قوله تعالى : { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } الآية . اعلم أن الوراثة كانت في الجاهلية بالذكورة والقوة فكانوا يورثون الرجال دون النساء والصبيان ، فأبطل الله ذلك بقوله : { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون } الآية . وكانت أيضاً في الجاهلية وابتداء الإسلام بالمحالفة ، قال الله تعالى : { والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } ثم صارت الوراثة بالهجرة ، قال الله تعالى : { والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا } . فنسخ ذلك كله وصارت الوراثة بأحد الأمور الثلاثة : بالنسب والنكاح والولاء ، والمعنى بالنسب أن القرابة يرث بعضهم من بعض لقوله تعالى { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } والمعنى بالنكاح : أن أحد الزوجين يرث صاحبه ، وبالولاء : أن المعتق وعصباته يرثون المعتق ، فنذكر بعون الله تعالى فصلاً وجيزاً في بيان من يرث من الأقارب ؟ وكيفية توريث الورثة ؟ فنقول : إذا مات ميت وله مال فيبدأ بتجهيزه ، ثم بقضاء ديونه ، ثم بإنفاذ وصاياه ، فما فضل يقسم بين الورثة . على ثلاثة أقسام : منهم من يرث بالفرض ، ومنهم من يرث بالتعصيب ، ومنهم من يرث بهما جميعاً . فمن يرث بالنكاح لا يرث إلا بالفرض ، ومن يرث بالولاء لا يرث إلا بالتعصيب ، أما من يرث بالقرابة فمنهم من يرث بالفرض كالبنات والأخوات والأمهات والجدات وأولاد الأم . ومنهم من يرث بالتعصيب كالبنين ، والإخوة ، وبني الأعمام وبنيهم ، ومنهم من يرث بهما كالأب يرث بالتعصيب إذا لم يكن للميت ولد ، فإن كان للميت ابن : فيرث الأب بالفرض السدس ، وإن كان للميت بنت فيرث الأب السدس بالفرض ويأخذ الباقي بعد نصيب البنت بالتعصيب ، وكذلك الجد وصاحب التعصيب من يأخذ جميع المال عند الانفراد ويأخذ ما فضل عن أصحاب الفرائض وجملة الورثة سبعة عشر : عشرة من الرجال وسبع من النساء ، فمن الرجال : الابن ، وابن الابن وإن سفل ، والأب ، والجد أبو الأب وإن علا ، والأخ ، سواء كان لأب وأم أو لأب ، أو لأم ، وابن الأخ للأم ، أو للأب ، وإن سفل ، والعم للأب والأم ، أو للأب . وأبناؤهما وإن سفلوا ، والزوج ومولى العتاق . ومن النساء : البنت ، وبنت الابن وإن سفلت ، والجدة أم الأم وأم الأب ، والأخت ، سواء كانت لأب وأم أو لأب أو لأم ، والزوجة ، ومولاة العتاق . وستة من هؤلاء لا يلحقهم حجب الحرمات بالغير : الأبوان والولدان ، والزوجان ، لأنه ليس بينهم وبين الميت واسطة . والأسباب التي توجب حرمان الميراث أربعة : اختلاف الدين ، والرق ، والقتل ، وعمى الموت . ونعني باختلاف الدين أن الكافر لا يرث المسلم والمسلم لا يرث الكافر ، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي الخطيب ، أنا عبد العزيز بن احمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أخبرنا الشافعي أنا ابن عيينة ، عن الزهري ، عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان ، عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ) . فأما الكفار فيرث بعضهم من بعض مع اختلاف مللهم ، لأن الكفر كله ملة واحدة ، لقوله تعالى : { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } . وذهب بعضهم إلى أن اختلاف الملل في الكفر يمنع التوارث حتى لا يرث اليهودي النصراني ولا النصراني المجوسي وإليه ذهب الزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يتوارث أهل ملتين شتى ) . وتأوله الآخرون على الإسلام مع الكفر . وأما الكفر فكله ملة واحدة فتوريث بعضهم من بعض لا يكون فيه إثبات التوراث بين أهل ملتين شتى ، والرقيق لا يرث أحداً ولا يرثه أحد لأنه لا ملك له لا فرق فيه بين القن ، والمدبر ، والمكاتب ، وأم الولد . والقتل يمنع الميراث عمداً كان أو خطأ لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( القاتل لا يرث ) .
