التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ لَهُمۡ شِرۡكٞ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِۖ ٱئۡتُونِي بِكِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ هَٰذَآ أَوۡ أَثَٰرَةٖ مِّنۡ عِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (4)

انتقل إلى الاستدلال على بطلان نفي صفة الإلهية عن أصنامهم . فجملة { قل أرأيتم ما تدعون } أمر بإلقاء الدليل على إبطال الإشراك وهو أصل ضلالهم .

وجَاء هذا الاستدلالُ بأسلوب المناظرة فجُعل النبي صلى الله عليه وسلم مواجهاً لهم بالاحتجاج ليكون إلجاءً لهم إلى الاعتراف بالعجز عن معارضة حجته ، وكذلك جرى الاحتجاج بعده ثلاث مرات بطريقة أمر التعجيز بقوله : { أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أيتوني بكتاب } الآية . و { أرأيتم } استفهام تقريري فهو كناية عن معنى : أخبروني ، وقد تقدم في سورة الأنعام ( 40 ) قوله : { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون } .

وقوله : { أروني } تصريح بما كنى عنه طريق التقرير لقوله : { أرأيتم ما تدعون } وموقع جملة { أروني } في موقع المفعول الثاني لفعل { أرأيتم } .

والأمر في { أروني ماذا خلقوا من الأرض } مستعمل في التسخير والتعجيز كناية عن النفي إن لم يخلقوا من الأرض شيئاً فلا تستطيعوا أن تُروني شيئاً خلقوه في الأرض ، وهذا من رؤوس مسائل المناظرة ، وهو مطالبة المدّعي بالدليل على إثبات دعواه . و { ماذا } بمعنى ما الذي خلقوه ، ف ( ما ) استفهامية ، و ( ذا ) بمعنى الذي . وأصله اسم إشارة ناب عن الموصول . وأصل التركيب : ماذا الذي خلقوا ، فاقتصر على اسم الإشارة وحذف اسم الموصول غالباً في الكلام وقد يظهر كما في قوله تعالى : { من ذَا الذي يشفع عنده } [ البقرة : 255 ] . ولهذا قال النحاة : إن ( ذا ) بعد ( ما ) أو ( مَن ) الاستفهاميتين بمنزلة ( مَا ) الموصولة .

والاستفهامُ في { ماذا خلقوا } إنكاري . وجملة { ماذا خلقوا } بدل من جملة { أروني } وفعل الرؤية معلق عن العمل بورود { ما } الاستفهامية بعده ، وإذا لم يكن شيء من الأرض مخلوقاً لهم بطل أن يكونوا آلهة لِخروج المخلوقات عن خَلقهم ، وإذا بطل أن يكون لها خلق بطل أن يكون لها تصرف في المخلوقات كما قال تعالى : { أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يُخلقون ولا يستطيعون لهم نصراً ولا أنفسَهم ينصرون } في سورة الأعراف ( 191 ، 192 ) .

و{ أم } حرف إضراب انتقالي . والاستفهام المقدر بعد { أم } المنقطعة استفهام إنكاري أي ليس لهم شرك مع الله في السماوات . وإنما أوثر انتفاء الشِركة بالنسبة للشركة في السماوات دون انتفاء الخلق كما أوثر انتفاء الخلق بالنسبة إلى الأرض لأن مخلوقات الأرض مشاهدة للناس ظاهر تطورها وحدوثها وأن ليس لما يدعونهم دون الله أدنى عمل في إيجادها ، وأما الموجودات السماوية فهي محجوبة عن العيون لا عهد للناس بظهور وجودها ولا تطورها فلا يحسن الاستدلال بعدم تأثير الأصنام في إيجاد شيء منها ولكن لمّا لم يدّع المشركون تصرفاً للأصنام إلا في أحوال الناس في الأرض من جلب نفع أو دفع ضر اقتصر في نفي تصرفهم في السماوات على الاستدلال بنفي أن يكون للأصنام شركة في أمور السماوات لأن انتفاء ذلك لا ينازعون فيه .

وتقدم نظير هذه الآية في سورة فاطر ( 40 ) { قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله } الآية فانظر ذلك .

