التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{لَا تَقُمۡ فِيهِ أَبَدٗاۚ لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ} (108)

جملة : { لا تقم فيه أبداً } هي الخبر عن اسم الموصول كما قدمْنا . والمراد بالقيام الصلاة لأن أولها قيام .

ووجه النهي عن الصلاة فيه أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فيه تكسبه يُمْناً وبَركة فلا يرى المسلمون لمسجد قباء مزية عليه فيقتصر بنو غُنم وبنو سالم على الصلاة فيه لقربه من منازلهم ، وبذلك يحصل غرض المنافقين من وضعه للتفريق بين جماعة المسلمين . فلما كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فيه مفضية إلى ترويج مقصدهم الفاسد صار ذلك وسيلة إلى مفسدة فتوجه النهي إليه . وهذا لا يطلع على مثله إلا الله تعالى . وهذا النهي يعم جميع المسلمين لأنه لما نهي النبي عن الصلاة فيه علم أن الله سلب عنه وصف المسجدية فصارت الصلاة فيه باطلة لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه ، ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بنَ ياسر ووحشياً مولى المُطعم بن عدي ومالكَ بن الدخشم ومعنَ بن عدي فقال : « انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وحرقوه » ، ففعلوا . وتحريقه تحريق الأعواد التي يتخذ منها السَّقف ، والجذوعِ التي تجعل له أعمدة .

وقوله : { لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه } احتراس مما يستلزمه النهي عن الصلاة فيه من إضاعة عبادةٍ في الوقت الذي رغبوه للصلاة فيه فأمره الله بأن يصلي في ذلك الوقت الذي دعَوه فيه للصلاة في مسجد الضرار أن يصلي في مسجده أو في مسجد قُباء ، لئلا يكون لامتناعه من الصلاة من حظوظ الشيطان أن يكون صرفه عن صلاة في وقت دعي للصلاة فيه ، وهذا أدب نفساني عظيم .

وفيه أيضاً دفع مكيدةِ المنافقين أن يطعنوا في الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه دعي إلى الصلاة في مسجدهم فامتنع ، فقوله : { أحقُّ } وإن كان اسم تفضيل فهو مسلوب المفاضلة لأن النهي عن صلاته في مسجد الضرار أزال كونه حقيقاً بصلاته فيه أصلاً .

ولعل نكتة الإتيان باسم التفضيل أنه تهكم على المنافقين بمُجازاتهم ظاهراً في دعوتهم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة فيه بأنه وإن كان حقيقاً بصلاته بمسجد أسس على التقوى أحق منه ، فيعرف من وصفه بأنه { أسس على التقوى } أن هذا أسس على ضدها .

وثبت في « صحيح مسلم » وغيره عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن المراد من المسجد الذي أسس على التقوى في هذه الآية فقال : « هو مسجدكم هذا » . يعني المسجد النبوي بالمدينة . وثبت في الصحيح أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن الرجال الذين يحبون أن يتطهروا بأنهم بنو عمرو بن عوف أصحاب مسجد قباء . وذلك يقتضي أن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم هو مسجدهم ، لقوله : { فيه رجالٌ } .

ووجه الجمع بين هذين عندي أن يكون المراد بقوله تعالى : { لمسجدٌ أسس على التقوى من أول يوم } المسجد الذي هذه صفته لا مسجداً واحداً معيناً ، فيكون هذا الوصف كلياً انحصر في فَردين المسجدِ النبوي ومسجدِ قُباء ، فأيهما صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي دعوه فيه للصلاة في مسجدِ الضرار كانَ ذلك أحق وأجدر ، فيحصل النجاء من حظ الشيطان في الامتناع من الصلاة في مَسجدهم ، ومن مطاعنهم أيضاً ، ويحصل الجمع بين الحديثين الصحيحين . وقد كان قيام الرسول في المسجد النبوي هو دأبَه .

