التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (64)

{ وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } .

عطف على جملة { وإذا جاؤوكم قالوا آمنّا } [ المائدة : 61 ] ، فإنّه لمّا كان أولئك من اليهود والمنافقين انتقل إلى سوء معتقدهم وخبث طويتهم ليظهر فرط التنافي بين معتقدهم ومعتقد أهل الإسلام ، وهذا قول اليهود الصرحاء غير المنافقين فلذلك أسند إلى اسم ( اليهود ) .

ومعنى { يد الله مغلولة } الوصف بالبخل في العطاء لأنّ العرب يجعلون العطاء معبَّراً عنه باليد ، ويجعلون بَسْط اليد استعارة للبذل والكرم ، ويجعلون ضدّ البسط استعارة للبخل فيقولون : أمسك يدَه وقبَض يده ، ولم نسمع منهم : غَلّ يدَه ، إلاّ في القرآن كما هنا ، وقوله : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عُنقك } في سورة الإسراء ( 29 ) ، وهي استعارة قويّة لأنّ مغلول اليد لا يستطيع بسطها في أقلّ الأزمان ، فلا جرم أن تكون استعارة لأشدّ البخل والشحّ .

واليهودُ أهل إيمان ودين فلا يجوز في دينهم وصف الله تعالى بصفات الذمّ . فقولهم هذا : إمّا أن يكون جرى مجرى التهكّم بالمسلمين إلزاماً لهذا القول الفاسد لهم ، كما روي أنّهم قالوا ذلك لمّا كان المسلمون في أوّل زمن الهجرة في شدّة ، وفَرَض الرسول عليهم الصدقات ، وربّما استعان باليهود في الديات . وكما روي أنّهم قالوه لمّا نزل قوله تعالى : { من ذا الّذي يُقرض الله قرضاً حسناً } [ البقرة : 245 ] فقالوا : إنّ ربّ محمّد فقير وبخيل . وقد حكي عنهم نظيره في قوله تعالى : { لقد سمع الله قول الّذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء } [ البقرة : 181 ] . ويؤيّد هذا قوله عقبهُ { وليزيدنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربّك طغياناً وكفراً } . وإمّا أن يكونوا قالوه في حالة غضب ويأس ؛ فقد روي في سبب نزولها أنّ اليهود نزلت بهم شدّة وأصابتهم مجاعة وجَهد ، فقال فنحاص بن عَازُورا هذه المقالة ، فإمّا تلقَّفُوها منه على عادة جهل العامّة ، وإمّا نسب قول حبرهم إلى جميعهم لأنّهم يقلّدونه ويقتدون به .

وقد ذمّهم الله تعالى على كلا التقديرين ، إذ الأول استخفاف بالإسلام وبدينهم أيضاً ، إذ يجب تنزيه الله تعالى عن هذه المقالات ، ولو كانت على نيّة إلزام الخصم ، والثّاني ظاهر ما فيه من العجرفة والتأفّف من تصرّف الله ، فقابل الله قولهم بالدّعاء عليهم . وذلك ذمّ على طريقة العَرب .

وجملة { غُلَّت أيديهم } معترضة بين جملة { وقالت اليهود } وبين جملة { بل يداه مبسوطتان } . وهي إنشاء سبّ لهم . وأخذ لهم من الغُلّ المجازي مُقابِلُه الغلّ الحقيقي في الدعاء على طريقة العرب في انتزاع الدعاء من لفظ سببه أو نحوه ، كقول النّبيء صلى الله عليه وسلم « عُصَيَّةُ عَصت الله ورسوله ، وأسلم سَلَّمها الله ، وغِفَار غَفر الله لها »

وجملة { ولعنوا بما قالوا } يجوز أن تكون إنشاء دعاء عليهم ، ويجوز أن تكون إخباراً بأنّ الله لعنهم لأجل قولهم هذا ، نظير ما في قوله تعالى : { وإن يَدْعون إلاّ شيطاناً مريداً لعنه الله } في سورة النّساء ( 117 ، 118 ) .