ثم انتقل من الاستدلال بالمشاهدة وبالإقرار إلى الاستدلال بالأخبار الصادقة بقوله : ائتوني بكتاب من قبل هذا } فجملة { ائتوني بكتاب } في موقع مفعول ثان لفعل { أرأيتم } ، كرر كما يتعدد خبر المبتدأ . ومناط الاستدلال أنه استدلال على إبطال دعوى المدعي بانعدام الحجة على دعواه ويسمى الإفحام كما تقدم . والمعنى : نفي أن يكون لهم حجة على إلهية الأصنام لا بتأثيرها في المخلوقات ، ولا بأقوال الكتب ، فهذا قريب من قوله في سورة فاطر ( 40 ) { أم آتيناهم كتاباً فهم على بينة منه } والمراد ب ( كتاب ) أيُّ كتاب من الكتب المقروءة . وهذا قاطع لهم فإنهم لا يستطيعون ادعاء أن لأصنامهم في الكتب السابقة ذِكراً غير الإبطال والتحذير من عبادتها ، فلا يوجد في الكتب إلا أحد أمرين : إمّا إبطال عبادة الأصنام كما في الكتب السماوية ، وإمّا عدم ذكرها البتة ويدل على أن المراد ذلك قوله بعده : أو { أثارة من علم } .

والإتيان مستعار للإحضار ولو كان في مجلسهم على ما تقدم في قوله تعالى : { فأتوا بسورة من مثله } في سورة البقرة ( 23 ) .

والإشارة في قوله : { من قبل هذا } إلى القرآن لأنه حاضر في أذهان أصحاب المحاجة فإنه يُقرأ عليهم معاودة . ووجه تخصيص الكتاب بوصف أن يكون من قبل القرآن ليسد عليهم باب المعارضة بأن يأتوا بكتاب يُصنع لهم ، كمَا قالوا : { لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلاّ أساطير الأولين } [ الأنفال : 31 ] .

و { أثارة } بفتح الهمزة : البقية من الشيء . والمعنى : أو بقية بقيت عندكم تروونها عن أهل العلم السابقين غير مسطورة في الكتب . وهذا توسيع عليهم في أنواع الحجة ليكون عجزهم عن الإتيان بشيء من ذلك أقطع لدعواهم . وفي قوله : { إن كنتم صادقين } إلهاب وإفحام لهم بأنهم غير آتين بحجة لا من جانب العقل ولا من جانب النقل المسطور أو المأثور ، وقد قال تعالى في سورة القصص ( 50 ) { فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم } .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ لَهُمۡ شِرۡكٞ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِۖ ٱئۡتُونِي بِكِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ هَٰذَآ أَوۡ أَثَٰرَةٖ مِّنۡ عِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (4)

فيه خمس مسائل :

الأولى- قوله تعالى : " قل أرأيتم ما تدعون من دون الله " أي ما تعبدون من الأصنام والأنداد من دون الله . " أروني ماذا خلقوا من الأرض " أي هل خلقوا شيئا من الأرض " أم لهم شرك " أي نصيب " في السماوات " أي في خلق السموات مع الله . " ائتوني بكتاب من قبل هذا " أي من قبل هذا القرآن .

الثانية- قوله تعالى : " أو أثارة من علم " قراءة العامة " أو أثارة " بألف بعد الثاء . قال ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( هو خط كانت تخطه العرب في الأرض ) ، ذكره المهدوي والثعلبي . وقال ابن العربي : ولم يصح . وفي مشهور الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك ) ولم يصح أيضا .

قلت : هو ثابت من حديث معاوية بن الحكم السلمي ، خرجه مسلم . وأسند النحاس : حدثنا محمد بن أحمد ( يعرف بالجرايجي{[13810]} ) قال حدثنا محمد بن بندار قال حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان الثوري عن صفوان بن سليم عن أبي سلمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل : " أو أثارة من علم " قال : [ الخط ] وهذا صحيح أيضا . قال ابن العربي : واختلفوا في تأويله ، فمنهم من قال : جاء لإباحة الضرب ؛ لأن بعض الأنبياء كان يفعل . ومنهم من قال جاء للنهي عنه ، لأنه صلى الله عليه وسلم قال : [ فمن وافق خطه فذاك ] . ولا سبيل إلى معرفة طريق النهي المتقدم فيه ، فإذا لا سبيل إلى العمل به . قال :

