لما كان الاجتماع للرسول في الأمور يقع بعدَ دَعوته الناس للاجتماع وقد أمرهم الله أن لا ينصرفوا عن مجامع الرسول صلى الله عليه وسلم إلا لعذر بعد إذنه أنبأهم بهذه الآية وجوب استجابة دعوة الرسول إذا دعاهم . وقد تقدم قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم } في سورة الأنفال ( 24 ) . والمعنى : لا تجعلوا دعوة الرسول إياكم للحضور لديه مخيَّرين في استجابتها كما تتخيرون في استجابة دعوة بعضكم بعضاً ، فوجه الشبه المنفي بين الدعوتين هو الخيار في الإجابة . والغرض من هذه الجملة أن لا يتوهموا أن الواجب هو الثبات في مجامع الرسول إذا حضروها ، وأنهم في حضورها إذا دُعوا إليها بالخيار ، فالدعاء على هذا التأويل مصدر دعاه إذا ناداه أو أرسل إليه ليحضر .
وإضافة { دعاء } إلى { الرسول } من إضافة المصدر إلى فاعله . ويجوز أن تكون إضافة { دعاء } من إضافة المصدر إلى مفعوله والفاعل المقدر ضمير المخاطبين . والتقدير : لا تجعلوا دعاءكم الرسولَ ، فالمعنى نهيهم .
ووقع الالتفات من الغيبة إلى خطاب المسلمين حثّاً على تلقي الجملة بنشاط فهممٍ ، فالخطاب للمؤمنين الذين تحدث عنهم بقوله : { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله } [ النور : 62 ] وقوله : { إن الذين يستأذنونك } [ النور : 62 ] الخ . نُهوا عن أن يدْعوا الرسول عند مناداته كما يدعو بعضهم بعضاً في اللفظ أو في الهيئة . فأما في اللفظ فبأن لا يقولوا : يا محمد ، أو يا ابن عبد الله ، أو يا ابن عبد المطلب ، ولكن يا رسول الله ، أو يا نبيء الله ، أو بكنيته يا أبا القاسم . وأما في الهيئة فبأن لا يدعُوه من وراء الحجرات ، وأن لا يُلحوا في دعائه إذا لم يخرج إليهم ، كما جاء في سورة الحجرات . لأن ذلك كله من الجلافة التي لا تليق بعظمة قدر الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا أدب للمسلمين وسدّ لأبواب الأذى عن المنافقين . وإذ كانت الآية تحتمل ألفاظُها هذا المعنى صح للمتدبر أن ينتزع هذا المعنى منها إذ يكفي أن يأخذ من لاح له معنى ما لاح له .
و { بينكم } ظرف إما لغو متعلق ب { تجعلوا } ، أو مستقِرّ صفة ل { دعاء } ، أي دعاءه في كلامكم . وفائدة ذكره على كلا الوجهين التعريض بالمنافقين الذين تمالؤوا بينهم على التخلف عن رسول الله إذا دعاهم كلما وجدوا لذلك سبيلاً كما أشار إليه قوله تعالى : { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله } [ التوبة : 120 ] . فالمعنى . لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كما جعل المنافقون بينهم وتواطأوا على ذلك .
وهذه الجملة معترضة بين جملة : { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله } [ النور : 62 ] وما تبعها وبين جملة : { قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً } .
وجملة : { قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً } استئناف تهديد للذين كانوا سبب نزول آية { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله } [ النور : 62 ] الآية ، أي أولئك المؤمنون وضدهم المعرض بهم ليسوا بمؤمنين . وقد علِمَهم الله وأطلع على تسللهم .
( وقد ) لتحقيق الخبر لأنهم يظنون أنهم إذا تسللوا متستّرين لم يطلع عليهم النبي فأعلمهم الله أنه عَلمهم ، أي أنه أعْلم رسوله بذلك .
ودخول ( قد ) على المضارع يأتي للتكثير كثيراً لأن ( قد ) فيه بمنزلة ( رب ) تستعمل في التكثير ، ومنه قوله تعالى : { قد يعلم الله المعوقين منكم } [ الأحزاب : 18 ] وقول زهير :
أخو ثقةٍ لا تُهلك الخمرُ مالَه *** ولكنه قد يُهلك المَالَ نائلُه
و { الذين يتسللون } هم المنافقون . والتسلل : الانسلال من صُبرة ، أي الخروج منه بخفية خروجاً كأنه سَلّ شيء من شيء . يقال : تسلل ، أي تكلف الانسلال مثل ما يقال : تدخل إذا تكلف إدخال نفسه .
