التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (153)

الواو عاطفة على جملة : { ألاَّ تشركوا به شيئاً } [ الأنعام : 151 ] لتماثل المعطوفات في أغراض الخطاب وترتيبه ، وفي تخلّل التّذييلات التي عَقِبت تلك الأغراض بقوله : { لعلّكم تعقلون } [ الأنعام : 151 ] { لعلّكم تذّكرون } [ الأنعام : 152 ] { لعلّكم تتّقون } وهذا كلام جامع لاتباع ما يجيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من الوحي في القرآن .

وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وأبو جعفر : { أنّ } بفتح الهمزة وتشديد النّون .

وعن الفراء والكسائي أنَّه معطوف على : { ما حَرّم ربُّكم } [ الأنعام : 151 ] ، فهو في موضع نصب بفعل : { أتْلُ } والتّقدير : وأتْلُ عليكم أنّ هذا صراطي مستقيماً .

وعن أبي عليّ الفارسي : أنّ قيَاس قول سيبويه أنْ تحمل ( أنّ ) ، أي تُعلَّق على قوله : { فاتبعوه } ، والتّقدير : ولأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتَّبعوه ، على قياس قول سيبويه في قوله تعالى : { لإيلاف قريش } [ قريش : 1 ] . وقال في قوله تعالى : { وأنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً } [ الجن : 18 ] المعنى : ولأنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً اهـ .

ف { أنّ } مدخولة للام التّعليل محذوفة على ما هو المعروف من حذفها مع ( أنّ ) و ( أنْ ) . وتقدير النّظم : واتَّبعوا صراطي لأنَّه صراط مستقيم ، فوقع تحويل في النّظم بتقدير التّعليل على الفعل الذي حقّه أن يكون معطوفاً ، فصار التّعليل معطوفاً لتقديمه ليفيد تقديمه تفرّع المعلّل وتسبّبه ، فيكون التّعليل بمنزلة الشّرط بسبب هذا التّقديم ، كأنَّه قيل : لمّا كان هذا صراطي مستقيماً فاتَّبعوه .

وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف : { وإنّ } بكسر الهمزة وتشديد النّون فلا تحويل في نظم الكلام ، ويكون قوله : { فاتبعوه } تفريعاً على إثبات الخبر بأنّ صراطه مسقيم . وقرأ ابن عامر ، ويعقوب : « وأنْ » بفتح الهمزة وسكون النّون على أنَّها مخفّفة من الثّقيلة واسمها ضمير شأن مُقدر والجملة بعده خبره ، والأحسن تخريجها بكون { أنْ } تفسيرية معطوفة على : { ألاَّ تشركوا } [ الأنعام : 151 ] . ووجه إعادة { أنْ } اختلاف أسلوب الكلام عمّا قبله .

والإشارة إلى الإسلام : أي وأنّ الإسلام صراطي ؛ فالإشارة إلى حاضر في أذهان المخاطبين من أثر تكرّر نزول القرآن وسماع أقوال الرّسول عليه الصّلاة والسّلام ، بحيث عرفه النّاس وتبيّنوه ، فنزلّ منزلة المشاهد ، فاستعمل فيه اسم الإشارة الموضوع لتعيين ذات بطريق المشاهدة مع الإشارة ، ويجوز أن تكون الإشارة إلى جميع التّشريعات والمَواعظ التي تقدّمت في هذه السّورة ، لأنَّها صارت كالشّيء الحاضر المشاهد ، كقوله تعالى : { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك } [ آل عمران : 44 ] .

والصّراط : الطّريق الجادة الواسعة ، وقد مَرّ في قوله تعالى : { اهدنا الصّراط المستقيم } [ الفاتحة : 6 ] والمراد الإسلام كما دلّ عليه قوله في آخر السّورة : { قل إنَّنِي هداني ربِّي إلى صراط مستقيم ديناً قيّماً } [ الأنعام : 161 ] لأنّ المقصود منها تحصيل الصّلاح في الدّنيا والآخرة فشبّهت بالطّريق الموصل السّائر فيه إلى غرضه ومقصده .