ونعني بعمى الموت أن المتوارثين إذا عمي موتهما بأن غرقاً في ماء ، أو انهدم عليهما بناء ، فلم يدر أيهما سبق موته فلا يورث أحدهما من الآخر بل ميراث كل واحد منهما لمن كانت حياته يقيناً بعد موته من ورثته . والسهام المحدودة في الفرائض ستة : النصف ، والربع ، والثمن ، والثلثان ، والثلث ، والسدس .
فالنصف فرض ثلاثة : فرض الزوج عند عدم الولد ، وفرض البنت الواحدة للصلب أو لبنت الابن عند عدم ولد الصلب ، وفرض الأخت الواحدة للأب والأم أو للأب إذا لم يكن ولد الأب وأم .
والربع فرض الزوج اثنين : فرض الزوج إذا كان للميت ولد ، وفرض الزوجة إذا لم يكن للميت ولد .
والثمن : فرض الزوجة إذا كان للميت ولد .
والثلثان فرض البنتين للصلب فصاعداً ، ولبنتي الابن فصاعداً عند عدم ولد الصلب ، وفرض الأختين لأب وأم أو للأب فصاعداً .
والثلث فرض ثلاثة : فرض الأم إذا لم يكن للميت ولد ولا اثنان من الإخوة والأخوات ، إلا في مسألتين : أحدهما زوج وأبوان ، والثانية زوجة وأبوان ، فإن للأم فيهما ثلث ما بقي بعد نصيب الزوج أو الزوجة ، وفرض لاثنين فصاعداً من أولاد الأم ذكرهم وأنثاهم فيه سواء ، وفرض الجد مع الإخوة إذ لم يكن في المسألة صاحب فرض ، وكان الثلث خيراً للجد من المقاسمة مع الإخوة . وأما السدس ففرض سبعة : فرض الأب إذا كان للميت ولد ، وفرض الأم إذا كان للميت ولد أو اثنان من الإخوة والأخوات ، وفرض الجد إذا كان للميت ولد ، ومع الإخوة والأخوات إذا كان في المسألة صاحب فرض ، وكان السدس خيراً للجد من المقاسمة مع الإخوة ، وفرض الجدة والجدات وفرض الواحد من أولاد الأم ذكراً كان أو أنثى ، وفرض بنات الابن إذا كان للميت بنت واحدة للصلب تكملة للثلثين ، وفرض الأخوات للأب إذا كان للميت أخت واحدة لأب وأم تكملة الثلثين .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا مسلم بن إبراهيم ، أنا وهب بن طاووس ، عن أبيه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولي رجل ذكر ) . وفي الحديث دليل على أن بعض الورثة يحجب البعض .
والحجب نوعان : حجب نقصان وحجب حرمان . فأما حجب النقصان فهو أن الولد أو ولد الابن يحجب الزوج من النصف إلى الربع ، والزوجة من الربع إلى الثمن ، والأم من الثلث إلى السدس ، وكذلك الاثنان فصاعداً من الإخوة يحجبون الأم من الثلث إلى السدس .
