{ هُوَ الذى أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن ديارهم لأَوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخرُجُواْ } .
يجوز أن تجعل جملة { هو الذي أخرج الذين كفروا } إلى آخرها استئنافاً ابتدائياً لقصد إجراء هذا التمجيد على اسم الجلالة لما يتضمنه من باهر تقديره ، ولِمَا يؤذن به ذلك من التعريض بوجوب شكره على ذلك الإِخراج العجيب .
ويجوز أن تجعل علة لما تضمنه الخبر عن تسبيح ما في السماوات وما في الأرض من التذكير للمؤمنين والتعريض بأهل الكتاب والمنافقين الذين هم فريقان مما في الأرض فإن القصة التي تضمنتها فاتحة السورة من أهل أحوالهما .
ويجوز أن تجعل مبينة لجملة { وهو العزيز الحكيم } [ الحشر : 1 ] لأن هذا التسخير العظيم من آثار عزّه وحكمته .
وعلى كل الوجوه فهو تذكير بنعمة الله على المسلمين وإيماء إلى أن يشكروا الله على ذلك وتمهيد للمقصود من السورة وهو قسمة أموال بني النضير .
وتعريف جزأي الجملة بالضمير والموصول يفيد قصر صفة إخراج الذين كفروا من ديارهم عليه تعالى وهو قصر ادعائي لعدم الاعتداد بسعي المؤمنين في ذلك الإِخراج ومعالجتهم بعض أسبابه كتخريب ديار بني النضير .
ولذلك فَجملة { ما ظننتم أن يخرجوا } تتنزل منزلة التعليل لجملة القصر .
وجملة { وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم } عطف على العلة ، أي وهم ظنوا أن المسلمين لا يغلبونهم . وإنما لم يقل : وظنوا أن لا يُخرَجوا . مع أن الكلام على خروجهم ، من قوله تعالى : { هو الذي أخرج الذين كفروا } فعدل عنه إلى { وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم } أي مانعتهم من إخراجهم استغناء عن ذكر المظنون بذكر علة الظن . والتقدير : وظنوا أن لا يخرجوا لأنهم تمنعهم حصونهم ، أي ظنوا ظناً قوياً معتمدين على حصونهم .
والمراد ب { الذين كفروا من أهل الكتاب } بنو النضير ( بوزن أمير ) وهم قبيلة من اليهود استوطنوا بلاد العرب هم وبنو عمهم قُريظة ، ويهودُ خَيبر ، وكلهم من ذرية هَارون عليْه السلام وكان يقال لبني النضير وبني قريظة : الكاهنان لأن كل فريق منهما من ذرية هارون وهو كاهن الملة الإسرائيلية ، والكهانة : حفظ أمور الديانة بيده ويد أعقابه .
وقصة استيطانهم بلاد العرب أن موسى عليه السلام كان أرسل طائفة من أسلافهم لقتال العماليق المجاورين للشام وأرض العرب فقصَّروا في قتالهم وتوفي موسى قريباً من ذلك . فلما علموا بوفاة موسى رجعوا على أعقابهم إلى ديار إسرائيل في أريحَا فقال لهم قومهم : أنتم عصيتم أمر موسى فلا تدخلوا بلادنا ، فخرجوا إلى جزيرة العرب وأقاموا لأنفسهم قُرى حول يثرب ( المدينة ) وبنوا لأنفسهم حصُوناً وقرية سَموها الزَّهرة . وكانت حصونهم خمسة سيأتي ذكر أسمائها في آخر تفسير الآية ، وصاروا أهل زرع وأموال . وكان فيهم أهل الثراء مثل السموأل بن عَادِيا ، وكَعب بن الأشرف ، وابن أبي الحُقَيق ، وكان بينهم وبين الأوس والخزرج حِلف ومعاملة ، فكان من بطون أولئك اليهود بنو النضير وقريظة وخيبر .
ووسموا ب { الذين كفروا } لأنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم تسجيلاً عليهم بهذا الوصف الذميم وقد وُصفوا ب { الذين كفروا } في قوله تعالى : { ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين } [ البقرة : 89 ] إلى قوله : { عذاب مهين } في سورة [ البقرة : 90 ] .
وعليه فحرف من } في قوله : { من أهل الكتاب } بيانية لأن المراد بأهل الكتاب هنا خصوص اليهود أي الذين كفروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وهم أهل الكتاب وأراد بهم اليهود ، فوصفوا ب { من أهل الكتاب } لئلا يظن أن المراد ب { الذين كفروا } المشركون بمكة أو بقية المشركين بالمدينة فيُظنّ أن الكلام وعيد .