ولمّا شبّه الإسلام بالصّراط وجعل كالشّيء المشاهد صار كالطّريق الواضحة البيّنة فادّعي أنَّه مستقيم ، أي لا اعوجاج فيه لأنّ الطّريق المستقيم أيسر سلوكاً على السائر وأسرع وصولاً به .

والياء المضاف إليها ( صراط ) تعود على الله ، كما بيّنه قوله : { وإنَّك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله } [ الشورى : 52 ، 53 ] على إحدى طريقتين في حكاية القول إذا كان في المقول ضمير القائل أو ضمير الآمر بالقول ، كما تقدّم عند قوله تعالى : { ما قلت لهم إلاّ ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربِّي وربّكم } في سورة العقود ( 117 ) ، وقد عدل عن طريقة الغيبة ، التي جرى عليها الكلام من قوله : { ما حرم ربكم } [ الأنعام : 151 ] لِغرض الإيماء إلى عصمة هذا الصّراط من الزلل ، لأنّ كونه صراط الله يكفي في إفادة أنَّه موصل إلى النّجاح ، فلذلك صحّ تفريع الأمر باتِّباعه على مجرّد كونه صراط الله . ويجوز عود الياء إلى النّبيء المأمور بالقول ، إلاّ أنّ هذا يستدعي بناء التّفريع بالأمر باتّباعه على ادّعاء أنَّه واضح الاستقامة ، وإلاّ فإنّ كونه طريق النّبيء لا يقتضي تسبّب الأمر باتَّباعه عنه بالنّسبة إلى المخاطبين المكذّبين .

وقوله : { مستقيماً } حال من اسم الإشارة ، وحسَّن وقوعه حالاً أنّ الإشارة بنيت على ادّعاء أنَّه مشاهد ، فيقتضي أنَّه مستحضر في الذّهن بمجمل كلياته وما جرّبوه منه وعرفوه ، وأنّ ذلك يريهم أنَّه في حال الاستقامة كأنَّه أمر محسوس ، ولذلك كثر مجيء الحال من اسم الإشارة نحو : { وهذا بعلي شيخاً } [ هود : 72 ] ولم يأتوا به خبراً .

والسُبُل : الطّرق ، ووقوعها هنا في مقابلة الصّراط المستقيم يدلّ على صفة محذوفة ، أي السّبل المتفرّقة غير المستقيمة ، وهي التي يسمّونها : بُنيات الطّريق ، وهي طرق تتشعّب من السبيل الجادّة ذاهبة ، يسلكها بعض المارّه فرادى إلى بيوتهم أو مراعيهم فلا تبلغ إلى بلد ولا إلى حَيّ ، ولا يستطيع السّيرَ فيها إلاّ مَن عَقَلها واعتادها ، فلذلك سبب عن النّهي قوله : { فتفرق بكم عن سبيله } ، أي فإنَّها طرق متفرّقة فهي تجعل سالكها متفرّقاً عن السّبيل الجادّة ، وليس ذلك لأنّ السّبيل اسم للطّريق الضيقة غير الموصّلة ، فإنّ السّبيل يرادف الصّراط ألا ترى إلى قوله : { قل هذه سبيلي } [ يوسف : 108 ] ، بل لأنّ المقابلة والإخبار عنها بالتَّفرق دلّ على أنّ المراد سبُل خاصّة موصوفة بغير الاستقامة .

والباء في قوله : { بكم } للمصاحبة : أي فتتفرّق السّبل مصاحبة لكم ، أي تتفرّقون مع تفرّقها ، وهذه المصاحبة المجازية تجعل الباء بمنزلة همزة التّعدية كما قاله النّحاة ، في نحو : ذَهَبْتُ بزيد ، أنَّه بمعنى أذهبته ، فيكون المعنى فتُفَرّقَكُم عن سبيله ، أي لا تلاقون سبيلَه .

والضّمير المضاف إليه في : { سبيله } يعود إلى الله تعالى بقرينة المقام ، فإذا كان ضمير المتكلّم في قوله : { صراطي } عائداً لله كان في ضمير { سبيله } التفاتاً عن سبيلي .

