وهو الذي قد يصيب الإنسان وهو واقف أو ماشٍ...
لما ذكر أنه استجاب دعاءهم ووعدهم بالنصر فقال: {وما النصر إلا من عند الله} ذكر عقيبه وجوه النصر وهي ستة أنواع:
الأول: قوله: {إذ يغشاكم النعاس أمنة منه} أي من قبل الله، واعلم أن كل نوم ونعاس فإنه لا يحصل إلا من قبل الله تعالى، فتخصيص هذا النعاس بأنه من الله تعالى لابد فيه من مزيد فائدة، وذكروا فيه وجوها:
أحدها: أن الخائف إذا خاف من عدوه الخوف الشديد على نفسه وأهله فإنه لا يأخذه النوم، وإذا نام الخائفون أمنوا، فصار حصول النوم لهم في وقت الخوف الشديد يدل على إزالة الخوف وحصول الأمن.
وثانيها: أنهم خافوا من جهات كثيرة. أحدها: قلة المسلمين وكثرة الكفار، وثانيها: الأهبة والآلة والعدة للكافرين وقلتها للمؤمنين، وثالثها: العطش الشديد فلولا حصول هذا النعاس وحصول الاستراحة حتى تمكنوا في اليوم الثاني من القتال لما تم الظفر.
والوجه الثالث: في بيان كون ذلك النعاس نعمة في حقهم، أنهم ما ناموا نوما غرقا يتمكن العدو من معاقصتهم، بل كان ذلك نعاسا يحصل لهم زوال الإعياء والكلال مع أنهم كانوا بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله ولقدروا على دفعه.
والوجه الرابع: أنه غشيهم هذا النعاس دفعة واحدة مع كثرتهم، وحصول النعاس للجمع العظيم في الخوف الشديد أمر خارق للعادة. فلهذا السبب قيل: إن ذلك النعاس كان في حكم المعجز. فإن قيل: فإن كان الأمر كما ذكرتم فلم خافوا بعد ذلك النعاس؟ قلنا: لأن المعلوم أن الله تعالى يجعل جند الإسلام مظفرا منصورا وذلك لا يمنع من صيرورة قوم منهم مقتولين...
النوع الثاني: من أنواع نعم الله تعالى المذكورة في هذا الموضع قوله تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان} ولا شبهة أن المراد منه المطر، وفي الخبر أن القوم سبقوا إلى موضع الماء، واستولوا عليه، وطمعوا لهذا السبب أن تكون لهم الغلبة، وعطش المؤمنون وخافوا، وأعوزهم الماء للشرب والطهارة، وأكثرهم احتلموا وأجنبوا، وانضاف إلى ذلك أن ذلك الموضع كان رملا تغوص فيه الأرجل ويرتفع منه الغبار الكثير، وكان الخوف حاصلا في قلوبهم، بسبب كثرة العدو وسبب كثرة آلاتهم وأدواتهم، فلما أنزل الله تعالى ذلك المطر صار ذلك دليلا على حصول النصرة والظفر، وعظمت النعمة به من جهات:
أحدها: زوال العطش، فقد روي أنهم حفروا موضعا في الرمل، فصار كالحوض الكبير، واجتمع فيه الماء حتى شربوا منه وتطهروا وتزودوا.
وثانيها: أنهم اغتسلوا من ذلك الماء، وزالت الجنابة عنهم، وقد علم بالعادة أن المؤمن يكاد يستقذر نفسه إذا كان جنبا، ويغتم إذا لم يتمكن من الاغتسال ويضطرب قلبه لأجل هذا السبب فلا جرم عد تعالى وتقدس تمكينهم من الطهارة من جملة نعمه.
وثالثها: أنهم لما عطشوا ولم يجدوا الماء ثم ناموا واحتلموا تضاعفت حاجتهم إلى الماء ثم إن المطر نزل فزالت عنهم تلك البلية والمحنة وحصل المقصود. وفي هذه الحالة ما قد يستدل به على زوال العسر وحصول اليسر والمسرة. أما قوله: {ويذهب عنكم رجز الشيطان} ففيه وجوه:
الأول: أن المراد منه الاحتلام لأن ذلك من وساوس الشيطان.