وتفصيل القصة التي أشارت إليها الآية على ما ذكره جمهور أهل التفسير . أن بني النضير لما هاجر المسلمون إلى المدينة جاؤوا فصالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا يكونوا عليه ولا له ، ويقال : إن مصالحتهم كانت عقبَ وقعة بَدر لمَّا غلَب المسلمون المشركين لأنهم توسّموا أنه لا تهزم لهم راية ، فلما غُلب المسلمون يوم أُحد نكثوا عهدهم وراموا مصالحة المشركين بمكة ، إذ كانوا قد قعدوا عن نصرتهم يوم بدر ( كدأب اليهود في موالاة القوي ) فخرج كعب بن الأشرف وهو سيد بني النضير في أربعين راكباً إلى مكة فحَالفوا المشركين عند الكعبة على أن يكونوا عوناً لهم على مقاتلة المسلمين ، فلما أُوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك أمرَ محمدَ بن مسلمة أن يقتل كعب بن الأشرف فقتله غيلة في حصنه في قصة مذكورة في كتب السنة والسير .
وذكر ابن إسحاق سبباً آخر وهو أنه لما انقضت وقعة بئر معونة في صفر سنة أربع كان عَمرو بن أمية الضَّمْري أسيراً عند المشركين فأطلقه عامر بن الطفيل . فلما كان راجعاً إلى المدينة أقبل رجلان من بني عامر وكان لقومهما عقد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلا مع عمرو بن أمية ، فلما ناما عدا عليهما فقتلهما وهو يحسب أنه يثأر بهما من بني عامر الذين قتلوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببئر معونة ، ولما قدم عمرو بن أمية أخبر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بما فعل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم « لقد قتلت قتيلين ولآدِيَنَّهُمَا » ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين إذ كان بين بني النضير وبين بني عامر حِلف ، وأضمر بنو النضير الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأطلعه الله عليه فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بالتهيّؤ لحربهم .
ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بالسيْر إليهم في ربيع الأول سنة أربع من الهجرة فسار إليهم هو والمسلمون وأمرهم بأن يَخرجوا من قريتهم فامتنعوا وتنادوا إلى الحرب ودسّ إليهم عبد الله بنُ أُبيّ ابنُ سلول أن لا يخرجوا من قريتهم وقال : إنْ قاتلَكم المسلمون فنحن معكم ولننصُرنَّكم وإن أخرجتم لَنَخُرجَنّ معكم فَدَرِّبُوا على الأزقة ( أي سُدُّوا منافذ بعضها لبعض ليكون كلّ درب منها صالحاً للمدافعة ) وحصِّنوها ، ووعدهم أن معه ألفين من قومه وغيرهم ، وأن معهم قريظة وحلفاءهم من غطفان من العرب فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم وانتظروا عبد الله بن أُبيّ ابن سلول وقريظة وغطفان أن يقدموا إليهم ليردوا عنهم جيش المسلمين فلما رأوا أنهم لم ينجدوهم قذف الله في قلوبهم الرعب فطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم الصلح فأبى إلا الجلاء عن ديارهم وتشارطوا على أن يخرجوا ويَحملَ كلّ ثلاثة أبيات منهم حِمْل بعير مما شاؤوا من متاعهم ، فجعلوا يخرّبون بيوتهم ليحملوا معهم ما ينتفعون به من الخشب والأبواب .
فخرجوا فمنهم من لحق بخيبر ، وقليل منهم لحقوا ببلاد الشام في مدن ( أريحا ) وأذرعات من أرض الشام وخرج قليل منهم إلى الحِيرة .
واللام في قوله : { لأول الحشر } لام التوقيت وهي التي تدخل على أول الزمان المجعول ظرفاً لعمللٍ مثل قوله تعالى : { يقول يا ليتني قدمت لحياتي } [ الفجر : 24 ] أي من وقت حياتي . وقولهم : كتب ليوم كذا . وهي بمعنى ( عند ) . فالمعنى أنه أخرجهم عند مبدأ الحشر المقدر لهم ، وهذا إيماء إلى أن الله قَدر أن يخرجوا من جميع ديارهم في بلاد العرب . وهذا التقدير أمر به النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي . فالتعريف في { الحشر } تعريف العهد .
والحشر : جمع ناس في مكان قال تعالى : { وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحّار عليم } [ الشعراء : 36 - 37 ] .