ومن جليل المنازع من هذه الآية ما فيها من حجة لصحة آراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جعلوا العام الذي كان فيه يوم الهجرة مبدأ التاريخ في الإسلام . وذلك ما انتزعه السهيلي في « الروض الأنف » في فصل تأسيس مسجدِ قباء إذ قال : « وفي قوله سبحانه : { من أول يوم } ( وقد علم أنه ليس أولَ الأيام كلها ولا أضافَه إلى شيء في اللفظ الظاهر فيه ) من الفقه صحة ما اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم مع عمر حين شاورهم في التاريخ ، فاتفق رأيهم أن يكون التاريخ من عَام الهجرة لأنه الوقت الذي عز فيه الإسلام وأمِن فيه النبي صلى الله عليه وسلم فوافق هذا ظاهر التنزيل » .

وجملة : { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } ثناء على مؤمني الأنصار الذين يصلون بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمسجد قباء . وجاء الضمير مفرداً مراعاة للفظ ( مَسجد ) الذي هو جنس ، كالإفراد في قوله تعالى : { وتؤمنون بالكتاب كله } [ آل عمران : 119 ] . وفيه تعريض بأن أهل مسجد الضرار ليسوا كذلك .

وقد كان المؤمنون من الأنصار يجمعون بين الاستجمار بالأحجار والغسل بالماء كما دل عليه حديث رواه الدارقطني عن أبي أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } فقال : " يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيراً في الطُهور فما طُهوركم ؟ قالوا : إنَّ أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء . قال : هو ذلك فعليكموه " ، فهذا يعم الأنصار كلهم . ولا يعارضه حديث أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل أهل قباء عن طهارتهم لأن أهل قباء هم أيضاً من الأنصار ، فسؤاله إياهم لتحقق اطراد هذا التطهر في قبائل الأنصار .

وأطلقت المحبة في قوله : { يحبون } كناية عن عمل الشيء المحبوب لأن الذي يحب شيئاً ممكناً يعمله لا محالة . فقصد التنويه بهم بأنهم يتطهرون تقرباً إلى الله بالطهارة وإرضاء لمحبة نفوسهم إياها ، بحيث صارت الطهارة خُلقاً لهم فلو لم تجب عليهم لفعلوها من تلقاء أنفسهم .

وجملة : { والله يحب المطهرين } تذييل . وفيه إشارة إلى أن نفوسهم وافقت خلقاً يحبه الله تعالى . وكفى بذلك تنويهاً بزكاء أنفسهم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَا تَقُمۡ فِيهِ أَبَدٗاۚ لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ} (108)

فيه إحدى عشرة مسألة :

الأولى - قوله تعالى : " لا تقم فيه أبدا " يعني مسجد الضرار ، أي لا تقم فيه للصلاة . وقد يعبر عن الصلاة بالقيام ، يقال : فلان يقوم الليل أي يصلي ، ومنه الحديث الصحيح : ( من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) . أخرجه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال . . . ، فذكره . وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية كان لا يمر بالطريق التي فيها المسجد ، وأمر بموضعه أن يتخذ كناسة{[8286]} تلقى فيها الجيف والأقذار والقمامات .

الثانية - قوله تعالى : " أبدا " " أبدا " ظرف زمان . وظرف الزمان على قسمين : ظرف مقدر كاليوم ، وظرف مبهم كالحين والوقت ، والأبد من هذا القسم ، وكذلك الدهر . وتنشأ هنا مسألة أصولية ، وهي أن " أبدا " وإن كانت ظرفا مبهما لا عموم فيه ولكنه إذا اتصل بلا النافية أفاد العموم ، فلو قال : لا تقم ، لكفى في الانكفاف المطلق . فإذا قال : " أبدا " فكأنه قال في وقت من الأوقات ولا في حين من الأحيان . فأما النكرة في الإثبات إذا كانت خبرا عن واقع لم تعم ، وقد فهم ذلك أهل اللسان وقضى به فقهاء الإسلام فقالوا : لو قال رجل لامرأته أنت طالق أبدا طلقت طلقة واحدة .