واللواذ : مصدر لاَوَذَهُ ، إذا لاَذَ به ولاذَ به الآخر . شبه تستر بعضهم ببعض عن اتفاق وتآمر عند الانصراف خفية بلوذ بعضهم ببعض لأن الذي ستر الخارج حتى يخرج هو بمنزلة من لاذ به أيضاً فجعل حصول فعله مع فعل اللائذ كأنه مفاعلة من اللوذ .
وانتصب { لواذاً } على الحال لأنه في تأويل اسم الفاعل .
و { منكم } متعلق ب { يتسللون } . وضمير { منكم } خطاب للمؤمنين ، أي قد علم الله الذين يخرجون من جماعتكم متسللّين ملاوذين .
وفرع على ما تضمنته جملة : { قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً } تحذير من مخالفة ما نهى الله عنه بقوله : { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم } الآية بعد التنبيه على أنه تعالى مطلع على تسللهم .
والمخالفة : المغايرة في الطريق التي يمشي فيها بأن يمشي الواحد في طريق غير الطريق الذي مشى فيه الآخر ، ففعلها متعدّ . وقد حذف مفعوله هنا لظهور أن المراد الذين يخالفون الله ، وتعدية فعل المخالفة بحرف ( عن ) لأنَّه ضُمّن معنى الصدود كما عُدّي ب ( إلى ) في قوله تعالى : { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } لما ضمن معنى الذهاب . يقال خالفه إلى الماء ، إذا ذهب إليه دونه ، ولو تُرِكت تعديته بحرف جر لأفاد أصل المخالفة في الغرض المسوق له الكلام .
وضمير { عن أمره } عائد إلى الله تعالى . والأمر هو ما تضمنه قوله : { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً } فإن النهي عن الشيء يستلزم الأمرَ بضده فكأنه قال : اجعلوا لدعاء الرسول الامتثال في العلانية والسر . وهذا كقول ابن أبي ربيعة :
فقلْنَ لها سراً فديناكِ لا يرُحْ *** صحيحاً وإن لم تقتليه فألمم
فجعل قولهن : « لا يَرح صحيحاً » وهو نهي في معنى : اقتليه ، فبنى عليه قوله : « وإن لَم تَقتليه فألمم » .
والحذر : تجنب الشيء المخيف . والفتنة : اضطراب حال الناس ، وقد تقدمت عند قوله تعالى : { والفتنة أشد من القتل } في البقرة ( 191 ) . والعذاب الأليم هنا عذاب الدنيا ، وهو عذاب القتل .
ويلتفت إلى ضرورة توقير الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] عند الاستئذان ، وفي كل الأحوال . فلا يدعى باسمه : يا محمد . أو كنيته : يا أبا القاسم . كما يدعو المسلمون بعضهم بعضا . إنما يدعى بتشريف الله له وتكريمه : يا نبي الله . يا رسول الله :
( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ) . .
فلا بد من امتلاء القلوب بالتوقير لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] حتى تستشعر توقير كل كلمة منه وكل توجيه . وهي لفتة ضرورية . فلا بد للمربي من وقار ، ولا بد للقائد من هيبة . وفرق بين أن يكون هو متواضعا هينا لينا ؛ وأن ينسوا هم أنه مربيهم فيدعوه دعاء بعضهم لبعض . . يجب أن تبقى للمربي منزلة في نفوس من يربيهم يرتفع بها عليهم في قرارة شعورهم ، ويستحيون هم أن يتجاوزوا معها حدود التبجيل والتوقير .
ثم يحذر المنافقين الذين يتسللون ويذهبون بدون إذن ، يلوذ بعضهم ببعض ، ويتدارى بعضهم ببعض . . فعين الله عليهم ، وإن كانت عين الرسول لا تراهم : ( قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ) . . وهو تعبير يصور حركة التخلي والتسلل بحذر من المجلس ؛ ويتمثل فيها الجبن عن المواجهة ، وحقارة الحركة والشعور المصاحب لها في النفوس .
( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) . .