والمراد به هنا : حشر يهود جزيرة العرب إلى أرض غيرها ، أي جمْعهم للخروج ، وهو بهذا المعنى يرادف الجلاء إذا كان الجلاء لجماعة عظيمة تُجمع من متفرق ديار البلاد .
وليس المراد به : حشر يوم القيامة إذ لا مناسبة له هنا ولا يلائم ذكر لفظ « أول » لأن أول كل شيء إنما يكون متحد النوع مع ما أضيف هو إليه .
وعن الحسن : أنه حمل الآية على حشر القيامة وركّبوا على ذلك أوهاماً في أن حشر القيامة يكون بأرض الشام وقد سبق أن ابن عباس احترز من هذا حين سمى هذه السورة « سورة بني النضير » وفي جعل هذا الإِخراج وقتاً لأوّل الحشر إيذان بأن حشرهم يتعاقب حتى يكمل إخراج جميع اليهود وذلك ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم قُبيل وفاته إذ قال : « لا يبقى دينان في جزيرة العرب » وقد أنفذه عمر بن الخطاب حين أجلى اليهود من جميع بلاد العرب . وقيل : وُصف الحشر بالأول لأنه أول جلاء أصاب بني النضير ، فإن اليهود أُجْلُوا من فلسطين مرتين مرة في زمن ( بختنصر ) ومرة في زمن ( طيطس ) سلطان الروم وسَلِم بنو النضير ومن معهم من الجلاء لأنهم كانوا في بلاد العرب . فكان أول جلاء أصابهم جلاء بني النضير .
{ وظنوا أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ الله } .
أي كان ظن المسلمين وظن أهل الكتاب متواردين على تعذر إخراج بني النضير من قريتهم بسبب حصانة حصونهم .
وكان اليهود يتخذون حصوناً يأوون إليها عندما يغزوهم العدوّ مثل حصون خيبر .
وكانت لبني النضير ستة حصون أسماؤها : الكُتيبة ( بضم الكاف وفتح المثناة الفوقية ) والوَطِيح ( بفتح الواو وكسر الطاء ) والسُّلاَلم ( بضم السين ) والنَّطَاةُ ( بفتح النون وفتح الطاء بعدها ألف وبهاء تأنيث آخرَه ) والوَخْدَة ( بفتح الواو وسكون الخاء المعجمة ودال مهملة ) وشَقّ ( بفتح الشين المعجمة وتشديد القاف ) .
ونظم جملة { وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم } على هذا النظم دون أن يقال : وظَنُّوا أن حصونهم مانعتُهم ليكون الابتداء بضميرهم لأنه سيعقبه إسناد { مانعتهم } إليه فيكون الابتداء بضميرهم مشيراً إلى اغترارهم بأنفسهم أنهم في عزة ومَنَعة ، وأن مَنَعة حصونهم هي من شؤون عزتهم .
وفي تقديم { مانعتهم } وهو وصف على { حصونهم } وهو اسم والاسم بحسب الظاهر أولى بأن يجعل في مرتبة المبتدأ ويجعل الوصف خبراً عنه ، فعدل عن ذلك إشارة إلى أهمية منَعة الحصون عند ظنهم فهي بمحل التقديم في استحضار ظنهم ، ولا عبرة بجواز جعل حصونهم فاعلاً باسم الفاعل وهو { مانعتهم } بناء على أنه معتمد على مسند إليه لأن محامل الكلام البليغ تجري على وجوه التصرف في دقائق المعاني فيصير الجائز مرجوحاً . قال المرزوقي في شرح ( باب النسب ) قول الشاعر وهو منسوب إلى ذي الرمة في غير ديوان الحماسة :
فإن لم يكن إلا مُعَرَّج ساعة *** قليلاً فإني نافع لي قليلها
يجوز أن يكون ( قليلها ) مبتدأ و ( نافع ) خبر مقدم عليه أي لقصد الاهتمام . والجملة في موضع خبر ( إنّ ) والتقدير : إني قليلها نافع لي .
{ فأتاهم الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرعب يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى المؤمنين فاعتبروا ياأولي الألباب } .
تفريع على مجموع جملتي { ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله } اللتين هما تعليل للقصر في قوله تعالى : { هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب } .
وتركيب ( أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ) تمثيل ، مُثِّل شأنُ الله حين يسّر أسباب استسلامهم بعد أن صمموا على الدفاع وكانوا أهل عِدة وعُدة ولم يطل حصارهم بحال من أخذ حذره من عدوّه وأحكم حراسته من جهاته فأتاه عدوه من جهة لم يكن قد أقام حراسة فيها .