الثالثة - قوله تعالى : " لمسجد أسس على التقوى " أي بنيت جدره ورفعت قواعده . والأسس أصل البناء ، وكذلك الأساس . والأسس مقصور منه . وجمع الأس إساس ، مثل عس وعساس . وجمع الأساس أسس ، مثل قذال وقذل . وجمع الأسس أساس ، مثل سبب وأسباب . وقد أسست البناء تأسيسا . وقولهم : كان ذلك على أس الدهر ، وأس الدهر ، وإس الدهر ؛ ثلاث لغات ، أي على قدم الدهر ووجه الدهر . واللام في قوله " لمسجد " لام قسم . وقيل لام الابتداء ؛ كما تقول : لزيد أحسن الناس فعلا ؛ وهي مقتضية تأكيدا . " أسس على التقوى " نعت لمسجد . " أحق " خبر الابتداء الذي هو " لمسجد " ومعنى التقوى هنا الخصال التي تتقى بها العقوبة ، وهي فعلى من وقيت ، وقد تقدم{[8287]} .

الرابعة - واختلف العلماء في المسجد الذي أسس على التقوى ، فقالت طائفة : هو مسجد قباء ، يروى عن ابن عباس والضحاك والحسن . وتعلقوا بقول : " من أول يوم " ، ومسجد قباء كان أسس بالمدينة أول يوم ، فإنه بني قبل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن عمر وابن المسيب ، ومالك فيما رواه عنه ابن وهب وأشهب وابن القاسم . وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري : قال تمارى{[8288]} رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم ، فقال رجل هو مسجد قباء ، وقال آخر هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هو مسجدي هذا ) . قال{[8289]} حديث صحيح . والقول الأول أليق بالقصة ؛ لقوله : " فيه " وضمير الظرف يقتضي الرجال المتطهرين ، فهو مسجد قباء . والدليل على ذلك حديث أبي هريرة قال : نزلت هذه الآية في أهل قباء " فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين " قال : كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية . قال الشعبي : هم أهل مسجد قباء ، أنزل الله فيهم هذا . . وقال قتادة : لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء : ( إن الله سبحانه قد أحسن عليكم الثناء في التطهر فما تصنعون ) ؟ قالوا : إنا نغسل أثر الغائط والبول بالماء . رواه أبو داود . وروى الدارقطني عن طلحة بن نافع قال : حدثني أبو أيوب وجابر بن عبدالله وأنس بن مالك الأنصاريون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية " فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين " فقال : ( يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيرا في الطهور فما طهوركم هذا ) ؟ قالوا : يا رسول الله ، نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فهل مع ذلك من غيره ) ؟ فقالوا : لا غير ، إن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء . قال : ( هو ذاك فعليكموه ) . وهذا الحديث يقتضي أن المسجد المذكور في الآية هو مسجد قباء ، إلا أن حديث أبي سعيد الخدري نص فيه النبي صلى الله عليه وسلم على أنه مسجده فلا نظر معه . وقد روى أبو كريب قال : حدثنا أبو أسامة قال حدثنا صالح بن حيان قال حدثنا عبدالله بن بريدة في قوله عز وجل : " في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه{[8290]} " [ النور : 36 ] قال : إنما هي أربعة مساجد لم يبنهن إلا نبي : الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، وبيت أريحا بيت المقدس بناه داود وسليمان عليهما السلام ، ومسجد المدينة ومسجد قباء اللذين أسسا على التقوى ، بناهما رسول الله صلى الله عليه وسلم .

