قوله تعالى : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به } . أي : ما ذكر على ذبحه اسم غير الله تعالى .
قوله تعالى : { والمنخنقة } . وهي التي تختنق فتموت ، قال ابن عباس : كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة ، حتى إذا ماتت أكلوها .
قوله تعالى : { والموقوذة } . هي المقتولة بالخشب ، قال قتادة : كانوا يضربونها بالعصا ، فإذا ماتت أكلوها .
قوله تعالى : { والمتردية } . هي التي تتردى من مكان عال ، أو في بئر ، فتموت . قوله تعالى : { والنطيحة } . هي التي تنطحها أخرى فتموت ، وهاء التأنيث تدخل في الفعيل إذا كان بمعنى الفاعل ، فإذا كان بمعنى المفعول استوى فيه المذكر والمؤنث ، نحو عين كحيل ، وكف خضيب ، فإذا حذفت الاسم ، وأفردت الصفة ، أدخلوا الهاء ، فقالوا : كحيلة ، وخضيبة . وهنا أدخل الهاء ، لأنه لم يتقدمها الاسم ، فلو أسقط الهاء لم يدر أنها صفة مؤنث أم مذكر ، ومثله الذبيحة ، والنسيكة ، وأكيلة السبع .
قوله تعالى : { وما أكل السبع } . يريد ما بقي مما أكل السبع ، وكان أهل الجاهلية يأكلونه .
قوله تعالى : { إلا ما ذكيتم } . يعني : إلا ما أدركتم ذكاته من هذه الأشياء ، وأصل التذكية الإتمام ، يقال : ذكيت النار ، إذا أتممت اشتعالها ، والمراد هنا : إتمام فري الأوداج ، وإنهار الدم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما أنهر الدم ، وذكر اسم الله عليه ، فكل . غير السن ، والظفر . وأقل الذكاة في الحيوان المقدور عليه قطع المريء ، والحلقوم . وكماله أن يقطع الودجين معهما ، ويجوز بكل محدد يقطع ، من حديد ، أو قصب ، أو زجاج ، أو حجر . إلا السن ، والظفر . فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الذبح بهما ، وإنما يحل ما ذكيته بعدما جرحه السبع ، وأكل شيئا منه إذا أدركته والحياة فيه مستقرة فذبحته ، فأما ما صار بجرح السبع إلى حالة المذبوح فهو في حكم الميتة ، فلا يكون حلالاً وإن ذبحته ، وكذلك المتردية ، والنطيحة ، إذا أدركتها حيةً قبل أن تصير إلى حالة المذبوح ، فذبحتها ، تكون حلالاً . ولو رمى إلى صيد في الهواء فأصابه ، فسقط على الأرض ومات ، كان حلالا لأن الوقوع على الأرض من ضرورته فإن سقط على جبل ، أو شجر ، ثم تردى منه فمات ، فلا يحل ، وهو من المتردية ، إلا أن يكون السهم أصاب مذبحه في الهواء ، فيحل كيفما وقع ، لأن الذبح قد حصل بإصابة السهم المذبح .
قوله تعالى : { وما ذبح على النصب } . قيل : النصب جمع واحده نصاب ، وقيل : هو واحد ، وجمعه أنصاب ، مثل : عنق وأعناق ، وهو الشيء المنصوب ، واختلفوا فيه فقال مجاهد وقتادة : كانت حول البيت ثلاثمائة وستون حجراً منصوبة ، كان أهل الجاهلية يعبدونها ويعظمونها ، ويذبحون لها ، وليست هي بأصنام ، إنما الأصنام هي المصورة المنقوشة ، وقال الآخرون : هي الأصنام المنصوبة ، ومعناه : وما ذبح على اسم النصب ، قال ابن زيد : ( وما ذبح على النصب ) ( وما أهل لغير الله به ) : هما واحد ، قال قطرب : على بمعنى اللام ، أي : وما ذبح لأجل النصب .
