التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَيۡنَمَا تَكُونُواْ يُدۡرِككُّمُ ٱلۡمَوۡتُ وَلَوۡ كُنتُمۡ فِي بُرُوجٖ مُّشَيَّدَةٖۗ وَإِن تُصِبۡهُمۡ حَسَنَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِكَۚ قُلۡ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ فَمَالِ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلۡقَوۡمِ لَا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ حَدِيثٗا} (78)

وجملة : { أينما تكونوا } الخ مسوقة لإشعارهم بأنّ الجبن هو الذي حملهم على طلب التأخير إلى أمد قريب ، لأنّهم توهّموا أنّ مواقع القتال تدني الموتَ من الناس . ويحتمل أن يكون القول قد تمّ ، وأنّ جملة { أينما تكونوا } توجّه إليهم بالخطاب من الله تعالى ، أو توجّه لجميع الأمّة بالخطاب ، فتكون على كلا الأمرين معترضة بين أجزاء الكلام . و ( أينما ) شرط يستغرق الأمكنة ( ولو ) في قوله : { ولو كنتم في بروج } وصلية وقد تقدّم تفصيل معناها واستعمالها عند قوله : في سورة آل عمران ( 91 ) : { فلن يقبل من أحدهم مِلء الأرض ذهباً ولو افتدى به } والبروج جمعُ برج ، وهو البناء القويّ والحصْن . والمشيّدة : المبنيّة بالشِّيد ، وهو الجصّ ، وتطلق على المرفوعة العالية ، لأنّهم إذا أطالوا البناء بنوهُ بالجصّ ، فالوصف به مراد به المعنى الكنائي . وقد يطلق البروج على منازل كواكب السماء كقوله تعالى : { تبارك الذي جعل في السماء بروجاً } [ الفرقان : 61 ] وقوله : { والسماء ذات البروج } [ البروج : 1 ] . وعن مالك أنّه قال : البروج هنا بروج الكواكب ، أي ولو بلغتم السماء . وعليه يكون وصف { مشيدة } مجازاً في الارتفاع ، وهو بصير مجازاً في الارتفاع ، وهو بعيد .

يتعيّن على المختار ممّا روي في تعيين الفريق الذين ذكروا في قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفّوا أيديكم } من أنّهم فريق من المؤمنين المهاجرين أن يكون ضمير الجمع في قوله : { وإن تصبهم حسنة } عائداً إلى المنافقين لأنّهم معلومون من المقام ، ولسِبْققِ ذكرهم في قوله : { وإنّ منكم لَمَنْ ليَبُطَئّن } [ النساء : 72 ] وتكون الجملة معطوفة عطف قصّة على قصّة ، فإنّ ما حكي في هذه الآية لا يليق إلاّ بالمنافقين ، ويكون الغرض انتقل من التحريض على القتال إلى وصف الذين لا يستجيبون إلى القتال لأنّهم لا يؤمنون بما يبلّغهم النبي صلى الله عليه وسلم من وعد الله بنصر المؤمنين . وأمّا على رواية السدّي فيحتمل أنّ هؤلاء الذين دخلوا في الإسلام حديثاً من قبائل العرب كانوا على شفا الشكّ فإذا حلّ بهم سوء أو بؤس تطَيِّروا بالإسلام فقالوا : هذه الحالة السوأى من شُؤم الإسلام . وقد قيل : إنّ بعض الأعراب كان إذا أسلم وهاجر إلى المدينة فنمَت أنّعَامه ورفهت حاله حمِد الإسلام ، وإذا أصابه مرض أو موتان في أنعامه تطيَرّ بالإسلام فارتدّ عنه ، ومنه حديث الأعرابي الذي أصابته الحمّى في المدينة فاستقال من النبي بيعته وقال النبي صلى الله عليه وسلم في شأنه : « المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها » . والقول المراد في قوله : { يقولوا هذه من عند الله } { يقولوا هذه من عندك } هو قول نفسي ، لأنّهم لم يكونوا يجترئون على أن يقولوا ذلك علناً لِرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يظهرون الإيمان به .