لعمركَ ما تدري الضواربُ بالحصا *** ولا زاجراتُ الطير ما الله صانع{[13811]}

وحقيقته عند أربابه ترجع إلى صور الكواكب ، فيدل ما يخرج منها على ما تدل عليه تلك الكواكب من سعد أو نحس يحل بهم ، فصار ظنا مبنيا على ظن ، وتعلقا بأمر غائب قد درست طريقه وفات تحقيقه ، وقد نهت الشريعة عنه ، وأخبرت أن ذلك مما اختص الله به ، وقطعه عن الخلق ، وإن كانت لهم قبل ذلك أسباب يتعلقون بها في درك الأشياء المغيبة ، فإن الله قد رفع تلك الأسباب وطمس تلك الأبواب وأفرد نفسه بعلم الغيب ، فلا يجوز مزاحمته في ذلك ، ولا يحل لأحد دعواه . وطلبه عناء لو لم يكن فيه نهي . فإذ وقد ورد النهي فطلبه معصية أو كفر بحسب قصد الطالب .

قلت : ما اختاره هو قول الخطابي . قال الخطابي : قوله عليه السلام : [ فمن وافق خطه فذاك ] هذا يحتمل الزجر إذ كان ذلك علما لنبوته وقد انقطعت ، فنهينا عن التعاطي لذلك . قال القاضي عياض : الأظهر من اللفظ خلاف هذا ، وتصويب خط من يوافق خطه ، لكن من أين تعلم الموافقة ، والشرع منع من التخرص وادعاء الغيب جملة - فإنما معناه أن من وافق خطه فذاك الذي يجدون إصابته ، لا أنه يريد إباحة ذلك لفاعله على ما تأوله بعضهم . وحكى مكي في تفسير قوله : [ كان نبي من الأنبياء يخط ] أنه كان يخط بأصبعه السبابة والوسطى في الرمل ثم يزجر . وقال ابن عباس في تفسير قوله [ ومنا رجال يخطون ] : هو الخط الذي يخطه الحازي{[13812]} فيعطى حلوانا فيقول : اقعد حتى أخط لك ، وبين يدي الحازي غلام معه ميل ثم يأتي إلى أرض رخوة فيخط الأستاذ خطوطا معجلة لئلا يلحقها العدد ، ثم يرجع فيمحو على مهل خطين خطين ، فإن بقي خطان فهو علامة النجح ، وإن بقي خط فهو علامة الخيبة . والعرب تسميه الأسحم وهو مشؤوم عندهم .

الثالثة- قال ابن العربي : إن الله تعالى لم يبق من الأسباب الدالة على الغيب التي أذن في التعلق بها والاستدلال منها إلا الرؤيا ، فإنه أذن فيها ، وأخبر أنها جزء من النبوة وكذلك الفأل ، وأما الطيرة والزجر فإنه نهى عنهما . والفأل : هو الاستدلال بما يسمع من الكلام على ما يريد من الأمر إذا كان حسنا ، فإذا سمع مكروها فهو تطير ، أمره الشرع بأن يفرح بالفأل ويمضى على أمره مسرورا . وإذا سمع المكروه أعرض عنه ولم يرجع لأجله ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك ] . وقد روى بعض الأدباء :

الفأل والزجر والكهان كلهم *** مضللون ودون الغيب أقفال

وهذا كلام صحيح ، إلا في الفأل فإن الشرع استثناه وأمر به ، فلا يقبل من هذا الشاعر ما نظمه فيه ، فإنه تكلم بجهل ، وصاحب الشرع أصدق وأعلم وأحكم .

قلت : قد مضى في الطيرة والفأل وفي الفرق بينهما ما يكفي في ( المائدة ){[13813]} وغيرها . ومضى في ( الأنعام ){[13814]} أن الله سبحانه منفرد بعلم الغيب ، وأن أحدا لا يعلم ذلك إلا ما أعلمه الله ، أو يجعل على ذلك دلالة عادية يعلم بها ما يكون على جري العادة ، وقد يختلف مثاله إذا رأى نخلة قد أطلعت فإنه يعلم أنها ستثمر ، وإذا رآها قد تناثر طلعها علم أنها لا تثمر . وقد يجوز أن يأتي عليها آفة تهلك ثمرها فلا تثمر ، كما أنه جائز أن تكون النخلة التي تناثر طلعها يطلع الله فيها طلعا ثانيا فتثمر . وكما أنه جائز أيضا ألا يلي شهره شهر ولا يومه يوم إذا أراد الله إفناء العالم ذلك الوقت . إلى غير ذلك مما تقدم في ( الأنعام ) بيانه .