وقوله : { بل يداه مبسوطتان } نقض لكلامهم وإثبات سعة فضله تعالى . وبسط اليدين تمثيل للعطاء ، وهو يتضمّن تشبيه الإنعام بأشياء تعطى باليدين .

وذكر اليد هنا بطريقة التثنية لزيادة المبالغة في الجُود ، وإلاّ فاليَدُ في حال الاستعارة للجود أو للبُخل لا يقصد منها مفرد ولا عدد ، فالتثنية مستعملة في مطلق التّكرير ، كقوله تعالى : { ثُم ارجع البصر كرّتين } [ الملك : 4 ] ، وقولهم : « لبّيك وسعديك » . وقال الشّاعر ( أنشده في « الكشاف » ولم يعْزه هو ولا شارحوه ) :

جَادَ الْحِمَى بَسِطُ اليدَيْن بوابلٍ *** شكرَتْ نَدَاه تلاعُه ووهَاده

وجملة { ينفق كيف يشاء } بيان لاستعارة { يداه مبسوطتان } . و { كيف } اسم دالّ على الحالة وهو مبني في محلّ نصب على الحال . وفي قوله : { كيف يشاء } زيادة إشارة إلى أن تقتيره الرزق على بعض عبيده لمصلحة ، مثل العقاب على كفران النعمة ، قال تعالى : { ولو بَسط الله الرزق لعباده لبَغَوا في الأرض } [ الشورى : 27 ] .

{ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طغيانا وَكُفْراً } .

عطف على جملة { وقالت اليهود يد الله مغلولة } . وقع معترضاً بين الردّ عليهم بجملة { بل يداه مبسوطتان } وبين جملة { وألقيْنا بينهم العداوة والبغضاء } ، وهذا بيان للسبب الّذي بعثهم على تلك المقالة الشنيعة ، أي أعماهم الحسد فزادهم طغياناً وكفراً ، وفي هذا إعداد للرسول عليه الصلاة والسلام لأخذ الحذر منهم ، وتسلية له بأنّ فَرط حنقهم هو الّذي أنطقهم بذلك القول الفظيع .

{ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضآء إلى يَوْمِ القيامة } .

عطف على جملة { ولعنوا بما قالوا } عطفَ الخبر على الإنشاء على أحد الوجهين فيه . وفي هذا الخبر الإيماء إلى أنّ الله عاقبهم في الدّنيا على بغضهم المسلمين بأن ألقَى البغضاء بين بعضهم وبعض ، فهو جزاء من جنس العمل ، وهو تسلية للرّسول صلى الله عليه وسلم أن لا يهمّه أمر عداوتهم له ، فإنّ البغضاء سجيتهم حتّى بين أقوامهم وأنّ هذا الوصف دائم لهم شأنَ الأوصاف الّتي عمي أصحابها عن مداواتها بالتخلّق الحسن . وتقدّم القول في نظيره آنفاً .

{ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله وَيَسْعَوْنَ فِى الارض فَسَاداً والله لاَ يُحِبُّ المفسدين } .

تركيب { أوقدوا ناراً للحرب أطفاها الله } تمثيل ، شُبّه به حال التهيّؤ للحرب والاستعداد لها والحَزَامةِ في أمرها ، بحال من يُوقد النّار لحاجة بها فتنطفىء ، فإنّه شاعت استعارات معاني التسعير والحَمْي والنّار ونحوها للحرب ، ومنه حَمِيَ الوَطيس ، وفلان مِسْعَرُ حرب ، ومِحَشّ حرب ، فقوله : { أوقدوا ناراً للحرب } كذلك ، ولا نارَ في الحقيقة ، إذ لم يُؤْثر عن العرب أنّ لهم ناراً تختصّ بالحرب تُعَدّ في نِيرَان العرب الّتي يُوقِدُونها لأغراض . وقد وهم من ظنّها حقيقة ، ونبَّه المحقّقون على وهمه .

وشبّه حال انحلال عزمهم أو انهزامُهم وسرعةُ ارتدادهم عنها ، وإحجامُهم عن مصابحة أعدائهم ، بحال من انطفأت ناره الّتي أوقدها .