أو هو قول يقولونه بين إخوانهم من المنافقين ، يقولون : هذه من عند محمد ، فيكون الإتيان بكاف الخطاب من قبيل حكاية كلامهم بحاصل معناه على حسب مقام الحاكي والمحكي له ، وهو وجه مطروق في حكاية كلام الغائب عن المخاطب إذا حكى كلامه لذلك المخاطب . ومنه قوله تعالى حكاية عن عيسى : { ما قلتُ لهم إلاّ ما أمرتني به أنْ أعبُدوا الله ربّي وربّكم } [ المائدة : 117 ] . والمأمور به هو : أن اعبدوا الله ربكَ وربَّهم . وورد أنّ قائل ذلك هم اليهود ، فالضمير عائد على غير مذكور في الكلام السابق ، لأنّ المعنيّ به معروفون في وقت نزول الآية ، وقديماً قيل لأسلافهم { وإن تُصبهم سّيئة يطيَّروا بموسى ومن معه } [ الأعراف : 131 ] . والمراد بالحسنة والسّيئة هنا ما تعارفه العرب من قبل اصطلاح الشريعة أعني الكائنةَ الملائمة والكائنةَ المنافرة ، كقولهم : { فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيّروا بموسى ومن معه } [ الأعراف : 131 ] وقوله : { ربّنا آتنا في الدنيا حسنة } [ البقرة : 201 ] ، وتعلّقُ فعل الإصابة بهما دليل على ذلك ، أمّا الحسنة والسَّيئة بالاصطلاح الشرعي ، أعني الفعل المثاب عليه والفعل المعاقب عليه ، فلا محمل لهما هنا إذ لا يكونان إصابتين ، ولا تعرف إصابتهما لأنّهما اعتباران شرعيان . وقيل : كان اليهود يقولون : « لمّا جاء محمد المدينة قلَّت الثمار ، وغلت الأسعار » . فجعلوا كون الرسول بالمدينة هو المؤثّر في حدوث السّيئات ، وأنّه لولاه لكانت الحوادث كلّها جارية على ما يلائمهم ، ولذلك جيء في حكاية كلامهم بما يدلّ على أنّهم أرادوا هذا المعنى ، وهو كلمة ( عند ) في الموضعين : { هذه من عند الله } { هذه من عندك } ؛ إذ العندية هنا عندية التأثير التامّ بدليل التسوية في التعبير ، فإذا كان ما جاء من عند الله معناه من تقديره وتأثير قدرته ، فكذلك مساويه وهو ما جاء من عند الرسول . وفي « البخاري » عن ابن عباس في قوله تعالى : { ومن الناس من يَعبد الله على حرف } كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاماً ونُتجت خيلهُ قال : هذا دين صالح ، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيلهُ قال : هذا دين سوء ، وهذا يقتضي أنْ فعل ذلك من مهاجرة العرب : يقولونه إذا أرادوا الارتداد وهم أهل جفاء وغلظة ، فلعلّ فيهم من شافه الرسول بمثل قولهم : { هذه من عندك } . ومعنى { من عند الله } في اعتقادهم أنّه الذي ساقها إليهم وأتحفهم بها لما هو معتاده من الإكرام لهم ، وخاصّة إذا كان قائل ذلك اليهود . ومعنى { من عندك } أي من شؤم قدومك ، لأنّ الله لا يعاملهم إلاّ بالكرامة ، ولكنّه صار يتخوّلهم بالإساءة لقصد أذى المسلمين فتلحَق الإساءة اليهودَ من جرّاء المسلمين على حدّ { واتّقوا فتنة } [ الأنفال : 25 ] الآية .