روى النّسائي في « سننه » ، وأحمد ، والدارمي في « مسنديهما » ، والحاكم في « المستدرك » ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : خطّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً خطّاً ثمّ قال : " هذا سبيل الله ، ثم خطّ خطوطاً عن يمينه وعن شماله ( أي عن يمين الخطّ المخطوط أوّلاً وعن شماله ) ثمّ قال : « هذه سُبُل على كلّ سبيل منها شيطانٌ يدعو إليها " ثمّ قرأ : { وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتَّبعوه ولا تتَّبعوا السّبل فتَتَفَرّق بكم عن سبيله } . وروى أحمد ، وابن ماجة ، وابن مردويه ، عن جابر بن عبد الله قال : " كنّا عند النّبيء صلى الله عليه وسلم فخطّ خطّاً وخَطّ خطَّين عن يمينه وخَطّ خطيَّن عن يساره ثمّ وضع يده في الخطّ الأوْسط ( أي الذي بين الخطوط الأخرى ) فقال : هذه سبيل الله ، ثم تَلاَ هذه الآية : { وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون } وما وقع في الرّواية الأولى ( وخَطّ خطوطاً ) هو باعتبار مجموع ما على اليمين والشّمال " وهذا رسمه على سبيل التّقريب :

وقوله : { ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون } تذييل تكرير لمِثْليه السّابقين ، فالإشارة ب { ذلكمْ } إلى الصّراط ، والوصاية به معناها الوصاية بما يحتوي عليه .

وجعل الرّجاء للتّقوى لأنّ هذه السّبيل تحتوي على ترك المحرّمات ، وتزيد بما تحتوي عليه من فعل الصّالحات ، فإذا اتَّبعها السّالك فقد صار من المتّقين أي الذين اتَّصفوا بالتَّقوى بمعناها الشّرعي كقوله تعالى : { هدى للمتّقين } [ البقرة : 2 ] .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (153)

الرابعة عشرة - قوله تعالى : " وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه " هذه آية عظيمة عطفها على ما تقدم ، فإنه لما نهى وأمر حذر هنا عن اتباع غير سبيله ، فأمر فيها باتباع طريقه على ما نبينه بالأحاديث الصحيحة وأقاويل السلف . " وأن " في موضع نصب ، أي واتل أن هذا صراطي . عن الفراء والكسائي . قال الفراء : ويجوز أن يكون خفضا ، أي وصاكم به وبأن هذا صراطي . وتقديرها عند الخليل وسيبويه : ولأن هذا صراطي ، كما قال : " وأن المساجد لله{[6896]} " [ الجن : 18 ] وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي " وإن هذا " بكسر الهمزة على الاستئناف ، أي الذي ذكر في الآيات{[6897]} صراطي مستقيما . وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب " وأن هذا " بالتخفيف . والمخففة مثل المشددة ، إلا أن فيه ضمير القصة والشان ، أي وأنه هذا . فهي في موضع رفع . ويجوز النصب . ويجوز أن تكون زائدة للتوكيد ، كما قال عز وجل : " فلما أن جاء البشير{[6898]} " [ يوسف : 96 ] . والصراط : الطريق الذي هو دين الإسلام . " مستقيما " نصب على الحال ، ومعناه مستويا قويما لا اعوجاج فيه . فأمر باتباع طريقه الذي طرقه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وشرعه ونهايته الجنة . وتشعبت منه طرق فمن سلك الجادة نجا ، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار . قال الله تعالى : " ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله " أي تميل . روى الدارمي أبو محمد في مسنده بإسناد صحيح : أخبرنا عفان حدثنا حماد بن زيد حدثنا عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبدالله بن مسعود قال : خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا ، ثم قال : ( هذا سبيل الله ) ثم خط خطوطا عن يمينه وخطوطا عن يساره ثم قال ( هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها ) ثم قرأ هذه الآية . وأخرجه ابن ماجة في سننه عن جابر بن عبدالله قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطا ، وخط خطين عن يمينه ، وخط خطين عن يساره ، ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال : ( هذا سبيل الله - ثم تلا هذه الآية - " وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتعبوا السبل فتفرق بكم عن سبيله " . وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع ، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام . هذه كلها عرضة للزلل ، ومظنة لسوء المعتقد . قاله ابن عطية .