قوله تعالى : { وأن تستقسموا بالأزلام } . أي : ويحرم عليكم الاستقسام بالأزلام ، والاستقسام هو طلب القسم والحكم من الأزلام والأزلام هي : القداح التي لا ريش لها ولا نصل ، واحدها زلم ، زلم بفتح الزاي ، وضمها ، كانت أزلامهم سبعة قداح مستوية ، من شوحط ، يكون عند سادن الكعبة ، مكتوب على واحد نعم ، وعلى واحد لا ، وعلى واحد منكم ، وعلى واحد من غيركم ، وعلى واحد ملصق ، وعلى واحد العقل ، وواحد غفل ليس عليه شيء ، فكانوا إذا أرادوا أمراً من سفر ، أو نكاح ، أو ختان أو غيره ، أو تداوروا في نسب ، أو اختلفوا في تحمل عقل ، جاءوا إلى هبل ، وكان أعظم أصنام قريش بمكة ، وجاءوا بمائة درهم فأعطوها صاحب القداح ، حتى يجيل القداح ، ويقولون : يا إلهنا ، إنا أردنا كذا وكذا ، فإن خرج نعم ، فعلوا ، وإن خرج لا ، لم يفعلوا ذلك حولاً ، ثم عادوا إلى القداح ثانيةً ، فإذا أجالوا على نسب فإن خرج منكم ، كان وسطاً منهم ، وإذا خرج من غيركم ، كان حليفاً ، وإن خرج ملصق كان على منزلته لا نسب له ، ولا حلف ، وإذا اختلفوا في عقل فمن خرج عليه قدح العقل حمله ، وإن خرج الغفل أجالوا ثانياً حتى يخرج المكتوب ، فنهى الله عز وجل عن ذلك وحرمه . قوله تعالى : { ذلكم فسق } . قال سعيد بن جبير : الأزلام حصا بيض ، كانوا يضربون بها ، وقال مجاهد : هي كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها ، وقال الشعبي وغيره : الأزلام للعرب ، والكعاب للعجم . وقال سفيان بن وكيع : هي الشطرنج . وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " العيافة ، والطيرة ، من الجبت " ، والمراد من الطرق : الضرب بالحصى .
أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أنا ابن فنجويه ، أنا فضل السندي ، أخبرنا الحسن بن داود الخشاب ، أنا سويد بن سعيد ، أنا أبو المختار ، عن عبد الملك بن عمير ، عن رجاء بن حيوة ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من تكهن ، أو استقسم ، أو تطير طيرة ترده عن سفره ، لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة ) .
قوله تعالى : { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } . يعني : أن ترجعوا إلى دينهم كفارا ، وذلك أن الكفار كانوا يطمعون في عود المسلمين إلى دينهم ، فلما قوي الإسلام أيسوا ، ويئس وأيس بمعنى واحد .
قوله تعالى : { فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً } . نزلت هذه الآية يوم الجمعة ، يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع ، والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء ، فكادت عضد الناقة تندق من ثقلها فبركت .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن إسماعيل ، حدثني الحسن بن الصباح . سمع جعفر بن عون ، أنا أبو العميس ، أنا قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً من اليهود قال له : يا أمير المؤمنين ، آية في كتابكم تقرؤونها ، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً . قال : أية آية ؟ قال : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً } قال عمر : قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم الجمعة . أشار عمر إلى أن ذلك اليوم كان عيداً لنا . قال ابن عباس : كان في ذلك اليوم خمسة أعياد : جمعة ، وعرفة ، وعيد اليهود ، والنصارى ، والمجوس . ولم تجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده .
وروى هارون بن عنترة عن أبيه قال : لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضي الله عنه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " ما يبكيك يا عمر ؟ فقال : أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا ، فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص ، قال : صدقت " . وكانت هذه الآية نعي النبي صلى الله عليه وسلم ، وعاش بعدها إحدى وثمانين يوماً ، ومات يوم الإثنين بعدما زاغت الشمس لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول ، سنة إحدى عشرة من الهجرة ، وقيل : توفي يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول ، وكانت هجرته في الثاني عشر من شهر ربيع الأول . أما تفسير الآية قوله عز وجل : { اليوم أكملت لكم دينكم } يعني : يوم نزول هذه الآية أكملت لكم دينكم ، يعني الفرائض ، والسنن ، والحدود ، والأحكام . والحلال ، والحرام . فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ، ولا شيء من الفرائض والسنن ، والحدود ، والأحكام . هذا معنى قول ابن عباس رضي عنهما . ويروى عنه أن آية الربا نزلت بعدها . وقال سعيد بن جبير وقتادة : { أكملت لكم دينكم } فلم يحج معكم مشرك وقيل : أظهرت دينكم وأمنتكم من العدو ، وقوله عز وجل : { وأتممت عليكم نعمتي } يعني : وأنجزت وعدي في قولي { ولأتم نعمتي عليكم } فكان من تمام نعمته أن دخلوا مكة آمنين ، وعليها ظاهرين ، وحجوا مطمئنين لم يخالطهم أحد من المشركين ، { ورضيت لكم الإسلام ديناً } ، سمعت عبد الواحد قال : سمعت أبا محمد بن حاتم قال : سمعت أبا بكر النيسابوري ، سمعت أبا بكر محمد بن الحسن بن المسيب المروزي ، سمعت أبا حاتم محمد بن إدريس الحنظلي ، سمعت عبد الملك بن مسلمة ، أنا مروان المصري سمعت إبراهيم بن أبي بكر بن المنكدر رضي الله عنه سمعت عمي محمد بن المنكدر سمعت جابر بن عبد الله يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال جبريل ، عليه السلام قال الله تعالى : " هذا دين ارتضيته لنفسي ، ولن يصلحه إلا السخاء ، وحسن الخلق ، فأكرموه بهما ما صحبتموه " .