الثاني: أن الكفار لما نزلوا على الماء، وسوس الشيطان إليهم وخوفهم من الهلاك، فلما نزل المطر زالت تلك الوسوسة، روى أنهم لما ناموا واحتلم أكثرهم، تمثل لهم إبليس وقال أنتم تزعمون أنكم على الحق وأنتم تصلون على الجنابة، وقد عطشتم ولو كنتم على الحق لما غلبوكم على الماء فأنزل الله تعالى المطر حتى جرى الوادي واتخذ المسلمون حياضا واغتسلوا وتلبد الرمل حتى ثبتت عليه الأقدام.
الثالث: أن المراد من رجز الشيطان سائر ما يدعو الشيطان إليه من معصية وفساد فإن قيل: فأي هذه الوجوه الثلاثة أولى؟ قلنا: قوله: {ليطهركم} معناه ليزيل الجنابة عنكم، فلو حملنا قوله: {ويذهب عنكم رجز الشيطان} على الجنابة لزم منه التكرير وأنه خلاف الأصل، ويمكن أن يجاب عنه فيقال المراد من قوله: {ليطهركم} حصول الطهارة الشرعية.
والمراد من قوله: {ويذهب عنكم رجز الشيطان} إزالة جوهر المني عن أعضائهم فإنه شيء مستخبث، ثم تقول: حمله على إزالة أثر الاحتلام أولى من حمله على إزالة الوسوسة وذلك لأن تأثير الماء في إزالة العين عن العضو تأثير حقيقي أما تأثيره في إزالة الوسوسة عن القلب فتأثير مجازي وحمل اللفظ على الحقيقة أولى من حمله على المجاز، واعلم أنا إذا حملنا الآية على هذا الوجه لزم القطع بأن المني رجز الشيطان، وذلك يوجب الحكم بكونه نجسا مطلقا لقوله تعالى: {والرجز فاهجر}.
النوع الثالث: من النعم المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: {وليربط على قلوبكم} والمراد أن بسبب نزول هذا المطر قويت قلوبهم وزال الخوف والفزع عنهم، ومعنى الربط في اللغة الشد، وقد ذكرنا ذلك في قوله تعالى: {ورابطوا} ويقال لكل من صبر على أمر، ربط قلبه عليه كأنه حبس قلبه عن أن يضطرب يقال: رجل رابط أي حابس.
قال الواحدي: ويشبه أن يكون {على} ههنا صلة والمعنى -وليربط قلوبكم بالنصر- وما وقع من تفسيره يشبه أن لا يكون صلة لأن كلمة (على) تفيد الاستعلاء. فالمعنى أن القلوب امتلأت من ذلك الربط حتى كأنه علا عليها وارتفع فوقها. والنوع الرابع: من النعم المذكورة ههنا قوله تعالى: {ويثبت به الأقدام} وذكروا فيه وجوها:
أحدها: أن ذلك المطر لبد ذلك الرمل وصيره بحيث لا تغوص أرجلهم فيه، فقدروا على المشي عليه كيف أرادوا، ولولا هذا المطر لما قدروا عليه، وعلى هذا التقدير، فالضمير في قوله: {به} عائد إلى المطر.
وثانيها: أن المراد أن ربط قلوبهم أوجب ثبات أقدامهم، لأن من كان قلبه ضعيفا فر ولم يقف، فلما قوى الله تعالى قلوبهم لا جرم ثبت أقدامهم، وعلى هذا التقدير فالضمير في قوله: {به} عائد إلى الربط.