قلت : وهو الصحيح . ذكر الطبري في كتاب آداب النفوس : حدثنا محمد بن عبدالأعلى الصنعاني قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن أبان أن رجلا قال لابن مسعود : ما الصراط المستقيم ؟ قال : تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه وطرفه في الجنة ، وعن يمينه جواد{[6899]} وعن يساره جواد ، وثم رجال يدعون من مر بهم فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار ، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة ، ثم قرأ ابن مسعود : " وأن هذا صراطي مستقيما " الآية . وقال عبدالله بن مسعود : تعلموا العلم قبل أن يقبض ، وقبضه أن يذهب أهله ، ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع{[6900]} ، وعليكم بالعتيق{[6901]} . أخرجه الدارمي . وقال مجاهد في قوله : " ولا تتبعوا السبل " قال : البدع . قال ابن شهاب : وهذا كقوله تعالى : " إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا{[6902]} " [ الأنعام : 159 ] الآية . فالهرب الهرب ، والنجاة النجاة ! والتمسك بالطريق المستقيم والسنن القويم ، الذي سلكه السلف الصالح ، وفيه المتجر الرابح . روى الأئمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أمرتكم به فخذوه وما نهيتكم عنه فانتهوا ) . وروى ابن ماجة وغيره عن العرباض بن سارية قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ، فقلنا : يا رسول الله ، إن هذه لموعظة مودع ، فما تعهد إلينا ؟ فقال :( قد تركتكم على البيضاء{[6903]} ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم والأمور المحدثات فإن كل بدعة ضلالة وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا فإنما المؤمن كالجمل الأنف{[6904]} حيثما قيد انقاد ) أخرجه الترمذي بمعناه وصححه . وروى أبو داود قال حدثنا ابن كثير قال أخبرنا سفيان قال : كتب رجل إلى عمر بن عبدالعزيز يسأل عن القدر ، فكتب إليه{[6905]} : أما بعد ، فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته ، وكفوا مؤونته ، فعليك بلزوم الجماعة فإنها لك بإذن الله عصمة ، ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها أو عبرة فيها ، فإن السنة إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل ، والحمق والتعمق ، فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم ، فإنهم على علم وقفوا ، وببصر نافذ كفوا ، وإنهم على كشف الأمور كانوا أقوى ، وبفضل ما كانوا فيه أولى ، فإن كان الهدي ما أنتم عليه فقد سبقتموهم إليه ، ولئن قلتم إنما حدث بعدهم فما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم ، فإنهم هم السابقون ، قد تكلموا فيه بما يكفي ووصفوا ما يشفي ، فما دونهم من مقصر ، وما فوقهم من مجسر ، وقد قصر قوم دونهم فجفوا ، وطمح عنهم أقوام فغلوا وإنهم مع{[6906]} ذلك لعلى مستقيم . وذكر الحديث . وقال سهل بن عبدالله التستري : عليكم بالاقتداء بالأثر والسنة ، فإني أخاف أنه سيأتي عن قليل زمان إذا ذكر إنسان النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به في جميع أحوال ذموه ونفروا عنه وتبرؤوا منه وأذلوه وأهانوه . قال سهل : إنما ظهرت البدعة على يدي أهل السنة لأنهم ظاهروهم وقاولوهم{[6907]} ؛ فظهرت أقاويلهم وفشت في العامة فسمعه من لم يكن يسمعه ، فلو تركوهم ولم يكلموهم لمات كل واحد منهم على ما في صدره ولم يظهر منه شيء وحمله معه إلى قبره . وقال سهل : لا يحدث أحدكم بدعة حتى يحدث له إبليس عبادة فيتعبد بها ثم يحدث له بدعة ، فإذا نطق بالبدعة ودعا الناس إليها نزع منه تلك الخَذْمَة{[6908]} . قال سهل : لا أعلم حديثا جاء في المبتدعة أشد من هذا الحديث : ( حجب الله الجنة عن صاحب البدعة ) . قال : فاليهودي والنصراني أرجى منهم . قال سهل : من أراد أن يكرم دينه فلا يدخل على السلطان ، ولا يخلون بالنسوان ، ولا يخاصمن أهل الأهواء . وقال أيضا : اتبعوا ولا تبتدعوا ، فقد كفيتم . وفي مسند الدارمي : أن أبا موسى الأشعري جاء إلى عبدالله بن مسعود فقال : يا أبا عبدالرحمن ، إن رأيت في المسجد آنفا شيئا أنكرته ولم أر والحمد لله إلا خيرا ، قال : فما هو ؟ قال : إن عشت فستراه ، قال : رأيت في المسجد قوما حلقا حلقا جلوسا ينتظرون الصلاة ؛ في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول لهم : كبروا مائة ، فيكبرون مائة . فيقول : هللوا مائة ، فيهللون مائة . ويقول : سبحوا مائة ، فيسبحون مائة . قال : فماذا قلت لهم ؟ قال : ما قلت لهم شيئا ، انتظار رأيك وانتظار أمرك . قال أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم ألا يضيع من حسناتهم . ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق ، فوقف عليهم فقال : ما هذا الذي أراكم{[6909]} تصنعون ؟ قالوا : يا أبا عبدالرحمن ، حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح{[6910]} . قال : فعدوا سيئاتكم وأنا ضامن لكم ألا يضيع من حسناتكم شيء ، ويحكم يا أمة محمد ! ما أسرع هلكتكم . أو مفتتحي باب{[6911]} ضلالة ! قالوا : والله يا أبا عبدالرحمن ، ما أردنا إلا الخير . فقال : وكم من مريد للخير لن يصيبه .