قوله تعالى : { فمن اضطر في مخمصة } . أي : جهد في مجاعة ، والمخمصة خلو البطن من الغذاء ، يقال : رجل خميص البطن ، إذا كان طاوياً خاوياً .
قوله تعالى : { غير متجانف لإثم } . أي : مائل إلى إثم ، وهو أن يأكل فوق الشبع ، وقال قتادة : غير متعرض لمعصية في مقصده .
قوله تعالى : { فإن الله غفور رحيم } . وفيه إضمار . أي : فأكله فإن الله غفور رحيم . أخبرنا أبو عبد الله محمد بن حسن المزوري ، أنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سراج الطحان ، أنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان ، أنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز المكي ، أنا أبو عبيدة القاسم بن سلام ، أنا محمد بن كثير ، عن الأوزاعي ، عن حسان بن عطية ، عن أبي واقد الليثي ، قال رجل : يا رسول الله إنا نكون بالأرض فتصيبنا بها المخمصة فمتى تحل لنا الميتة ؟ فقال : ما لم تصطحبوا ، أو تغتبقوا ، أو تخنقوا بها بقلاً ، فشأنكم بها .
ولما أتم الكلام على احترام أعظم المكان وأكرم الزمان وما لابسهما ، فهذب{[24184]} النفوس بالنهي عن حظوظها ، وأمر{[24185]} بعد تخليتها عن كل شر{[24186]} بتحليتها بكل خير عدّد على سبيل الاستئناف ما وعد بتلاوته عليهم مما حرم مطلقاً إلا في حال الضرورة فقال : { حرمت } بانياً الفعل للمفعول لأن الخطاب لمن يعلم أنه لا محرم إلا الله ، وإشعاراًَ بأن هذه الأشياء لشدة قذارتها{[24187]} كأنها محرمة بنفسها { عليكم الميتة } وهي ما فقد الروح بغير ذكاة شرعية ، فإن دم كل ما مات حتف أنفه يحبس في عروقه ويتعفن ويفسد ، فيضر أكله البدن بهذا الضرر الظاهر ، والدين بما يعلمه أهل البصائر { والدم } أي المسفوح ، وهو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق { ولحم الخنزير } خصه بعد دخوله في الميتة لاتخاذ النصارى أكله{[24188]} كالدين { وما أهل } ولما كان القصد في هذه السورة إلى حفظ محكم العهود المذكر بجلاله الباهر{[24189]} ، قدم المفعول له فقال : { لغير الله } أي الملك الأعلى { به } أي ذبح على اسم غيره من صنم أو غيره على وجه التقرب عبادة لذلك الشيء ، والإهلال : رفع الصوت .
ولما كان من الميتات ما لا تعافه النفوس عيافتها لغيره ، نص عليه فقال : { والمنخنقة } أي بحبل ونحوه ، سواء خنقها أو لا { والموقوذة } أي المضروبة بمثقل ، من{[24190]} : وقذه - إذا ضربه { والمتردية } أي الساقطة من عال ، المضطربة غالباً في سقوطها { والنطيحة } أي التي نطحها شيء فماتت { وما أكل السبع } أي{[24191]} كالذئب والنسر ونحوهما .