وإنه لتحذير مرهوب ، وتهديد رعيب . . فليحذر الذين يخالفون عن أمره ، ويتبعون نهجا غير نهجه ، ويتسللون من الصف ابتغاء منفعة أو اتقاء مضرة . ليحذروا أن تصيبهم فتنة تضطرب فيها المقاييس ، وتختل فيها الموازين ، وينتكث فيها النظام ، فيختلط الحق بالباطل ، والطيب بالخبيث ، وتفسد أمور الجماعة وحياتها ؛ فلا يأمن على نفسه أحد ، ولا يقف عند حده أحد ، ولا يتميز فيها خير من شر . . وهي فترة شقاء للجميع :
( أو يصيبهم عذاب أليم )في الدنيا أو في الآخرة . جزاء المخالفة عن أمر الله ، ونهجه الذي ارتضاه للحياة . ويختم هذا التحذير ، ويختم معه السورة كلها بإشعار القلوب المؤمنة والمنحرفة بأن الله مطلع عليها ، رقيب على عملها ، عالم بما تنطوي عليه وتخفيه .
قوله تعالى : " لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا " يريد : يصيح من بعيد : يا أبا القاسم ! بل عظموه كما قال في الحجرات : " إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله " {[12086]} [ الحجرات :3 ] الآية . وقال سعيد بن جبير ومجاهد : المعنى قولوا يا رسول الله ، في رفق ولين ، ولا تقولوا يا محمد بتجهم . وقال قتادة : أمرهم أن يشرفوه ويفخموه . ابن عباس : لا تتعرضوا لدعاء الرسول عليكم بإسخاطه فإن دعوته موجبة . " قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا " التسلل والانسلال : الخروج واللواذ من الملاوذة ، وهي أن تستتر بشيء مخافة من يراك ، فكان المنافقون يتسللون عن صلاة الجمعة . " لواذا " مصدر في موضع الحال ، أي متلاوذين ، أي يلوذ بعضهم ببعض ، ينضم إليه استتارا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لم يكن على المنافقين أثقل من يوم الجمعة وحضور الخطبة ؛ حكاه النقاش ، وقد مضى القول فيه . وقيل : كانوا يتسللون في الجهاد رجوعا عنه يلوذ بعضهم ببعض . وقال الحسن : لواذا فرارا من الجهاد ؛ ومنه قول حسان :
وقريشٌ تجول منا{[12087]} لِوَاذا *** لم تحافظ وخَفّ منها الحُلُومُ
وصحت واوها لتحركها في لاوذ . يقال : لاوذ يلاوِذ ملاوذة ولِواذا . ولاذ يلوذ لوذا ولياذا ، انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها اتباعا للاذ في الاعتلال ، فإذا كان مصدر فاعل لم يعل ؛ لأن فاعل لا يجوز أن يعل .
قوله تعالى : " فليحذر الذين يخالفون عن أمره " بهذه الآية احتج الفقهاء على أن الأمر على الوجوب . ووجهها أن الله تبارك وتعالى قد حذر من مخالفة أمره ، وتوعد بالعقاب عليها بقوله : " أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم " فتحرم مخالفته ، فيجب امتثال أمره . والفتنة هنا القتل ؛ قاله ابن عباس . عطاء : الزلازل والأهوال . جعفر بن محمد : سلطان جائر يسلط عليهم . وقيل : الطبع على القلوب بشؤم مخالفة الرسول . والضمير في " أمره " قيل هو عائد إلى أمر الله تعالى ، قاله يحيى بن سلام . وقيل : إلى أمر رسوله عليه السلام ، قاله قتادة . ومعنى " يخالفون عن أمره " أي يعرضون عن أمره . وقال أبو عبيدة والأخفش : " عن " في هذا الموضع زائدة . وقال الخليل وسيبويه : ليست بزائدة ، والمعنى : يخالفون بعد أمره ، كما قال :
. . . لم تَنْتَطِقْ عن تَفَضُّلِ{[12088]}
ومنه قوله : " ففسق عن أمر ربه " {[12089]} [ الكهف : 50 ] أي بعد أمر ربه . و " أن " في موضع نصب " بيحذر " . ولا يجوز عند أكثر النحويين حذر زيدا ، وهو في " أن " جائز ؛ لأن حروف الخفض تحذف معها .