وحجب الحرمان هو أن الأم تسقط الجدات كلهن ، وأولاد الأم وهم : الإخوة والأخوات للأم يسقطون بأربعة : بالأب ، والجد وإن علا ، وبالولد ، وولد الابن وإن سفل ، وأولاد الأب والأم يسقطون بثلاثة : بالأب ، والابن ، وابن الابن وإن سفلوا . ولا يسقطون بالجد على مذهب زيد بن ثابت ، وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم وبه قال مالك والشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق رحمهم الله . وأولاد الأب يسقطون بهؤلاء الثلاثة ، وبالأخ للأب والأم . وذهب قوم إلى أن الإخوة جميعاً يسقطون بالجد كما يسقطون بالأب ، وهو قول أبي بكر الصديق وابن عباس ومعاذ وأبي الدرداء وعائشة رضي الله عنهم وبه قال الحسن وعطاء وطاووس وأبو حنيفة رحمهم الله . وأقرب العصبات يسقط الأبعد من العصوبة ، وأقربهم : الابن ، ثم ابن الابن وإن سفل ، ثم الأب ، ثم الجد أبو الأب وإن علا ، فإن كان مع الجد أحد من الإخوة والأخوات للأب والأم أو للأب يشتركان في الميراث ، فإن لم يكن جد فالأخ للأب والأم ، ثم الأخ للأب ، ثم بنو الإخوة يقدم أقربهم سواء كان لأب وأم أو لأب فإن استويا في الدرجة فالذي هو لأب وأم أولى ، ثم العم للأب والأم ، ثم العم للأب ، ثم بنوهم على ترتيب بني الإخوة ، ثم عم الأب ، ثم عم الجد على هذا الترتيب . فإن لم يكن أحد من عصبات النسب وعلى الميت ولاء فالميراث للمعتق ، فإن لم يكن حياً فلعصبات المعتق .
وأربعة من الذكور يعصبون الإناث : الابن ، وابن الابن ، والأخ للأب والأم ، والأخ للأب حتى لو ماتت عن ابن وبنت ، أو عن أخ وأخت لأب وأم أو لأب فإنه يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين ، ولا يفرض للبنت والأخت . وكذلك ابن الابن يعصب من في درجته من الإناث ومن فوقه إذا لم يأخذ من الثلثين شيئاً حتى لو مات عن بنتين وبنت الابن فللبنتين الثلثان ولا شيء لبنت الابن ، فإن كان في درجتها ابن ابن أو أسفل منها ابن ابن كان الباقي بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين . والأخت للأب والأم وللأب تكون عصبة مع البنت ، حتى لو مات عن بنت وأخت كان النصف للبنت والباقي للأخت ، فلو مات عن بنتين وأخت فللبنتين الثلثان والباقي للأخت . والدليل عليه ما أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا آدم ، أنا شعبة ، أنا أبو قيس قال : سمعت هزيل بن شرحبيل قال : سئل أبو موسى عن ابنة وبنت ابن وأخت فقال : للبنت النصف ، وللأخت النصف ، وائت ابن مسعود ، فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال : لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ، أقضي فيها بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم : للبنت الصنف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين ، وما بقي فللأخت ، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود رضي الله عنه ، فقال : لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم . رجعنا إلى تفسير الآية . واختلفوا في سبب نزولها . أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل . أخبرنا أبو الوليد أنا شعبة عن محمد بن المنكدر : قال سمعت جابراً يقول جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا مريض لا أعقل فتوضأ وصب علي من وضوئه فعقلت فقلت : يا رسول الله لمن الميراث ؟ إنما يرثني كلالة . فنزلت آية الفرائض . وقال مقاتل والكلبي : نزلت في أم كحة امرأة أوس بن ثابت وبناته . وقال عطاء : استشهد سعد بن الربيع النقيب يوم أحد وترك امرأة وبنتين وأخاً ، فأخذ الأخ المال فأتت امرأة سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنتي سعد فقالت : يا رسول الله إن هاتين ابنتا سعد وإن سعدا قتل يوم أحد شهيداً ، وإن عمهما أخذ مالهما ولا تنكحان إلا ولهما مال . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ارجعي فلعل الله سيقضي في ذلك . فنزل { يوصيكم الله } إلى آخرها . فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمهما فقال له : أعط ابنتي سعد الثلثين . وأمهما الثمن . وما بقي فهو لك ، فهو أول ميراث قسم في الإسلام . قوله عز وجل : { يوصيكم الله في أولادكم } أي : يعهد إليكم ويفرض عليكم ( في أولادكم ) أي : في أمر أولادكم إذا متم . { للذكر مثل حظ الأنثيين } .
قوله تعالى : { فإن كن } . يعني : المتروكات من الأولاد .
قوله تعالى : { نساءً فوق اثنتين } . أي : اثنتين فصاعداً " فوق " صلة ، كقوله تعالى : { فاضربوا فوق الأعناق } .