ومن بداعة هذا التمثيل أنّه صالحٌ لأن يعتبر فيه جَمْعُه وتفريقه ، بأن يُجعل تمثيلاً واحداً لِحالة مجموعة أو تمثيلين لحالتين ، وقبول التمثيل للتفريق أتمّ بلاغة . والمعنى أنّهم لا يلتئم لهم أمر حرب ولا يستطيعون نكاية عدوّ ، ولو حاربوا أو حُوربوا انهزموا ، فيكون معنى الآية على هذا كقوله : { ضُرِبت عليهم الذلّة أينَما ثُقِفوا } [ آل عمران : 112 ] .

وأمّا ما يروى أنّ مَعَدّا كلّها لمّا حاربوا مذبح يوم ( خَزَازَى ) ، وسيادتُهم لِتغلب وقائدُهم كُليب ، أمر كليب أن يوقدوا ناراً على جبل خَزَازَى ليهتدي بها الجيش لكثرته ، وجعلوا العلامة بينهم أنّهم إذا دهمتهم جيوش مذحج أوقدوا نارين على ( خَزَازَى ) ، فلمّا دهمتهم مَذحج أوقدوا النّار فتجمّعت مَعدّ كلّها إلى ساحة القتال وانهزمت مَذحج . وهذا الّذي أشار إليه عمرو بن كلثوم بقوله :

وَنَحْنُ غداة أوقِدَ في خَزازَى *** رَفَدْنَا فَوْقَ رفْد الرافِدِينَا

فتلك شعار خاصّ تواضعوا عليه يومئذٍ فلا يعدّ عادة في جميع الحروب . وحيث لا تعْرف نار للحرب تعيّن الحَمْل على التمثيل ، ولذلك أجمع عليه المفسّرون في هذه الآية فليس الكلامُ بحقيقة ولا كناية .

وقوله : { ويسعون في الأرض فساداً } القولُ فيه كالقول في نظيره المتقدّم آنفاً عند قوله تعالى : { إنّما جزاء الّذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً } [ المائدة : 33 ] .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (64)

قوله تعالى : " وقالت اليهود يد الله مغلولة " قال عكرمة : إنما قال هذا فنحاص بن عازوراء ، لعنه الله{[5764]} ، وأصحابه ، وكان لهم أموال فلما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم قال ذلك لهم ؛ فقالوا : إن الله بخيل ، ويد الله مقبوضة عنا في العطاء ، فالآية خاصة في بعضهم . وقيل : لما قال قوم هذا ولم ينكر الباقون صاروا كأنهم بأجمعهم قالوا هذا . وقال الحسن : المعنى يد الله مقبوضة عن عذابنا . وقيل : إنهم لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في فقر وقلة مال وسمعوا ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ){[5765]} ورأوا النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يستعين بهم في الديات قالوا : إن إله محمد فقير ، وربما قالوا : بخيل ؛ وهذا معنى قولهم : ( يد الله مغلولة ) فهذا على التمثيل كقوله : ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ){[5766]} [ الإسراء : 29 ] . ويقال للبخيل : جعد الأنامل ، ومقبوض الكف ، وكز الأصابع ، ومغلول اليد ؛ قال الشاعر :

كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها *** وكل باب من الخيرات مفتوح