وعن عمر بن عبدالعزيز وسأله رجل عن شيء من أهل الأهواء والبدع ، فقال : عليك بدين الأعراب والغلام في الكُتَّاب ، واله عما سوى ذلك . وقال الأوزاعي : قال إبليس لأوليائه من أي شيء تأتون بنى آدم ؟ فقالوا : من كل شيء . قال : فهل تأتونهم من قبل الاستغفار ؟ قالوا : هيهات ! ذلك شيء قرن بالتوحيد . قال : لأبثن فيهم شيئا لا يستغفرون الله منه . قال : فبث فيهم الأهواء . وقال مجاهد : ولا أدري أي النعمتين علي أعظم أن هداني للإسلام ، أو عافاني من هذه الأهواء . وقال الشعبي : إنما سموا أصحاب الأهواء لأنهم يهوون في النار . كله عن الدارمي . وسئل سهل بن عبدالله عن الصلاة خلف المعتزلة والنكاح منهم وتزوجهم . فقال : لا ، ولا كرامة ! هم كفار{[6912]} ، كيف يؤمن من يقول : القرآن مخلوق ، ولا جنة مخلوقة ولا نار مخلوقة ، ولا لله صراط ولا شفاعة ، ولا أحد من المؤمنين يدخل النار ولا يخرج من النار من مذنبي أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا عذاب القبر ولا منكر ولا نكير ، ولا رؤية لربنا في الآخرة ولا زيادة ، وأن علم الله مخلوق ، ولا يرون السلطان ولا جمعة ، ويكفرون من يؤمن بهذا . وقال الفضيل بن عياض : من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله ، وأخرج نور الإسلام من قلبه . وقال سفيان الثوري : البدعة أحب إلى إبليس من المعصية ، المعصية يتاب منها ، والبدعة لا يتاب منها . وقال ابن عباس : النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة وينهى عن البدعة عبادةٌ . وقال أبو العالية : عليكم بالأمر الأول الذي كانوا عليه قبل أن يفترقوا . قال عاصم الأحول : فحدثت به الحسن فقال : قد نصحك والله وصدقك . وقد مضى في " آل عمران " معنى قوله عليه السلام : ( تفرقت بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين فرقة وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ) . الحديث{[6913]} . وقد قال بعض العلماء العارفين : هذه الفرقة التي زادت في فرق أمة محمد صلى الله عليه وسلم هم قوم يعادون العلماء ويبغضون الفقهاء ، ولم يكن ذلك قط في الأمم السالفة . وقد روى رافع بن خديج أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( يكون في أمتي قوم يكفرون بالله وبالقرآن وهم لا يشعرون كما كفرت اليهود والنصارى ) . قال فقلت : جعلت فداك يا رسول الله ! كيف ذاك ؟ قال : ( يقرون ببعض ويكفرون ببعض ) . قال قلت : جعلت فداك يا رسول الله ! وكيف يقولون ؟ قال : ( يجعلون إبليس عدلا لله في خلقه وقوته ورزقه ويقولون الخير من الله والشر من إبليس ) . قال : فيكفرون بالله ثم يقرؤون على ذلك كتاب الله ، فيكفرون بالقرآن بعد الإيمان والمعرفة ؟ قال : ( فما تلقى أمتي منهم من العداوة والبغضاء والجدال أولئك زنادقة هذه الأمة ) . وذكر الحديث .