وهذا يشبه التمثيل الذي في قوله تعالى : { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده } [ النور : 39 ] .
والاحتساب : مبالغة في الحسبان ، أي الظنّ أي من مكان لم يظنوه لأنهم قصروا استعدادهم على التحصّن والمنَعة ولم يعلموا أن قوة الله فوق قوتهم .
والقذف : الرمي باليد بقوة . واستعير للحصول العاجل ، أي حصل الرعب في قلوبهم دفعة دون سابق تأمل ولا حصول سبب للرعب ولذلك لم يؤت بفعل القذف في آية [ آل عمران : 151 ] { سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب } .
والمعنى : وجعل الله الرعب في قلوبهم فأسرعوا بالاستسلام . وقَذْفُ الرعب في قلوبهم هو من أحوال إتيان الله إياهم من حيث لم يحتسبوا فتخصيصه بالذكر للتعجيب من صنع الله ، وعطفُه على أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا عطف خاص على عام للاهتمام .
و{ الرعب } : شدة الخوف والفزع . وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم « نصرت بالرعب » ، أي برعب أعداء الدين .
وجملة { يخربون بيوتهم } حال من الضمير المضاف إليه { قلوبهم } لأن المضاف جزء من المضاف إليه فلا يمنع مجيء الحال منه .
والمقصود التعجيب من اختلال أمورهم فإنهم وإن خربوا بيوتهم باختيارهم لكن داعي التخريب قهري .
والإِخراب والتخريب : إسقاط البناء ونقضه . والخراب : تهدم البناء .
وقرأ الجمهور { يخربون } بسكون الخاء وتخفيف الراء المكسورة مضارع : أَخرب . وقرأه أبو عمرو وحْده بفتح الخاء وتشديد الراء المكسورة مضارع : خَرَّب . وهما بمعنى واحد . قال سيبويه : إن أفعلت وفَعَّلت يتعاقبان نحْو أخربته وخَرّبته ، وأفرحته وفرّحته . يريد في أصل المعنى . وقد تقدم ما ذكر من الفرق بين : أَنزل ونَزّل في المقدمة الأولى من مقدمات هذا التفسير .
وأشارت الآية إلى ما كان من تخريب بني النضير بيوتهم ليأخذوا منها ما يصلح من أخشاب وأبواب مما يحملونه معهم ليبنوا به منازلهم في مهاجرهم ، وما كان من تخريب المؤمنين بقية تلك البيوت كلما حلّوا بقعة تركها بنو النضير .
وقوله : { بأيديهم } هو تخريبهم البيوت بأيديهم ، حقيقةٌ في الفعل وفي ما تعلق به ، وأما تخريبهم بيوتهم بأيدي المؤمنين فهو مجاز عقلي في إسناد التخريب الذي خربه المؤمنون إلى بني النضير باعتبار أنهم سبَّبوا تخريب المؤمنين لما تركه بنو النضير .
فعطف { أيدي المؤمنين } على { بأيديهم } بحيث يصير متعلّقاً بفعل { يخربون } استعمال دقيق لأن تخريب المؤمنين ديار بني النضير لمّا وجدوها خاوية تخريب حقيقي يتعلق المجرور به حقيقة .
فالمعنى : ويسببون خراب بيوتهم بأيدي المؤمنين فوقع إسناد فعل { يخربون } على الحقيقة ووقع تعلق وتعليق { وأيدي المؤمنين } به على اعتبار المجاز العقلي ، فالمجاز في التعليق الثاني .
وأما معنى التخريب فهو حقيقي بالنسبة لكلا المتعلقين فإن المعنى الحقيقي فيهما هو العبرة التي نبه عليها قوله تعالى : { فاعتبروا يا أولي الأبصار } ، أي اعتبروا بأن كان تخريب بيوتهم بفعلهم وكانت آلات التخريب من آلاتهم وآلات عدوهم .
والاعتبار : النظر في دلالة الأشياء على لوازمها وعواقبها وأسبابها . وهو افتعال من العبرة ، وهي الموعظة . وقول « القاموس » : هي العجب قصور .
وتقدم في قوله تعالى : { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } في سورة [ يوسف : 111 ] .