فاستبدلت بعده جعدا أنامله *** كأنما وجهه بالخل منضوح

واليد في كلام العرب تكون للجارحة كقوله تعالى : " وخذ بيدك ضغثا{[5767]} " [ ص : 44 ] هذا محال على الله تعالى . وتكون للنعمة . تقول العرب : كم يد لي عند فلان ، أي كم من نعمة لي قد أسديتها له ، وتكون للقوة . قال الله عز وجل : " واذكر عبدنا داود ذا الأيد{[5768]} " [ ص : 17 ] ، أي ذا القوة وتكون يد الملك والقدرة . قال الله تعالى : " قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء{[5769]} " [ آل عمران :73 ] . وتكون بمعنى الصلة ، قال الله تعالى : " مما عملت أيدينا أنعاما{[5770]} " [ يس : 71 ] أي مما عملنا نحن . وقال : " أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح{[5771]} " [ البقرة : 237 ] أي الذي له عقدة النكاح . وتكون بمعنى التأييد والنصرة ، ومن قوله عليه السلام : ( يد الله مع القاضي حتى يقضي والقاسم حتى يقسم ) . وتكون لإضافة الفعل إلى المخبر عند تشريفا له وتكريما . قال الله تعالى : " يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي{[5772]} " [ ص : 75 ] فلا يجوز أن يحمل على الجارحة ؛ لأن الباري جل وتعالى واحد لا يجوز عليه التبعيض ، ولا على القوة والملك والنعمة والصلة ، لأن الاشتراك يقع حينئذ . بين وليه آدم وعدوه إبليس ، ويبطل ما ذكر من تفضيله عليه ؛ لبطلان معنى التخصيص ، فلم يبق إلا أن تحمل{[5773]} على صفتين تعلقتا بخلق آدم تشريفا له دون خلق إبليس تعلق القدرة بالمقدور ، لا من طريق المباشرة ولا من حيث المماسة ، ومثله ما روي أنه عز اسمه وتعالى علاه وجد أنه{[5774]} كتب التوراة بيده ، وغرس دار الكرامة بيده{[5775]} لأهل الجنة ، وغير ذلك تعلق الصفة بمقتضاها .

قوله تعالى : " غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا " حذفت الضمة من الياء لثقلها ؛ أي غلت في الآخرة ، ويجوز أن يكون دعاء عليهم ، وكذا " ولعنوا بما قالوا " والمقصود تعليمنا كما قال : " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله " {[5776]} [ الفتح : 27 ] ؛ علمنا الاستثناء كما علمنا الدعاء على أبي لهب بقوله : " تبت يدا أبي لهب{[5777]} " [ المسد : 1 ] وقيل : المراد أنهم أبخل الخلق ، فلا ترى يهوديا غير لئيم . وفي الكلام علي هذا القول إضمار الواو ، أي قالوا : يد الله مغلولة وغلت أيديهم . واللعن بالإبعاد ، وقد تقدم .