قوله تعالى : { فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت } . يعني : البنت .
قوله تعالى : { واحدة } . قراءة العامة على خبر كان ورفعها أهل المدينة على معنى إن وقعت واحدة .
قوله تعالى : { فلها النصف ولأبويه } . يعني لأبوي الميت كناية عن غير مذكور .
قوله تعالى : { لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد } . أراد أن الأب والأم يكون لكل واحد منهما سدس الميراث عند وجود الولد أو ولد الابن والأب يكون صاحب فرض .
قوله تعالى : { فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث } . قرأ حمزة والكسائي { فلأمه } بكسر الهمزة استقلالاً للضمة بعد الكسرة ، وقرأ الآخرون بالضم على الأصل .
قوله تعالى : { فإن كان له إخوة } . اثنان أو أكثر ذكوراً أو إناثاً .
قوله تعالى : { فلأمه السدس } . والباقي يكون للأب إن كان معها أب والإخوة لا ميراث لهم مع الأب ولكنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما لا يحجب الإخوة الأم من الثلث إلى السدس إلا أن يكونوا ثلاثةً لأن الله تعالى قال : { فإن كان له إخوة فلأمه السدس } . ولا يقال للاثنين إخوة . فنقول : اسم الجمع قد يقع على التثنية لأن الجمع ضم شيء إلى شيء وهو موجود في الاثنين كما قال الله تعالى : { فقد صغت قلوبكما } ذكر القلب بلفظ الجمع وأضافه إلى اثنين .
قوله تعالى : { من بعد وصية يوصي بها أو دين } . قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر { يوصى } بفتح الصاد على ما لم يسم فاعله ، وكذلك الثانية ، ووافق حفص في الثانية . وقرأ الآخرون بكسر الصاد لأنه جرى ذكر الميت من قبل بدليل قوله تعالى : { يوصين } و{ توصون } . قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه إنكم تقرؤون الوصية قبل الدين وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدين قبل الوصية ، وهذا إجماع أن الدين مقدم على الوصية ، ومعنى الآية : الجمع لا الترتيب وبيان أن الميراث مؤخر عن الدين والوصية جميعاً من بعد وصية إن كانت أو دين إن كان ، والإرث مؤخر عن كل واحد منهما .
قوله تعالى : { آباؤكم وأبناؤكم } . يعني الذين يرثونكم آباؤكم وأبناؤكم .
قوله تعالى : { لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً } . أي : لا تعلمون أنهم أنفع لكم في الدين والدنيا فمنكم من يظن أن الأب أنفع له فيكون الابن أنفع له ، ومنكم من يظن أن الابن أنفع له فيكون الأب أنفع له ، وأنا العالم بمن هو أنفع لكم وقد دبرت أمركم على ما فيه المصلحة فاتبعوه . وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : أطوعكم لله عز وجل من الآباء والأبناء أرفعكم درجة يوم القيامة والله تعالى يشفع المؤمنين بعضهم في بعض فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة رفع إليه ولده وإن كان الولد أرفع درجة رفع إليه والده لتقر بذلك أعينهم .
قوله تعالى : { فريضةً من الله } . أي : ما قدر الله من المواريث .
قوله تعالى : ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد ورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما ) .
هذه الآية ، وما بعدها في المواريث تبيين وتفصيل لما أجمله قوله تعالى : ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون . . . ) ولا جرم أن هذه الآية التفصيلية وما بعدها مما تعلق بالمواريث لهي من أركان الشريعة الإسلامية ومن أمهاتها . فهي آيات عظيمة القدر والمعنى ؛ لاحتوائها على أخص الحقوق للبشر وهي الفرائض ( المواريث ) التي روي أنها ثلث العلم أو نصفه وهو أول علم ينزع من الناس وينسى . وقد روى الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ( ص ) قال : " تعلموا الفرائض وعلموه الناس فإنه نصف العلم وهو أول شيء ينسى وهو أول علم ينتزع من أمتي " . وروى البيهقي عن عبد الله بن مسعود قال : قال لي رسول الله ( ص ) : " تعلموا القرآن وعلّموه الناس ، وتعلموا الفرائض وعلّموها الناس فإني امرؤ مقبوض وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يفصل بينهما " .