الرابعة- قال ابن خويز منداد : قوله تعالى : " أو أثارة من علم " يريد الخط . وقد كان مالك رحمه الله يحكم بالخط إذا عرف الشاهد خطه . وإذا عرف الحاكم خطه أو خط من كتب إليه حكم به ، ثم رجع عن ذلك حين ظهر في الناس ما ظهر من الحيل والتزوير . وقد روي عنه أنه قال : [ يُحدِث الناس فجورا فتحدث لهم أقضية ] . فأما إذا شهد الشهود على الخط المحكوم به ، مثل أن يشهدوا أن هذا الحاكم وكتابه ، أشهدنا على ما فيه وإن لم يعلموا ما في الكتاب . وكذلك الوصية أو خط الرجل باعترافه بمال لغيره يشهدون أنه خطه ونحو ذلك - فلا يختلف مذهبه أن يحكم به . وقيل : " أو أثارة من علم " أو بقية من علم ، قبل ابن عباس والكلبي وأبو بكر بن عياش وغيرهم . وفي الصحاح " أو أثارة من علم " بقية منه . وكذلك الأثرة ( بالتحريك ) . ويقال : سمنت الإبل على أثارة ، أي بقية شحم كان قبل ذلك . وأنشد الماوردي والثعلبي قول الراعي :

وذاتِ أثارة أكلتْ عليها *** نباتا في أكِمَّتِه ففارا

وقال الهروي : والأثارة والأثر : البقية ، يقال : ما ثم عين ولا أثر . وقال ميمون بن مهران وأبو سلمة بن عبد الرحمن وقتادة : " أو أثارة من علم " خاصة من علم . وقال مجاهد : رواية تأثرونها عمن كان قبلكم . وقال عكرمة ومقاتل : رواية عن الأنبياء . وقال القرظي : هو الإسناد . الحسن : المعنى شيء يثار أو يستخرج . وقال الزجاج : " أو أثارة " أي علامة . والأثارة مصدر كالسماحة والشجاعة . وأصل الكلمة من الأثر ، وهي الرواية ، يقال : أثرت الحديث آثره أثرا وأثارة وأثرة فأنا آثر ، إذا ذكرته عن غيرك . ومنه قيل : حديث مأثور ، أي نقله خلف عن سلف . قال الأعشى :

إن الذي فيه تماريتُمَا *** بُيِّن للسامع والآثرِ

ويروى " بَيَّن " وقرئ " أو أثرة " بضم الهمزة وسكون الثاء . ويجوز أن يكون معناه بقية من علم . ويجوز أن يكون معناه شيئا مأثورا من كتب الأولين . والمأثور : ما يتحدث به مما صح سنده عمن تحدث به عنه . وقرأ السلمي والحسن وأبو رجاء بفتح الهمزة والثاء من غير ألف ، أي خاصة من علم أوتيتموها أو أوثرتم بها على غيركم . وروي عن الحسن أيضا وطائفة " أثرة " مفتوحة الألف ساكنة الثاء ، ذكر الأولى الثعلبي والثانية الماوردي . وحكى الثعلبي عن عكرمة : أو ميراث علم . " إن كنتم صادقين " .

الخامسة- قوله تعالى : " ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم " فيه بيان مسالك الأدلة بأسرها ، فأولها المعقول ، وهو قوله تعالى : " قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات " وهو احتجاج بدليل العقل في أن الجماد لا يصح أن يدعى من دون الله فإنه لا يضر ولا ينفع . ثم قال : " ائتوني بكتاب من قبل هذا " فيه بيان أدلة السمع " أو أثارة من علم " .


[13810]:اضطربت الأصول في كتابة هذه النسبة.
[13811]:البيت للبيد. والرواية فيه:" الطوارق" بدل "الضوارب". والطرق: الضرب بالحصا. والطوارق المتكهنات.
[13812]:الحازي: الكاهن.
[13813]:راجع ج 6 ص 59 وما بعدها.
[13814]:راجع ج 7 ص 2.