قوله تعالى : " بل يداه مبسوطتان " ابتداء وخبر ، أي بل نعمته مبسوطة ، فاليد بمعنى النعمة قال بعضهم : هذا غلط ؛ لقوله : " بل يداه مبسوطتان " فنعم الله تعالى أكثر من أن تحصى فكيف تكون بل نعمتاه مبسوطتان ؟ وأجيب بأنه يجوز أن يكون هذا تثنية جنس لا تثنية واحد مفرد ، فيكون مثل قوله عليه السلام : ( مثل المنافق كالشاة العائرة{[5778]} بين الغنمين ) . فأحد الجنسين نعمة الدنيا ، والثاني نعمة في الآخرة . قيل : نعمتا الدنيا النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة ، كما قال : " وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة{[5779]} " [ لقمان : 20 ] . وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه : ( النعمة الظاهرة ما حسن من خلقك ، والباطنة ما ستر عليك من سيئ عملك ) . وقيل : نعمتاه المطر والنبات اللتان النعمة بهما ومنهما . وقيل : إن النعمة{[5780]} للمبالغة ، تقول العرب : ( لبيك وسعديك ) وليس يريد الاقتصار على مرتين ، وقد يقول القائل : ما لي بهذا الأمر يد أو قوة . قال السدي : معنى قوله ( يداه ) قوتاه بالثواب والعقاب ، بخلاف ما قالت اليهود : إن يده مقبوضة عن عذابهم . وفى صحيح مسلم عن أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تعالى قال لي أنفق أنفق عليك ) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يمين الله ملأى لا يغيضها سحَّاء الليل والنهار{[5781]} أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه - قال - وعرشه على الماء وبيده الأخرى القبض{[5782]} يرفع ويخفض ) . السَّحُّ الصَّبُّ الكثير . ويغيض ينقص ، ونظير هذا الحديث قوله جل ذكره : " والله يقبض ويبسط{[5783]} " [ البقرة : ] . وأما هذه الآية ففي قراءة ابن مسعود " بل يداه مبسوطتان{[5784]} " [ المائدة : ] حكاه الأخفش ، وقال يقال : يد بسطة ، أي منطلقة منبسطة . " ينفق كيف يشاء " أي يرزق كما يريد . ويجوز أن تكون اليد في هذه الآية بمعنى القدرة ، أي قدرته شاملة ، فإن شاء وسع وإن شاء قتر . " وليزيدن كثيرا منهم " لام قسم . " ما أنزل إليك من ربك " أي بالذي أنزل إليك . " طغيانا وكفرا " أي إذا نزل شيء من القرآن فكفروا ازداد كفرهم . " وألقينا بينهم " قال مجاهد : أي بين اليهود والنصارى ؛ لأنه قال قبل هذا " لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء " [ المائدة : 51 ] . وقيل : أي ألقينا بين طوائف اليهود ، كما قال : " تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى " {[5785]} [ الحشر : 14 ] فهم متباغضون متفقين ، فهم أبغض خلق الله إلى الناس . " كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله " يريد اليهود . و " كلما " ظرف أي كلما جمعوا وأعدوا شتت الله جمعهم . وقيل : إن اليهود لما أفسدوا وخالفوا كتاب الله - التوراة - أرسل الله عليهم بختنصر ، ثم أفسدوا فأرسل عليم بطرس الرومي ، ثم أفسدوا فأرسل عليهم المجوس ، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين ، فكانوا كلما استقام أمرهم شتتهم الله فكلما أوقدوا نارا أي أهادوا شرا ، وأجمعوا أمرهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم " أطفأها الله " وقهرهم ووهن أمرهم فذكر النار مستعار . قال قتادة : أذلهم الله عز وجل ، فلقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم وهم تحت أيدي المجوس ، ثم قال عز وجل : " ويسعون في الأرض فسادا " أي يسعون في إبطال الإسلام ، وذلك من أعظم الفساد ، والله أعلم . وقيل : المراد بالنار هنا نار الغضب ، أي كلما أوقدوا نار الغضب في أنفسهم وتجمعوا بأبدانهم وقوة النفوس منهم باحتدام نار الغضب أطفأها الله حتى يضعفوا ، وذلك بما جعله من الرعب نصرة بين يدي نبيه صلى الله عليه وسلم .


[5764]:من ع.
[5765]:راجع ج 3 ص 237، 204.
[5766]:راجع ج 10 ص 249.
[5767]:راجع ج 15 ص 212، 158، 55، 228.
[5768]:راجع ج 15 ص 212، 158، 55، 228.
[5769]:راجع ج 4 ص 112.
[5770]:راجع ج 15 ص 212، 158، 55، 228.
[5771]:راجع ج 3 ص 237، 204.
[5772]:راجع ج 15 ص 212، 158، 55، 228.
[5773]:كذا في الأصول إلا في ج، ز: تحملا. ولا وجه للتثنية هنا.
[5774]:من ز.
[5775]:من ع.
[5776]:راجع ج 16 ص 289.
[5777]:راجع ج 20 ص 234.
[5778]:العائرة بين الغنمين: أي المترددة بين قطيعين لا تدري أيهما تتبع.
[5779]:راجع ج 14 ص 73.
[5780]:تلك عبارة الأصول، أو صوابها ما في الجصاص: إن التثنية للمبالغة في صفة النعمة كقولك الخ. راجع ج 2 ص 448.
[5781]:الليل والنهار قال النووي: هو بنصب الليل والنهار ورفعهما، النصب على الظرف والرفع على الفاعل. قال في هامش مسلم: لكن على تقدير النصب ماذا يكون الفاعل في "لا يغيضها" لم يذكره، ولو كانت الرواية "لا يغيضها مسح الليل والنهار" بافضافة لبان الفاعل كما في رواية زهير بن حرب "لا يغيضها شيء".
[5782]:الفيض: ضبطوه (بالفاء والياء) ومعناه الإحسان، و (بالقاف والباء) ومعناه الموت.
[5783]:راجع ج 3 ص 237.
[5784]:كذا في البحر وفي الشواذ لابن خالويه: بسطتان. بضم السين.
[5785]:راجع ج 18 ص 35.