ولما كان كل واحدة من هذه قد تدرك حية فتذكى ، استثنى فقال : { إلا ما ذكيتم } أي من ذلك كله بأن أدركتموه وفيه حياة مستقرة ، بأن اشتد اضطرابه وانفجر منه الدم ؛ ولما حرم الميتات وعد في جملتها ما ذكر عليه اسم غير الله عبادة ، ذكر ما ذبح على الحجارة التي كانوا ينصبونها للذبح عندها{[24192]} تديناً وإن لم يذكر{[24193]} اسم شيء عليها فقال{[24194]} : { ما ذبح على النصب } وهو واحد الأنصاب ، وهي حجارة كانت حول الكعبة تنصب ، فيهل عليها ويذبح عندها تقرباً إليها وتعظيماً لها { وأن تستقسموا } أي تطلبوا على ما قسم لكم { بالأزلام } أي القداح التي لا ريش لها ولا نصل ، واحدها بوزن قلم وعمر{[24195]} وكانت ثلاثة ، على واحد : أمرني ربي ، وعلى آخر : نهاني ربي ، والآخر{[24196]} غفل ، فإن خرج الآمر فعل ، أو الناهي ترك ، أو الغفل أجيلت ثانية ، فهو دخول{[24197]} في علم الغيب وافتراء على الله بادعاء أمره ونهيه ، وإن أراد{[24198]} المنسوب إلى الصنم فهو الكفر الصريح{[24199]} ، وقال صاحب كتاب الزينة : يقال : إنه كانت عندهم سبعة قداح مستوية من شوحط{[24200]} ، وكانت بيد السادن ، مكتوب عليها " نعم " " لا " " منكم " " من غيركم " " ملصق " " العقل " " فضل العقل " فكانوا إذا اختلفوا في نسب الرجل جاؤوا إلى{[24201]} السادن بمائة درهم ، ثم قالوا للصنم : يا إلهنا ! قد تمارينا في نسب فلان ، فأخرج علينا الحق فيه ، فتجال{[24202]} القداح{[24203]} فإن خرج القدح{[24204]} الذي عليه " منكم " كان أوسطهم نسباً ، وإن خرج{[24205]} الذي عليه " من غيركم " كان حليفاً وإن خرج " ملصق " كان على منزلته لا{[24206]} نسب له ولا حلف ، وإذا أرادوا سفراً أو حاجة جاؤوا بمائة فقالوا : يا إلهنا ! أردنا كذا ، فإن خرج " نعم " فعلوا ، وإن خرج " لا " لم يفعلوا ، وإن{[24207]} جنى أحدهم جناية ، فاختلفوا فيمن يحمل العقل جاؤوا بمائة فقالوا : يا إلهنا ! فلان جنى{[24208]} عليه ، أخرج الحق{[24209]} ، فإن خرج القدح الذي عليه " العقل " لزم من ضرب عليه وبرىء الآخرون ، وإن خرج غيره كان على الآخرين العقل ، وكانوا إذا عقلوا{[24210]} العقل ففضل الشيء منه تداروا فيمن يحمله ، فضربوا عليه ؛ فإن خرج القدح الذي عليه " فضل العقل " للذي ضرب عليه لزمه ، وإلا كان على الآخرين الذين لم يضرب عليهم فهذا الاستقسام الذي حرمه{[24211]} الله لأنه يكون عند الأصنام ويطلبون ذلك منها ، ويظنون{[24212]} أن الذي أخرج لهم ذلك هو الصنم ، وأما إجالة{[24213]} السهام لا على هذا الوجه فهو جائز ، هو وتساهم{[24214]} واقتراع{[24215]} لا استقسام{[24216]} و{[24217]} قال أبو عبيدة : واحد الأزلام زلم - بفتح الزاء ، وقال بعضهم بالضم{[24218]} وهو القدح لا ريش له ولا نصل ، فإذا كان مريَّشاً فهو السهم - والله أعلم ؛ ويجوز أن يراد مع هذا ما كانوا يفعلونه في الميسر - على ما مضى في البقرة ، فإنه طلب معرفة ما قسم من الجزور ، ويلتحق بالأول كل كهانة وتنجيم{[24219]} ، وكل طيرة يتطيرها الناس الآن{[24220]} من التشاؤم ببعض الأيام وبعض الأماكن والأحوال ، فإياك أن تعرج على شيء من الطيرة ، فتكون على شعبة جاهلية ، ثم إياك ! .