والسبب في نزول هذه الآية موضع خلاف العلماء ، وقد ورد في ذلك جملة أقوال نجتزئ من بينها ما نجده صوابا . لما رواه في ذلك الترمذي وأبو داود وابن ماجة والدارقطني عن جابر بن عبد الله أن امرأة سعد بن الربيع قالت : يا رسول الله إن سعدا هلك وترك بنتين وأخاه فعمد أخوه فقبض ما ترك سعد وإنما تنكح النساء على أموالهن ، فلم يجبها النبي في مجلسها ذلك . ثم جاءته فقالت : يا رسول الله ابنتا سعد ؟ فقال رسول الله ( ص ) : " ادع لي أخاه " فجاءه فقال له : " ادفع إلى ابنتيه الثلثين وإلى امرأته الثمن ولك ما بقي " .
وقيل في سبب النزول : إن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون إلا من لاقى الحروب وقاتل العدو فنزلت الآية لتبين أن لكل صغير وكبير حظه في التركة ، يستوي في ذلك أن يكون ذكرا أو أنثى{[702]} .
قوله : ( يوصيكم الله في أولادكم ) ذهبت الشافعية إلى أن المقصود على الحقيقة هم أولاد الصلب ، أما أولاد الأبناء فهم أولاد على المجاز لا الحقيقة . وخالف في ذلك أبو حنيفة وقال بدخول أولاد الأبناء على الحقيقة إن لم يكن ثمة أولاد أصلاب{[703]} .
ولا يؤخذ بظاهر الآية على إطلاقها ليدخل في الميراث جميع الأولاد ولو كانوا كفارا . فإن ذلك الإطلاق مقيّد بحديث النبي ( ص ) : " لا يرث المسلم الكافر " وبذلك لا يتوارث المسلمون وغير المسلمين إنما يتوارث أهل الملة الواحدة . وفي ذلك روى البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث عن أسامة أن النبي ( ص ) قال : " لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر " .
ولا يرث القاتل لمورّثه عمدا كان أو خطأ . فإن قتله عمدا فلا يرث بالإجماع . أما إن قتله خطأ فلا يرث أيضا عند جميع المذاهب باستثناء الإمام مالك إذ قال القتل الخطأ لا يمنع التوريث . ولعل ظاهر الدليل من السنّة يجعل رأي الجمهور الصواب فإن النبي ( ص ) يقول فيما رواه ابن ماجه : " ليس لقاتل ميراث " وهو نص صحيح لا نقف على ما يقيده فأجدر أن يؤخذ بإطلاقه .
والفرائض الواقعة في كتاب الله تعالى ستة هي : النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس . أما النصف فهو فريضة خمسة من الورثة هم : ابنة الصلب ، وابنة الابن ، والأخت الشقيقة والأخت لأب ، والزوج . وذلك في حال انفرادهم عمّن يحجبهم من هذه الفرائض أما إن كان ثمة من يحجبهم انخفض فرض كل منهم بحسب حاله .
وأما الرابع فهو فرض الزوج مع الحاجب وهم الأولاد . وفرض الزوجات مع عدم الحاجب من الأولاد .
وأما الثمن فهو فرض الزوجة والزوجات مع وجود الحاجب من الأولاد .
وأما الثلثان فهو فرض أربعة من الورثة هم : اثنان فأكثر من بنات الصلب ، وبنات الابن ، والأخوات الشقيقات ، أو الأخوات لأب . وذلك في حالة انفراد هؤلاء عمن يحجبهن عن هذه الفرائض .
أما الثلث فهو فرض صنفين وهما : الأم مع عدم الولد أو ولد الابن أو عدم الاثنين فأكثر من الإخوة والأخوات . ثم فرض الاثنين فصاعدا من ولد الأم وهذا هو ثلث كل المال . أما ثلث ما يتبقى من المال فهو للأم وذلك في حالة الزوج والزوجة والأبوين فإن للأم فيها ثلث ما يبقى .