الخامسة - قوله تعالى : " من أول يوم " " من " عند النحويين مقابلة منذ ، فمنذ في الزمان بمنزلة من في المكان . فقيل : إن معناه هنا معنى منذ . والتقدير : منذ أول يوم ابتدئ بنيانه . وقيل : المعنى من تأسيس أول الأيام ، فدخلت على مصدر الفعل الذي هو أسس ، كما قال :

لمن الديارُ بقُنَّة الحِجْرِ*** أَقْوَيْنَ من حِجَجٍ ومن دَهْرِ{[8291]}

أي من مر حجج ومن مر دهر . وإنما دعا إلى هذا أن من أصول النحويين أن " من " لا يجر بها الأزمان ، وإنما تجر الأزمان بمنذ ، تقول ما رأيته منذ شهر أوسنة أو يوم ، ولا تقول : من شهر ولا من سنة ولا من يوم . فإذا وقعت في الكلام وهي يليها زمن فيقدر مضمر يليق أن يجر بمن ؛ كما ذكرنا في تقدير البيت . ابن عطية . ويحسن عندي أن يستغنى في هذه الآية عن تقدير ، وأن تكون " من " تجر لفظة " أول " لأنها بمعنى البداءة ، كأنه قال : من مبتدأ الأيام .

السادسة - قوله تعالى : " أحق أن تقوم فيه " أي بأن تقوم ، فهو في موضع نصب . و " أحق " هو أفعل من الحق ، وأفعل لا يدخل إلا بين شيئين مشتركين ، لأحدهما في المعنى الذي اشتركا فيه مزية . على الآخر ، فمسجد الضرار وإن كان باطلا لاحق فيه ، فقد اشتركا في الحق من جهة اعتقاد بانيه ، أو من جهة اعتقاد من كان يظن أن القيام فيه جائز للمسجدية ، لكن أحد الاعتقادين باطل باطنا عند الله ، والآخر حق باطنا وظاهرا ، ومثل هذا قوله تعالى : " أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا{[8292]} " [ الفرقان : 24 ] ومعلوم أن الخيرية من النار مبعودة ، ولكنه جرى على اعتقاد كل فرقة أنها على خير وأن مصيرها إليه خير ؛ إذ كل حزب بما لديهم فرحون . وليس هذا من قبيل : العسل أحلى من الخل ، فإن العسل وإن كان حلوا فكل شيء ملائم فهو حلو ، ألا ترى أن من الناس من يقدم الخل على العسل{[8293]} مفردا بمفرد ومضافا إلى غيره بمضاف .

السابعة - قوله تعالى : " فيه " من قال : إن المسجد يراد به مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فالهاء في " أحق أن تقوم فيه " عائد إليه . و " فيه رجال " له أيضا . ومن قال : إنه مسجد قباء ، فالضمير في " فيه " عائد إليه على الخلاف المتقدم .

الثامنة - أثنى الله سبحانه وتعالى في هذه الآية على من أحب الطهارة وآثر النظافة ، وهي مروءة آدمية ووظيفة شرعية ، وفى الترمذي عن عائشة رضوان الله عليها أنها قالت :( مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم ) . قال : حديث صحيح . وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يحمل الماء معه في الاستنجاء ، فكان يستعمل الحجارة تخفيفا ) الماء تطهيرا . ابن العربي : وقد كان علماء القيروان يتخذون في متوضآتهم أحجارا في تراب ينقون بها ثم يستنجون بالماء .

التاسعة - اللازم من نجاسة المخرج التخفيف ، وفي نجاسة سائر البدن والثوب التطهير . وذلك رخصة من الله لعباده في حالتي وجود الماء وعدمه ، وبه قال عامة العلماء . وشذ ابن حبيب فقال : لا يستجمر بالأحجار إلا عند عدم الماء . والأخبار الثابتة في الاستجمار بالأحجار مع وجود الماء ترده .