والخطاب في قوله : { يا أولي الأبصار } موجّه إلى غير معين . ونودي أولو الأبصار بهذه الصلة ليشير إلى أن العبرة بحال بني النضير واضحة مكشوفة لكل ذي بَصر مما شاهد ذلك ، ولكل ذي بصر يرى مواقع ديارهم بعدهم ، فتكون له عبرة قدرة الله على إخراجهم وتسليط المسلمين عليهم من غير قتال . وفي انتصار الحق على الباطل وانتصار أهل اليقين على المذبذبين .
وقد احتج بهذه الآية بعض علماء الأصول لإِثبات حجّيّة القياس بناء على أنه من الاعتبار .
الأولى- قوله تعالى : { هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم } ، قال سعيد بن جبير : قلت لابن عباس : سورة الحشر ؟ قال : قل سورة النضير ، وهم رهط من اليهود من ذرية هارون عليه السلام ، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل انتظارا لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وكان من أمورهم ما نص الله عليه .
الثانية- { لأول الحشر } الحشر الجمع ، وهو على أربعة أوجه : حشران في الدنيا وحشران في الآخرة ، أما الذي في الدنيا فقوله تعالى : { هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر } قال الزهري : كانوا من سبط{[14809]} لم يصبهم جلاء ، وكان الله عز وجل قد كتب عليهم الجلاء ، فلولا ذلك لعذبهم في الدنيا{[14810]} وكان أول حشر حشروا في الدنيا إلى الشام . قال ابن عباس وعكرمة : من شك أن الحشر في الشام فليقرأ هذه الآية ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم : ( اخرجوا ) قالوا إلى أين ؟ قال : ( إلى أرض المحشر ) . قال قتادة : هذا أول المحشر . قال ابن عباس : هم أول من حشر من أهل الكتاب وأخرج من دياره ، وقيل : إنهم أخرجوا إلى خيبر ، وأن معنى " لأول الحشر " إخراجهم من حصونهم إلى خيبر ، وآخره إخراج عمر رضي الله عنه إياهم من خيبر إلى نجد وأذرعات . وقيل تيماء وأريحاء ، وذلك بكفرهم ونقض عهدهم . وأما الحشر الثاني : فحشرهم قرب القيامة ، قال قتادة : تأتي نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب ، تبيت معهم حيث باتوا ، وتقيل معهم حيث قالوا ، وتأكل منهم من تخلف . وهذا ثابت في الصحيح ، وقد ذكرناه في ( كتاب التذكرة ) ، ونحوه روى ابن وهب عن مالك قال : قلت لمالك هو جلاؤهم من ديارهم ؟ فقال لي : الحشر يوم القيامة حشر اليهود . قال : وأجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى خيبر حين سئلوا عن المال فكتموه ، فاستحلهم بذلك . قال ابن العربي : للحشر أول ووسط وآخر ، فالأول إجلاء بني النضير ، والأوسط إجلاء خيبر ، والآخر حشر يوم القيامة . وعن الحسن : هم بنو قريظة . وخالفه بقية المفسرين وقالوا : بنو قريظة ما حشروا ولكنهم قتلوا . حكاه الثعلبي .
الثالثة- قال الكيا الطبري : ومصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم من غير شيء لا يجور الآن ، وإنما كان ذلك في أول الإسلام ثم نسخ ، والآن فلا بد من قتالهم أو سبيهم أو ضرب الجزية عليهم .
قوله تعالى : { ما ظننتم أن يخرجوا } يريد لعظم أمر اليهود ومنعتهم وقوتهم في صدور المسلمين ، واجتماع كلمتهم{[14811]} . " وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم " قيل : هي الوطيح والنَّطاة والسلالم والكتيبة . " من الله " أي من أمره . وكانوا أهل حلقة - أي سلاح كثير - وحصون منيعة ، فلم يمنعهم شيء منها . " فأتاهم الله " أي أمره وعذابه . " من حيث لم يحتسبوا .
أي لم يظنوا . وقيل : من حيث لم يعلموا . وقيل : " من حيث لم يحتسبوا " بقتل كعب بن الأشرف ، قاله ابن جريج والسدي وأبو صالح . " وقذف في قلوبهم الرعب " بقتل سيدهم كعب بن الأشرف ، وكان الذي قتله هو محمد بن مسلمة وأبو نائلة سلكان بن سلامة بن وقش - وكان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة - وعباد بن بشر بن وقش ، والحارث بن أوس بن معاذ ، وأبو عبس بن جبر . وخبره مشهور في السيرة . وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( نصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر ) فكيف لا ينصر به مسيرة ميل من المدينة إلى محلة بني النضير . وهذه خصيصة لمحمد صلى الله عليه وسلم دون غيره .