وثالثها: روى أنه لما نزل المطر حصل للكافرين ضد ما حصل للمؤمنين، وذلك لأن الموضع الذي نزل الكفار فيه كان موضع التراب والوحل، فلما نزل المطر عظم الوحل، فصار ذلك مانعا لهم من المشي كيفما أرادوا فقوله: {ويثبت به الأقدام} يدل دلالة المفهوم على أن حال الأعداء كانت بخلاف ذلك...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{إذ يغشّيكم النعاس أمنة منه} هذه منة أخرى من مننه تعالى على المؤمنين، التي كانت من أسباب ظهورهم على المشركين، وهي إلقاؤه تعالى النعاس عليهم حتى غشيهم – أي غلب عليهم فكان كالغاشية تستر الشيء وتغطيه- تأمينا لهم من الخوف الذي كان يساورهم من الفرق العظيم بينهم وبين عدوهم في العدد والعدة وغير ذلك. روى أبو يعلى والبيهقي في الدلائل عن علي كرم الله وجهه قال ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت شجرة حتى أصبح. وذلك أن من غلب عليه النعاس لا يشعر بالخوف، كما أن الخائف لا ينام، ولكن قد ينعس، والنعاس فتور في الحواس وأعصاب الرأس يعقبه النوم فهو يضعف الإدراك ولا يزيله كله فمتى زال كان نوما ولذلك قال بعضهم هو أول النوم...
{وينزّل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام} وهذه منة ثالثة منه عز وجل على المؤمنين، كان لها شأن عظيم في انتصارهم على المشركين، روى ابن المنذر وأبو الشيخ من طريق ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنه أن المشركين غلبوا المسلمين في أول أمرهم على الماء فظمئ المسلمون وصلوا مجنبين محدثين، وكان ببينهم رمال فألقى الشيطان في قلوبهم الحزن وقال أتزعمون أن فيكم نبيا وأنكم أولياء الله وتصلون مجنبين محدثين؟ فأنزل الله من السماء ماء فسال عليهم الوادي ماء فشرب المسلمون وتطهروا وثبتت أقدامهم (أي على الدهاس أو الرمل اللين لتلبده بالمطر) وذهبت وسوسته.
هذا أثبت وأوضح وأبسط ما ورد في المأثور عن هذا المطر في بدر، وعن مجاهد أنه كان قبل النعاس خلافا لظاهر الترتيب في الآية والواو لا توجبه. ولولا هذا المطر لما أمكن المسلمين القتال لأنهم كانوا رجالة ليس فيهم إلا فارس واحد هو المقداد كما تقدم وكانت الأرض دهاسا تسيخ فيها الأقدام أو لا تثبت عليها.
قال المحقق ابن القيم في الهدي النبوي: وأنزل الله عز وجل في تلك الليلة مطرا واحدا فكان على المشركين وابلا شديدا منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طلاّ طهرهم به وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطأ به الأرض وصلب الرمل، وثبت الأقدام، ومهد به المنزل، وربط على قلوبهم. فسبق رسول الله وأصحابه إلى الماء فنزلوا عليه شطر الليل وصنعوا الحياض ثم غوروا ما عداها من المياه، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على الحياض وبني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش يكون فيها على تل مشرف على المعركة ومشى في موضع المعركة وجعل يشير بيده (هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان إن شاء الله تعالى) فما تعدى أحد منهم موضع إشارته.اه...
ذكر تعالى لذلك المطر أربع منافع:
الأولى: تطهيرهم به أي تطهيرا حسيا بالنظافة التي تشرح الصدر وتنشط الأعضاء في كل عمل –وشرعيا بالغسل من الجنابة والوضوء من الحدث الأصغر.
الثانية: إذهاب رجز الشيطان عنهم. والرجز والرجس والركس كلها بمعنى الشيء المستقذر حسا أو معنى والمراد هنا وسوسته كما تقدم في المأثور.
الثالثة: الربط على القلوب ويعبر به عن تثبيتها وتوطينها على الصبر كما قال تعالى: {وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها} [القصص: 10]. وتأثير المطر في القلوب تفسره المنفعة.