العاشرة - واختلف العلماء من هذا الباب في إزالة النجاسة من الأبدان والثياب ، بعد إجماعهم على التجاوز والعفو عن دم البراغيث ما لم يتفاحش على ثلاثة أقوال : الأول : أنه واجب فرض ، ولا تجوز صلاة من صلى بثوب نجس عالما كان بذلك أو ساهيا ، روي عن ابن عباس والحسن وابن سيرين ، وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور ، ورواه ابن وهب عن مالك ، وهو قول أبي الفرج المالكي والطبري ، إلا أن الطبري قال : إن كانت النجاسة قدر الدرهم أعاد الصلاة . وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف في مراعاة قدر الدرهم قياسا على حلقة الدبر . وقالت طائفة : إزالة النجاسة واجبة بالسنة من الثياب والأبدان ، وجوب سنة وليس بفرض . قالوا : ومن صلى بثوب نجس أعاد الصلاة في الوقت فإن خرج الوقت فلا شيء عليه ، هذا قول مالك وأصحابه إلا أبا الفرج ، ورواية ابن وهب عنه . وقال مالك في يسير الدم : لا تعاد منه الصلاة في الوقت ولا بعده ، وتعاد من يسير البول والغائط ؛ ونحو هذا كله من مذهب مالك قول الليث . وقال ابن القاسم عنه : تجب إزالتها في حالة الذكر دون النسيان ، وهي من مفرداته . والقول الأول أصح إن شاء الله ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين فقال :( إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله . . . ) . الحديث ، خرجه البخاري ومسلم ، وحسبك . وسيأتي في سورة [ سبحان{[8294]} ] . قالوا : ولا يعذب الإنسان إلا على ترك واجب ، وهذا ظاهر . وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أكثر عذاب القبر من البول{[8295]} ) . احتج الآخرون( بخلع النبي صلى الله عليه وسلم نعليه في الصلاة لما أعلمه جبريل عليه السلام أن فيهما قذرا وأذى . . . ) الحديث . خرجه أبو داود وغيره من حديث أبي سعيد الخدري ، وسيأتي في سورة [ طه ] إن شاء الله تعالى{[8296]} . قالوا : ولما لم يعد ما صلى دل على أن إزالتها سنة وصلاته صحيحة ، ويعيد ما دام في الوقت طلبا للكمال . والله أعلم .

الحادية عشرة - قال القاضي أبو بكر بن العربي : وأما الفرق بين القليل والكثير بقدر الدرهم البغلي{[8297]} ؛ يعني كبار الدراهم التي هي على قدر استدارة الدينار{[8298]} قياسا على المسربة{[8299]} ففاسد من وجهين : أحدهما : أن المقدرات لا تثبت قياسا فلا يقبل هذا التقدير . الثاني : أن هذا الذي خفف عنه في المسربة رخصة للضرورة ، والحاجة والرخص لا يقاس عليها ؛ لأنها خارجة عن القياس فلا ترد إليه .


[8286]:في ج: مزبلة، وفي ى: كناسة مزبلة.
[8287]:راجع ج 1 ص 161.
[8288]:الممارة: المجادلة.
[8289]:من ج و هـ،: وفي ع: قال هو.
[8290]:راجع ج 12 ص 264 فما بعد.
[8291]:هذا البيت مطلع قصيدة لزهير بن أبي سلمى مدح بها هرم بن سنان. والقنة (بالضم): أعلى الجبل: وأراد بها هنا ما أشرف من الأرض. والحجر (بكسر الحاء): منازل ثمود بناحية الشام عند وادي القرى. وأقوين: خلون وأقفرن. والحجج: السنون. (راجع هذا البيت والكلام عليه في الشاهد الرابع والسبعين بعد السبعمائة من خزانة الأدب للبغدادي).
[8292]:راجع ج 13 ص.
[8293]:كذا في الأصول.
[8294]:راجع ج 10 ص 216.
[8295]:رواه أحمد وابن ماجه والحاكم. وفي الأصول: في البول. وهو خطأ الناسخ .
[8296]:راجع ج 11 ص 171 فما بعد.
[8297]:دراهم ضربها رأس البغل لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
[8298]:زيادة عن ابن العربي.
[8299]:المسربة (بفتح الراء وضمها) : مجرى الحدث من الدبر، يريد أعلى الحلقة.