قوله تعالى : " يخربون بيوتهم " قراءة العامة بالتخفيف من أخرب ، أي يهدمون . وقرأ السلمي والحسن ونصر بن عاصم وأبو العالية وقتادة وأبو عمرو " يخربون " بالتشديد من التخريب . قال أبو عمرو : إنما اخترت التشديد لأن الإخراب ترك الشيء خرابا بغير ساكن ، وبنو النضير لم يتركوها خرابا وإنما خربوها بالهدم ، يؤيده قوله تعالى : " بأيديهم وأيدي المؤمنين " . وقال آخرون : التخريب والإخراب بمعنى واحد ، والتشديد بمعنى التكثير . وحكى سيبويه : أن معنى فعلت وأفعلت يتعاقبان ، نحو أخربته{[14812]} وخربته وأفرحته وفرحته . واختار أبو عبيد وأبو حاتم الأولى . قال قتادة والضحاك : كان المؤمنون يخربون من خارج ليدخلوا ، واليهود يخربون من داخل ليبنوا به ما خرب من حصنهم ، فروي أنهم صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا يكونوا عليه ولا له ، فلما ظهر يوم بدر قالوا : هو النبي الذي نعت{[14813]} في التوراة ، فلا ترد له راية . فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا ، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة ، فخالفوا عليه قريشا عند الكعبة ، فأمر عليه السلام محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعبا غيلة ثم صبحهم بالكتاب ، فقال لهم : اخرجوا من المدينة ، فقالوا : الموت أحب إلينا من ذلك ، فتنادوا بالحرب . وقيل : استمهلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أيام ليتجهزوا للخروج ، فدس إليهم عبدالله بن أبي المنافق وأصحابه لا تخرجوا من الحصن ، فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم ، ولئن أخرجتم لنخرجن معكم . فَدُرِّبُوا على الأزقة وحصنوها إحدى وعشرين ليلة ، فلما قذف الله في قلوبهم الرعب وأيسوا من نصر المنافقين طلبوا الصلح ، فأبى عليهم إلا الجلاء ، على ما يأتي بيانه .
وقال الزهري وابن زيد وعروة بن الزبير : لما صالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على أن لهم ما أقلت الإبل ، كانوا يستحسنون الخشبة والعمود{[14814]} فيهدمون بيوتهم ويحملون ذلك على إبلهم ويخرب المؤمنون باقيها ، وعن ابن زيد أيضا : كانوا يخربونها لئلا يسكنها المسلمون بعدهم . وقال ابن عباس : كانوا كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها ليتسع موضع القتال ، وهم ينقبون دورهم من أدبارها إلى التي بعدها ليتحصنوا فيها ، ويرموا بالتي أخرجوا منها المسلمين . وقيل : ليسدوا بها أزقتهم . وقال عكرمة " بأيديهم " في إخراب دواخلها وما فيها لئلا يأخذه المسلمون . و " أيدي المؤمنين " في إخراب{[14815]} ظاهرها ليصلوا بذلك إليهم . قال عكرمة : كانت منازلهم مزخرفة فحسدوا المسلمين أن يسكنوها " فخربوها من داخل وخربها المسلمون من خارج . وقيل : " يخربون بيوتهم " بنقض المواعدة " وأيدي المؤمنين " بالمقاتلة ، قاله الزهري أيضا . وقال أبو عمرو بن العلاء " بأيديهم " في تركهم لها . و " أيدي المؤمنين " في إجلائهم عنها . قال ابن العربي : التناول للإفساد إذا كان باليد كان حقيقة ، وإذا كان بنقض العهد كان مجازا ، إلا أن قول الزهري في المجاز أمثل من قول أبي عمرو بن العلاء .
قوله تعالى : " فاعتبروا يا أولي الأبصار " أي اتعظوا يا أصحاب العقول والألباب . وقيل : يا من عاين ذلك ببصره ، فهو جمع للبصر . ومن جملة الاعتبار هنا أنهم اعتصموا بالحصون من الله فأنزلهم الله منها . ومن وجوهه : أنه سلط عليهم من كان ينصرهم . ومن وجوهه أيضا : أنهم هدموا أموالهم بأيديهم . ومن لم يعتبر بغيره اعتبر في نفسه . وفي الأمثال الصحيحة : " السعيد من وعظ بغيره " .