ولما كانت هذه الأشياء شديدة الخبث أشار إلى تعظيم النهي عنها بأداة البعد وميم الجمع فقال : { ذلكم } أي الذي ذكرت لكم تحريمه { فسق } أي فعله خروج من الدين .
ولما كانت هذه المنهيات معظم دين أهل الجاهلية ، وكان سبحانه قد نهاهم قبلها عن{[24221]} إحلال شعائر الله والشهر الحرام وقاصدي المسجد الحرام{[24222]} بعد أن كان أباح لهم ذلك في بعض الأحوال والأوقات بقوله
{ وأخرجوهم من حيث أخرجوكم - ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام{[24223]} حتى يقاتلوكم فيه{[24224]} }[ البقرة : 191 ]
{ الشهر الحرام بالشهر الحرام{[24225]} }[ البقرة : 194 ]
{ واقتلوهم حيث ثقفتموهم{[24226]} }[ البقرة : 191 ] علم{[24227]} أن الأمر بالكف عن انتهاز الفرص إنما هو للأمن{[24228]} من الفوت ، وذلك لا يكون إلا{[24229]} من{[24230]} تمام القدرة ، وهو لا يكون إلا بعد كمال الدين وإظهاره على كل دين - كما حصل به الوعد الصادق ، وكذا الانتهاء عن جميع هذه المحارم إنما يكون لمن رسخ في الدين قدمه ، وتمكنت فيه عزائمه وهممه ، فلا التفات له إلى غيره ولا همه إلى سواه ، ولا مطمع لمخالفه فيه ، فعقب{[24231]} سبحانه النهي عن هذه المناهي كلها بقوله على سبيل النتيجة والتعليل : { اليوم } أي وقت{[24232]} نزول هذه الآية { يئس الذين كفروا } أي لابسوا الكفر سواء كانوا راسخين فيه أو لا { من دينكم } أي لم يبق لكم ولا لأحد منكم عذر في شيء من إظهار الموافقة لهم{[24233]} أو التستر من أحد منهم ، كما فعل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه حين{[24234]} كاتبهم ليحمي بذلك ذوي رحمه ، لأن الله تعالى قد كثركم بعد القلة ، وأعزكم بعد الذلة ، وأحيى بكم منار الشرع ، وطمس معالم شرع{[24235]} الجهل ، وهدّ منار الضلال ، فأنا أخبركم - وأنتم عالمون بسعة علمي - أن الكفار قد اضمحلت قواهم ، وماتت{[24236]} هممهم ، وذلت نخوتهم ، وضعفت عزائمهم ، فانقطع رجاؤهم عن أن يغلبوكم{[24237]} أو يستميلوكم إلى دينهم بنوع استمالة ، فإنهم رأوا دينكم قد قامت منائره ، وعلت في المجامع منابره ، وضرب محرابه ، وبرّك{[24238]} بقواعده وأركانه ، ولهذا سبب عما مضى قوله : { فلا تخشوهم } أي أصلاً { واخشون } أي وامحضوا الخشية لي وحدي ، فإن دينكم قد أكمل بدره ، وجل عن المحاق محله وقدره ، ورضي به الآمر ، ومكنه على رغم أنف الأعداء .