وقد علَّمه الله أن يجيب بأنّ كلاً من عند الله ، لأنّه لا معنى لكون شيء من عند الله إلاّ أنّه الذي قدّر ذلك وهيَّأ أسبابه ، إذ لا يدفعهم إلى الحسنات مباشرةً . وإن كان كذلك فكما أنّ الحسنة من عنده ، فكذلك السيّئة بهذا المعنى بقطع النظر عمّا أرادُه بالإحسان والإساءة ، والتفرقة بينهما من هذه الجهة لا تصدر إلاّ عن عقل غير منضبط التفكير ، لأنّهم جعلوا بعض الحوادث من الله وبعضها من غير الله فلذلك قال : { فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً } أي يكادون أن لا يفقهوا حديثاً ، أي أن لا يفقهوا كلام من يكلّمهم ، وهذ مدلول فعل ( كادَ ) إذا وقع في سياق النفي ، كما تقدّم في قوله : { وما كادوا يفعلون } [ البقرة : 71 ] .

والإصابة : حصول حال أو ذات ، في ذات يقال : أصابه مرض ، وأصابته نعمة ، وأصابه سَهْم ، وهي ، مشقّة من اسم الصَّوْب الذي هو المطر ، ولذلك كان ما يتصرّف من الإصابة مشعراً بحصوللٍ مفاجىء أو قاهر .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَيۡنَمَا تَكُونُواْ يُدۡرِككُّمُ ٱلۡمَوۡتُ وَلَوۡ كُنتُمۡ فِي بُرُوجٖ مُّشَيَّدَةٖۗ وَإِن تُصِبۡهُمۡ حَسَنَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِكَۚ قُلۡ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ فَمَالِ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلۡقَوۡمِ لَا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ حَدِيثٗا} (78)

فيه أربع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " أينما تكونوا يدرككم الموت " شرط ومجازاة ، و " ما " زائدة وهذا الخطاب عام وإن كان المراد المنافقين أو ضعفة المؤمنين الذين قالوا : " لولا أخرتنا إلى أجل قريب " أي إلى أن نموت بآجالنا ، وهو أشبه المنافقين كما ذكرنا ، لقولهم لما أصيب أهل أحد ، قالوا : " لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا{[4635]} " [ آل عمران : 156 ] فرد الله عليهم " أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة " قال ابن عباس في رواية أبي صالح عنه . وواحد البروج برج ، وهو البناء المرتفع والقصر العظيم . قال طرفة يصف ناقة :

كأنها برج روميٍّ تكفّفها *** بانٍ بشيد{[4636]} وآجُرٍّ وأحجار

وقرأ طلحة بن سليمان " يدرككم " برفع الكاف على إضمار الفاء ، وهو قليل لم يأت إلا في الشعر نحو قوله :

من يفعل الحسنات اللهُ يشكرها

أراد فالله يشكرها . واختلف العلماء وأهل التأويل في المراد بهذه البروج ، فقال الأكثر وهو الأصح . إنه أراد البروج في الحصون التي في الأرض المبنية ؛ لأنها غاية البشر في التحصن والمنعة ، فمثل الله لهم بها . وقال قتادة : في قصور محصنة . وقاله ابن جريج والجمهور ، ومنه قول عامر بن الطفيل للنبي صلى الله عليه وسلم : هل لك في حصن حصين ومنعة ؟ وقال مجاهد : البروج القصور . ابن عباس : البروج الحصون والآطام والقلاع . ومعنى " مشيدة " مطولة ، قاله الزجاج والقتبي . عكرمة : المزينة{[4637]} بالشيد وهو الجص . قال قتادة : محصنة . والمشيد والمشيد سواء ، ومنه " وقصر مشيد{[4638]} " [ الحج : 45 ] والتشديد للتكثير . وقيل المشيد المطول ، والمشيد المطلي بالشيد . يقال : شاد البنيان وأشاد بذكره . وقال السدي : المراد بالبروج بروج في السماء الدنيا مبنية . وحكى هذا القول مكي عن مالك وأنه قال ألا ترى إلى قوله تعالى : " والسماء ذات البروج{[4639]} " [ البروج : 1 ] و " جعل في السماء بروجا{[4640]} " [ الفرقان : 61 ] " ولقد جعلنا في السماء بروجا{[4641]} " [ الحجر : 16 ] . وحكاه ابن العربي أيضا عن ابن القاسم عن مالك . وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال : " في بروج مشيدة " معناه في قصور من حديد . قال ابن عطية : وهذا لا يعطيه ظاهر اللفظ .