الرابعة: وهو تثبيت الأقدام به فإن من كان يعلم أنه يقاتل في أرض تسوخ فيها قدمه كلما تحرك وهو قد يقاتل فارسا لا راجلا لا يكون إلا وجلا مضطرب القلب.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
لقد أبدع نظم الآيات في التنقل من قصة إلى أخرى من دلائِل عناية الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين، فقَرَنَها، في قَرَن زمانها، وجعل ينتقل من إحداها إلى الأخرى بواسطة إذْ الزمانية، وهذا من أبدع التخلص، وهو من مبتكرات القرآن فيما أحسب. ولذلك فالوجه أن يكون هذا الظرف مفعولاً فيه لقوله: {ومَا النصر} [الأنفال: 10] فإن إغشاءهم النعاس كان من أسباب النصر، فلا جرم أن يكون وقت حُصوله طرفاً للنصر. والغَشْيُ والغشيان كون الشيء غاشياً أي غاماً ومغطياً، فالنوم يغطي العَقل. والنعاسُ النوم غير الثقيل، وهو مثل السِّنة( ...
) فإسناد الإغشاء أو التغشية إلى الله لأنه الذي قدر أن يناموا في وقت لا ينام في مثله الخائف، ولا يكون عامّاً سائرَ الجيش، فهو نوم منحهم الله إياه لِفائِدتهم. وإسناد الغشي إلى النعاس حقيقة على المتعارف وقد علم أنه من تقدير الله بقوله {أمنة منه}. (...
.) وإنما كان (النعاس) أمناً لهم لأنهم لمّا ناموا زال أثر الخوف من نفوسهم في مدة النوم فتلك نعمة، ولما استيقظوا وجدوا نشاطاً، ونشاط الأعصاب يكسب صاحبه شجاعة ويزيل شعور الخوف الذي هو فتور الأعصاب...
هنا في آية الأنفال نعاس وأمنة، وهناك في آية آل عمران أمنة ونعاس؛ لأن الحالتين مختلفتان- فتوضح آية آل عمران أن النعاس قد غشي طائفة واحدة من المقاتلين في غزوة أحد بعد أن أصابهم الغم في هذه الغزوة، وهؤلاء هم المؤمنون الصادقون الملتفون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما في سورة الأنفال فتبين الآية أن النعاس قد غشي الجيش كله حيث كان الجميع على قلب رجل واحد والإيمان يملأ قلوبهم جميعا ولا يوجد بينهم منافق أو مرتاب فغشيتهم جميعا هذه الآمنة بالنعاس؛ لأنه يزيل الخوف، ومن دلائل الأمن والطمأنينة والثقة بنصر الله. ويقول الحق تبارك وتعالى متابعا في ذات الآية: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ} (من الآية 11 سورة الأنفال). ومعنى التطهير أن هناك حادثا يستحق التطهر منه وهم لم يجدوا ماء ليتطهروا منه وهم لم يجدوا ماء ليتطهروا به حيث كان المشركون قد غلبوا المسلمين على الماء في أول الأمر، فظمئ المسلمون وانشغلوا بالعطش، وبالرغبة في تطهير أجسامهم، وهذا يدل على أن المؤمن يجب أن يظل نظيفا، رغم الوجود في المعركة التي لو استمر فيها الواحد منهم يوما أو اثنين دون استحمام، لما لامه أحد على ذلك، وجاء هذا القول ليدل على حرص المؤمن على النظافة إن خرج شيء من الإفرازات والعرق، أو كان التطهر من رجز الشيطان؛ لأن الشيطان خيل لهم منامات جنسية، وأخذ يوسوس قائلا لهم: أنتم تقولون إنّكم على حق، فكيف تصلون وأنتم جنب؟ وكان مجرد حدوث هذا الأمر لهم جميعا هو آية أخرى من الآيات. فأغاظ الله الشيطان وأنزل عليهم الماء ليشربوا ويتطهروا...