ومضى في " النساء " وهذه السورة النهي عن مجالسة أهل البدع والأهواء ، وأن من جالسهم حكمه حكمهم فقال : " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا{[6914]} " [ الأنعام : 68 ] الآية . ثم بين في سورة " النساء " وهي مدنية عقوبة من فعل ذلك وخالف ما أمر الله به فقال : " وقد نزل عليكم في الكتاب{[6915]} " [ النساء : 140 ] الآية . فألحق من جالسهم بهم . وقد ذهب إلى هذا جماعة من أئمة هذه الأمة وحكم بموجب هذه الآيات في مجالس{[6916]} أهل البدع على المعاشرة والمخالطة منهم أحمد بن حنبل والأوزاعي وابن المبارك ، فإنهم قالوا في رجل شأنه مجالسة أهل البدع قالوا : ينهى عن مجالستهم ، فإن انتهى وإلا ألحق بهم ، يعنون في الحكم . وقد حمل عمر بن عبدالعزيز الحد على مُجَالِس شَرَبَة الخمر ، وتلا " إنكم إذا مثلهم " . قيل له{[6917]} : فإنه يقول : إني أجالسهم لأباينهم وأرد عليهم . قال{[6918]} ينهى عن مجالستهم ، فإن لم ينته أُلحق بهم .


[6896]:راجع ج 19 ص 19.
[6897]:من ب، ج، ز، ك.
[6898]:راجع ج 9 ص 259.
[6899]:الجواد (بتشديد الدال): الطرق، واحدها جادة وهي سواء الطريق. وقيل: معظمه. وقيل: وسطه.
[6900]:عرف الراغب البدعة بقوله: البدعة في المذهب إيراد قول لم يستن قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة وأماثلها المتقدمة وأصولها المتقنة.
[6901]:العتيق: القديم الأول.
[6902]:راجع ص 149 من هذا الجزء.
[6903]:البيضاء. يريد صلى الله عليه وسلم الملة والحجة الواضحة التي لا تقبل الشبه أصلا.
[6904]:الأنف (ككتف): المأنوف، وهو الذي عقر الخشاش أنفه، فهو لا يمتنع على قائده للوجع الذي به. وقيل : الأنف الذلول.
[6905]:من ك و ز.
[6906]:في ك: بين.
[6907]:في ك و ع: نالوهم.
[6908]:كذا في ب، و ج و ك: الخدمة.
[6909]:عن ك، وسنن الدارمي.
[6910]:عن ك، وسنن الدارمي.
[6911]:كذا في الأصول. والذي في سنن الدارمي المطبوعة والمخطوطة: "... ما أسرع هلكتكم. هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر. والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى، من ملة محمد. أو مفتتحي باب..." الخ. في خ ط دمشق: أو مفتتحوا. على هامش المطبوع: "أو مفتتح" بغير ياء. راجع ج1 ص 68 ط الشام.
[6912]:ليس من أصول أهل السنة تكفير أهل القبلة بخطأ في التأويل. فليتأمل.
[6913]:راجع ج 4 ص 159.
[6914]:راجع ص 12 من هذا الجزء.
[6915]:راجع ج 5 ص 417.
[6916]:في ك: مجالسة.
[6917]:كذا في ك. وفي ب و ج و ز و ي: قيل لهم. قالوا.
[6918]:من ب و ج و ك.