وأما السدس فهو فرض سبعة وهم : الأبوان والجد مع الولد وولد الابن ، ثم الجد والجدات إذا اجتمعن ، ثم بنات الابن مع بنت الصلب ، ثم الأخوات للأب مع الأخت الشقيقة ثم الواحد من ولد الأم ذكرا كان أو أنثى .
على أن الأسباب الموجبة لهذه الفروض بالميراث ثلاثة أشياء : نسب ثابت ، ونكاح منعقد ، وولاء عتاقة . وقد تجتمع الثلاثة في آن واحد كأن يكون الرجل زوج المرأة ومولاها وابن عمها فيرث بالنسب والزوجية وولاء العتاقة . وقد يجتمع منها شيئان فقط كأن يكون الرجل زوج المرأة ومولاها ، أو زوجها وابن عمها فيرث بوجهين ويكون له جميع المال إذا انفرد ، فله بذلك نصف المال بالزوجية والنصف الآخر بالولاء أو النسب{[704]} .
أما أن يكون للذكر مثل حظ الأنثيين فإن ذلك غاية في الاعتدال والنصفة ، وغاية في التقسيم الذي يراعي حاجة الصنفين وهما الذكر والأنثى . وهذا التقسيم المتوازن السليم إنما ينبثق من تصور الإسلام للحياة والمجتمع ومن تشريعه المتميز الذي ينظّم حياة الأفراد والجماعة على غاية من الإحكام والترابط والعدل . والإسلام في هذه المسألة بالذات يوازن موازنة تامة بين الحقوق والواجبات أو بين حاجة كل من الرجل والمرأة للمال نظرا للتفاوت بينهما في مدى الحاجة للمال ؛ كيلا يكون شيء من حيف أو إرهاق أو مكابرة .
والمرأة في التوريث لها من النصيب نصف ما للرجل باستثناء بعض الأحوال في تقسيم التركة ، وهي لها من الحظ بقدر ما تضطلع به من التزام ، أو هي تتلقى من المغنم بما يكافئ ما عليها من مغرم جزاء وفاقا .
ومن المعلوم في شريعة الإسلام أن المرأة لا تضطلع بأعباء مالية في معظم مراحل حياتها . فهي يضطلع بالإنفاق عليها وليها الأب أو الجد أو غيرهما حال كونها غير متزوجة ، وإذا لم يكن أحد من الأولياء فالوالي هو الولي . وهي كذلك في بيت الزوجية لا تضطلع بشيء من التزام مالي كيفما كان حتى ولو كانت موسرة وزوجها معسرا عند كثير من العلماء . وفوق براءتها من الاضطلاع بمهمة الإنفاق فقد كتبت لها الشريعة نصيبا مفروضا من التركة وهي نصف الذكر .
وليس لأحد بعد هذا التصور أن يتحذلق في سوء طوية وفساد قصد ليفتري على الإسلام الأباطيل من حيث يعلم أولا يعلم . إنه لا يجترئ على الطعن في الإسلام إلا كل جاحد كافر ، أو مضلّل مخدوع ، يهذي بما لا يدري إلا أن يردد كالببغاء ما تلعقه ألسنة الحاقدين والمتعصبين من أعداء الإسلام ممن أفرزتهم الحضارة الغربية الحديثة بكل مفاسدها وضلالاتها وشرورها وتمردها على رسالات السماء .
قوله تعالى : ( فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ) فرض الله للبنت الواحدة نصف التركة . وإن كانت البنات ثلاثا فأكثر فلهن ثلثا التركة بدليل الآية المذكورة . أما البنتان الثنتان فليس فيهما نص واضح هنا فاختلف العلماء في الذي يعطي للبنتين . فثمة قول بأن لهما النصف كما ذهب ابن عباس . والراجح أن لهما الثلثين بالقياس على الأختين اللتين قال الله فيهما : ( فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ) .
