فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ} (4)

{ من شر الوسواس } قال الفراء : هو بفتح الواو بمعنى الاسم ، أي الموسوس ، وبكسرها المصدر ، أي الوسوسة ، كالزلزال بمعنى الزلزلة . وقيل : هو بالفتح اسم لمعنى الوسوسة ، والوسوسة هي حديث النفس ، يقال : وسوست إليه نفسه وسوسة أي حدثه حديثا ، وأصلها الصوت الخفي ، ومنه قيل لأصوات الحلي : وسواس .

قال الزجاج : الوسواس هو الشيطان ، أي ذي الوسواس ، ويقال : إن الوسواس ابن لإبليس ، وسمي بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه ؛ لأنها شغله الذي هو عاكف عليه ، وقد سبق تحقيق معنى الوسوسة في تفسير قوله { فوسوس لهما الشيطان } ، ومعنى { الخناس } كثير الخنس ، وهو التأخر ، يقال : خنس إذا تأخر . قال مجاهد : إذا ذكر الله خنس وانقبض ، وإذا لم يذكر انبسط على القلب .

ووصف بالخناس ؛ لأنه كثير الاختفاء ، ومنه قوله تعالى { فلا أقسم بالخنس } يعني النجوم لاختفائها بعد ظهورها كما تقدم ، وقيل : الخناس اسم لابن إبليس ، كما تقدم في الوسواس .

وعن ابن عباس في قوله :{ الوسواس الخناس }قال : مثل الشيطان كمثل ابن عرس ، واضع فمه على فم القلب ، فيوسوس إليه ، فإن ذكر الله خنس ، وإن سكت عاد إليه ، فهو الوسواس الخناس .

وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم ، فإن ذكر الله خنس ، وإن نسيه التقم قلبه ، فذلك الوسواس الخناس " ، أخرجه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وأبو يعلى وابن شاهين والبيهقي في الشعب .

وعن ابن عباس في الآية قال : الشيطان جاث على قلب ابن آدم ، فإذا سها وغفل وسوس ، وإذا ذكر الله خنس . وعنه قال : ما من مولود يولد إلا على قلبه الوسواس ، فإذا ذكر الله خنس ، وإذا غفل وسوس ، فذلك قوله :{ الوسواس الخناس } .

وقد ورد في معنى هذا غيره ، وظاهره أن مطلق ذكر الله يطرد الشيطان ، وإن لم يكن على طريق الاستعاذة ، ولذكر الله سبحانه فوائد جليلة حاصلها الفوز بخيري الدنيا والآخرة .