الثانية : هذه الآية ترد على القدرية في الآجال ، لقوله تعالى : " أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة " فعرفهم بذلك أن الآجال متى انقضت فلا بد من مفارقة الروح الجسد ، كان ذلك بقتل أو موت أو غير ذلك مما أجرى الله العادة بزهوقها به . وقالت المعتزلة : إن المقتول لو لم يقتله القاتل لعاش . وقد تقدم الرد عليهم في " آل عمران{[4642]} " ويأتي فوافقوا بقولهم هذا الكفار والمنافقين .

الثالثة : اتخاذ البلاد وبناؤها ليمتنع بها في حفظ الأموال والنفوس ، وهي سنة الله في عباده . وفي ذلك أدل دليل على رد قول من يقول : التوكل ترك الأسباب ، فإن اتخاذ البلاد من أكبر الأسباب وأعظمها وقد أمرنا بها ، واتخذها الأنبياء وحفروا حولها الخنادق عدة وزيادة في التمنع . وقد قيل للأحنف : ما حكمة السور ؟ فقال : ليردع السفيه حتى يأتي الحكيم{[4643]} فيحميه .

الرابعة : وإذا تنزلنا على قول مالك والسدي في أنها بروج السماء ، فبروج الفلك اثنا عشر برجا مشيدة من الرفع ، وهي الكواكب العظام . وقيل للكواكب بروج لظهورها ، من برج يبرج إذا ظهر وارتفع ، ومنه قوله : " ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى{[4644]} " [ الأحزاب : 33 ] وخلقها الله تعالى منازل للشمس والقمر وقدره{[4645]} فيها ، ورتب الأزمنة عليها ، وجعلها جنوبية وشمالية دليلا على المصالح وعلما على القبلة ، وطريقا إلى تحصيل آناء الليل وآناء النهار لمعرفة أوقات التهجد غير ذلك من أحوال المعاش .

قوله تعالى : " وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله " أي إن يصب المنافقين خصب قالوا : هذا من عند الله . " وإن تصبهم سيئة " أي جدب ومحل قالوا : هذا من عندك ، أي أصابنا ذلك بشؤمك وشؤم أصحابك . وقيل : الحسنة السلامة والأمن ، والسيئة الأمراض والخوف . وقيل : الحسنة الغنى ، والسيئة الفقر . وقيل : الحسنة النعمة والفتح والغنيمة يوم بدر ، والسيئة البلية والشدة والقتل يوم أحد . وقيل : الحسنة السراء ، والسيئة الضراء . هذه أقوال المفسرين وعلماء التأويل - ابن عباس وغيره - في الآية . وأنها نزلت في اليهود والمنافقين ، وذلك أنها لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة عليهم قالوا : ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا مذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه . قال ابن عباس : ومعنى " من عندك " أي بسوء تدبيرك . وقيل : " من عندك " بشؤمك ، كما ذكرنا ، أي بشؤمك الذي لحقنا ، قالوه على جهة التطير . قال الله تعالى : " قل كل من عند الله " أي الشدة والرخاء والظفر والهزيمة من عند الله ، أي بقضاء الله وقدره . " فمال هؤلاء القوم " يعني المنافقين " لا يكادون يفقهون حديثا " أي ما شأنهم لا يفقهون أن كلا من عند الله .


[4635]:راجع ج 4 ص 462.
[4636]:الشيد (بالكسر): كل ما طلى به الحائط من جص أو بلاط.
[4637]:في ج: المبنية.
[4638]:راجع ج 12 ص 74.
[4639]:راجع ج 19 ص 281.
[4640]:راجع ج 13 ص 65.
[4641]:راجع ج 10 ص 9.
[4642]:راجع ج 4 ص 226.
[4643]:في ج و ز وط: الحليم.
[4644]:راجع ج 14 ص 178.
[4645]:في ج و ط و ز: قدره. أي القمر. كقوله تعالى: قدرناه منازل.