قوله : ( وإن كانت واحدة فلها النصف ) أي إذا كانت المولودة واحدة فلها نصف التركة وإن كان مع بنات الصلب بنات ابن وكانت بنات الصلب اثنتين فصاعدا حجبن بنات الابن فلا يرثن بالفرض ؛ لأنه لا مجال لبنات الابن في التوريث بالفرض في غير الثلثين . وإن كانت بنت الصلب واحدة فإن ابنة الابن أو بنات الابن يرثن حينئذ مع بنات الصلب تكملة للثلثين ؛ لان " الثلثين " فرض تشترك فيه البنتان فصاعدا . وبنات الابن يقمن مقام البنات عند عدمهن ، وكذلك أبناء البنين يقومون مقام البنين عند عدمهم{[705]} .
فلو توفي عن زوجة وبنت وبنت ابن وأخت . كان للزوجة الثمن وللبنت النصف ولبنت الابن السدس تكملة للثلثين وهو فرض البنات ، وما بقي فهو للأخت . ولو توفي عن زوجة حبلى قسمت التركة بين الورثة الموجودين على أن تحتجز حصة الجنين ريثما يولد ؛ لأنه يرث ويورث إذا خرج حيا واستهل ( بكى عند الولادة ) أما إن خرج ميتا فلا يرث وأعيد توزيع حصته على الورثة كل بحسب نصيبه .
وحق الجنين في التوريث معتبر ، فإذا قسمت التركة حسبت حصته على أنه ذكر ، وقيل حسبت على أن الجنين توأمان وقيل ثلاث وقيل أكثر . وفي ذلك دلالة على الاهتمام بالمولود كي يتمكن من العيش في خير وعافية .
وترد هنا مسألة الخنثى فهل يورث باعتباره ذكرا أم أنثى وكيف يتحقق من نوعيته على إحدى الصورتين ؟ والمسألة موضع خلاف طويل نقتصر من ذلك كله على بيان واضح ومجمل ، وهو أن العلماء اتفقوا على أن الخنثى يمكن توريثه على الكيفية التي بها يبول . فإن بال من حيث يبول الرجل ورث كما يرث الرجل ، وإن بال من حيث تبول المرأة ورث كما ترث المرأة . فهو معتبر على الكيفية التي بها يبول ومن ثم يكون على إحدى الصورتين إما الذكورة أو الأنوثة . وهناك أقوال كثيرة في هذا الصدد لا مجال لذكرها هنا{[706]} .
قوله : ( ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك وإن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس ) .
المقصود بالضمير في أبويه هو المتوفى . والأبوان هما الأب والأم ولهما في الإرث أحوال :
أولها : أن يجتمعا مع أولاد الميت فيفرض لكل واحد منهما السدس . فإذا لم يكن للميت غير بنت واحدة كان لها الصنف ولكل واحد من الأبوين السدس . والسدس الآخر للأب بالتعصب فيرث في هذه الحالة بالفرض والتعصب .
ثانيها : أن ينفرد الأبوان بالميراث فيكون للأم الثلث ويأخذ الأب الباقي بالتعصيب فقط .
ولو كان مع الأبوين زوج أو زوجة أخذ الزوج النصف والزوجة الربع . ثم ماذا للأم بعد ذلك ؟ هناك ثلاثة أقوال للعلماء في هذه المسألة :
القول الأول : إن تأخذ الأم ثلث الباقي في المسألتين وليس ثلث المال كله ؛ لأن الباقي يعتبر كأنه جميع المال الموروث بالنسبة لها ، مع أن الله سبحانه وتعالى قد جعل لها نصف ما للأب فيكون لها بذلك الثلث وللأب الثلثان . وذلك الذي ذهب إليه جمهور العلماء .
القول الثاني : إن الأم تأخذ ثلث جميع المال لعموم قوله تعالى : ( فلأمه الثلث ) وهو قول ابن عباس وعلي ومعاذ بن جبل .
القول الثالث : إنها تأخذ ثلث جميع المال في حال الزوجة لا الزوج . وتأخذ ثلث الباقي في حال الزوج ؛ وذلك لئلا تأخذ أكثر من الأب لو أخذت ثلث المال . فتكون المسألة هنا من ستة أسهم . للزوج النصف وهو ثلاثة أسهم . وللأم ثلث الباقي وهو سهم . وللأب الباقي وهو سهمان . ويبدو أن القول الأول هو الراجح وهو أن تأخذ الأم ثلث الباقي في الحالتين .