وهو قادر{[24239]} على ذلك{[24240]} ، وذلك{[24241]} قوله تعالى مسوقاً{[24242]} مساق التعليل : { اليوم أكملت لكم دينكم } أي الذي أرسلت{[24243]} إليكم به أكمل{[24244]} خلقي لتدينوا به وتدانوا ، وإكماله بإنزال كل ما يحتاج إليه من أصل وفرع ، نصاً على{[24245]} البعض ، وبياناً لطريق القياس في الباقي ، وذلك بيان لجميع الأحكام ، وأما قبل ذلك اليوم فهو وإن كان كاملاً لكنه بغير هذا المعنى ، بل إلى حين ثم يزيد فيه سبحانه ما يشاء ، فيكون به كاملاً أيضاً وأكمل مما مضى ، وهكذا إلى هذه النهاية ، وكان هذا{[24246]} هو المراد من قوله : { وأتممت عليكم نعمتي } أي التي قسمتها في القدم من هذا الدين على لسان هذا الرسول ، بأن جمعت عليه كلمة العرب الذين قضيت في القدم بإظهارهم على من ناواهم من جميع أهل الملل ، ليظهر بهم الدين ، وتنكسر شوكة المفسدين من غير حاجة في ذلك إلى غيرهم وإن كانوا بالنسبة إلى المخالفين كالشعرة البيضاء في جلد الثور{[24247]} الأسود { ورضيت لكم الإسلام } أي الذي هو الشهادة لله بما شهد به لنفسه من الوحدانية التي لمن{[24248]} يتبع الإذعان لها{[24249]} الإذعان لكل طاعة { ديناً } تتجازون{[24250]} به فيما بينكم ويجازيكم به ربكم ؛ روى البخاري في المغازي وغيره ، ومسلم في آخر الكتاب ، والترمذي في التفسير ، والنسائي في الحج عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه " أن رجلاً من اليهود قال له : يا أمير المؤمنين ! آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت{[24251]} لاتخذنا ذلك اليوم عيداً ، قال :{[24252]} أي آية ؟ قال{[24253]} : { اليوم أكملت لكم دينكم } فقال عمر رضي الله عنه : قد{[24254]} عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم ، نزلت وهو قائم بعرفة يوم جمعة " وفي التفسير من البخاري عن طارق بن شهاب " قالت اليهود لعمر : إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا لاتخذناها{[24255]} عيداً ، فقال عمر : إني لأعلم حيث أنزلت وأين أنزلت وأين{[24256]} رسول الله صلى الله عليه وسلم حين{[24257]} أنزلت " وقال البغوي : قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان ذلك اليوم خمسة أعياد{[24258]} : جمعة وعرفة وعيد اليهود وعيد النصارى والمجوس ، ولم تجتمع{[24259]} أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده ، قلت : ويوم الجمعة هو اليوم الذي أتم الله فيه خلق هذه الموجودات بخلق آدم عليه السلام بعد عصره ، وهو حين نزول هذه الآية إن شاء الله تعالى ، فكانت تلك الساعة من{[24260]} ذلك اليوم تماماً ابتداء ، وروى هارون بن{[24261]} عنترة عن أبيه قال : " لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضي الله عنه فقال له{[24262]} النبي صلى الله عليه وسلم :
" ما يبكيك يا عمر ؟ فقال : أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا ، فإذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص ، قال : صدقت ! " فكانت هذه الآية نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عاش بعدها إحدى وثمانين يوماً وقد روي أنه كان هجيري{[24263]} النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة من العصر إلى الغروب شهد الله أنه لا إله إلا هو{[24264]} - الآية ، وكأن ذلك كان جواباً{[24265]} منه صلى الله عليه وسلم لهذه الآية ، لفهمه صلى الله عليه وسلم أن إنزال آية{[24266]} عمران سر الإسلام وأعظمه وأكمله ، وهذه الآية من المعجزات ، لأنها إخبار بمغيب صدقها فيه الواقع .
ولما تمت هذه الجمل{[24267]} الاعتراضية التي صار ما{[24268]} بينها وبين ما قبلها و{[24269]} ما بعدها بأحكام الرصف واتقان{[24270]} الربط من الامتزاج أشد مما بين الروح والجسد ، المشيرة إلى أن هذه المحرمات هي التي تحقق بها أهل الكفر كمال المخالفة ، فأيسوا معها من المواصلة والمؤالفة ؛ رجع إلى{[24271]} تتمات لتلك المحظورات ، فقال مسبباً عن الرضى بالإسلام الذي هو الحنيفة السمحة المحرمة لهذه الخبائث لإضرارها بالبدن والدين : { فمن اضطر } أي ألجىء إلجاء عظيماً - من أي شيء كان - إلى تناول شيء مما مضى أنه حرم ، بحيث{[24272]} لا يمكنه معه{[24273]} الكف عنه { في مخمصة } أي مجاعة عظيمة{[24274]} { غير متجانف } أي متعمد ميلاً { لإثم } أي بالأكل على غير{[24275]} سد الرمق ، أو بالبغي على مضطر آخر بنوع مكر أو العدو عليه بضرب قهر ، وزاد بعد هذا التقييد{[24276]} تخويفاً بقوله : { فإن الله } أي الذي له الكمال كله{[24277]} { غفور رحيم * } أي يمحو عنه إثم ارتكابه للمنهي ولا يعاقبه عليه ولا يعاتبه{[24278]} ويكرمه ، بأن يوسع عليه من فضله ، و{[24279]} لا يضطره مرة{[24280]} أخرى - إلى غير ذلك من الإكرام وضروب الأنعام .