ثالثها : أن يجتمع الأبوان مع الأخوة سواء كانوا من الأبوين أو من الأب أو من الأم . فلا يرث الإخوة مع الأب شيئا ؛ لأنه يحجبهم . أما الأم فإنهم يحجبونها حجب نقصان إذ تأخذ السدس بدلا من الثلث فيفرض لها مع وجودهم السدس ولا يرثون . وهي لا يحجبها الأخ الواحد ، بل يحجبها ما فوق ذلك ليتحول فرضها من الثلث إلى السدس{[707]} .
قوله : ( من بعد وصية يوصى بها أو دين ) وذلك من الحقوق المتعلقة بالتركة ، فإذا مات المرء تعلقت بتركته حقوق الآخرين غير الورثة . وأول هذه الحقوق الدين الذي يشغل ذمة الميت إذا بقي إلى ما بعد الوفاة بغير أداء . ثم الوصية وهي التي وعد بها الموصي حال حياته . فكلا الحقين وهما الدين والوصية يقدمان على حق الورثة في تقسيم التركة . وليس لهم أن يطالبوا بتوزيع تركة المتوفى أو التصرف بها إلا بعد أداء الدين أولا ثم الوصية في حدود ثلث المال ثانيا .
وفي تقديم ذكر الوصية على ذكر الدين في الآية ما يثير التساؤل ، مع أن العلم من السلف والخلف قد أجمعوا على أن الدين مقدم على الوصية . وفي هذا المعنى أخرج أحمد والترمذي وابن ماجة عن علي بن أبي طالب قال : إنكم تقرأون ( من بعد وصية يوصى بها أو دين ) إن رسول اله ( ص ) قضى بالدين قبل الوصية .
وثمة وجوه في الحكمة من تقديم ذكر الوصية في الآية على ذكر الدين ، نقتضب منها ثلاثة وجوه هي :
الوجه الأول : أن الوصية مال يؤخذ بغير عوض فكان في إخراجها ما يشق على أنفس الورثة ، فكان أداؤها مظنة للتفريط منهم ، وذلك بخلاف الدين فإن الورثة مطمئنون إلى أدائه . من أجل ذلك قدم الله ذكر الوصية على ذكر الدين تحريضا للورثة على أدائها وترغيبا لهم في إخراجها من غير تردد أو تثاقل . ويؤيد استواء الوصية والدين في الوجوب قوله : ( أو ) .
الوجه الثاني : قدم الوصية لكثرة وقوعها . فأكثر المسلمين لا يفارقون هذه الدنيا إلا وقد تركوا لأنفسهم من خلفهم وصية يرجون بها جزيل المثوبة من الله . لكن الدين أقل وجودا . فهو ربما يقع أو لا يقع .
الوجه الثالث : قدمت الوصية في الآية ؛ لأنها حظ المساكين والضعفاء ، أما الدين فإنه حظ الغرماء . والغريم يطلب دينه من المدين بقوة السلطان والقضاء .
قوله : ( آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ) لا داعي للمحاباة ومجانبة العدل والمساواة . وليس لأحد أن يميل بهواه وعاطفته صوب من يرغب من آباء أو أبناء ، فإن المنفعة متوقعة ومرجوة من هذا مثلما هي متوقعة ومرجوة من الآخر . وعلى ذلك فإن الله سبحانه قد فرض لهذا وهذا وساوى بين الجميع في أصل الميراث كل بحسبه خلافا لما كانت عليه الحال في الجاهلية . وليت شعري هل يدري المرء من أنفع له ، هل هو الابن أم الأب ؟ والمراد بالنفع في الدنيا الدعاء المستجاب ، والشفاعة يوم القيامة ، فقد ذكر عن ابن عباس والحسن أن الابن إذا كان أرفع من درجة أبيه في الآخرة سأل الله فرفع إليه أباه . وكذلك الأب إذا كان أرفع من ابنه .
قوله : ( فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما ) أي ما تبين من أحكام للتوريث وإعطاء بعضهم أكثر من بعض هو فرض قد فرضه الله وقضاه بعلمه وحكمته فهو العليم بمواضع الخير والحق الحكيم في تصرفه وتقديره{[708]} .