معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُواْ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ ذَٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (3)

قوله تعالى : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به } . أي : ما ذكر على ذبحه اسم غير الله تعالى .

قوله تعالى : { والمنخنقة } . وهي التي تختنق فتموت ، قال ابن عباس : كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة ، حتى إذا ماتت أكلوها .

قوله تعالى : { والموقوذة } . هي المقتولة بالخشب ، قال قتادة : كانوا يضربونها بالعصا ، فإذا ماتت أكلوها .

قوله تعالى : { والمتردية } . هي التي تتردى من مكان عال ، أو في بئر ، فتموت . قوله تعالى : { والنطيحة } . هي التي تنطحها أخرى فتموت ، وهاء التأنيث تدخل في الفعيل إذا كان بمعنى الفاعل ، فإذا كان بمعنى المفعول استوى فيه المذكر والمؤنث ، نحو عين كحيل ، وكف خضيب ، فإذا حذفت الاسم ، وأفردت الصفة ، أدخلوا الهاء ، فقالوا : كحيلة ، وخضيبة . وهنا أدخل الهاء ، لأنه لم يتقدمها الاسم ، فلو أسقط الهاء لم يدر أنها صفة مؤنث أم مذكر ، ومثله الذبيحة ، والنسيكة ، وأكيلة السبع .

قوله تعالى : { وما أكل السبع } . يريد ما بقي مما أكل السبع ، وكان أهل الجاهلية يأكلونه .

قوله تعالى : { إلا ما ذكيتم } . يعني : إلا ما أدركتم ذكاته من هذه الأشياء ، وأصل التذكية الإتمام ، يقال : ذكيت النار ، إذا أتممت اشتعالها ، والمراد هنا : إتمام فري الأوداج ، وإنهار الدم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما أنهر الدم ، وذكر اسم الله عليه ، فكل . غير السن ، والظفر . وأقل الذكاة في الحيوان المقدور عليه قطع المريء ، والحلقوم . وكماله أن يقطع الودجين معهما ، ويجوز بكل محدد يقطع ، من حديد ، أو قصب ، أو زجاج ، أو حجر . إلا السن ، والظفر . فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الذبح بهما ، وإنما يحل ما ذكيته بعدما جرحه السبع ، وأكل شيئا منه إذا أدركته والحياة فيه مستقرة فذبحته ، فأما ما صار بجرح السبع إلى حالة المذبوح فهو في حكم الميتة ، فلا يكون حلالاً وإن ذبحته ، وكذلك المتردية ، والنطيحة ، إذا أدركتها حيةً قبل أن تصير إلى حالة المذبوح ، فذبحتها ، تكون حلالاً . ولو رمى إلى صيد في الهواء فأصابه ، فسقط على الأرض ومات ، كان حلالا لأن الوقوع على الأرض من ضرورته فإن سقط على جبل ، أو شجر ، ثم تردى منه فمات ، فلا يحل ، وهو من المتردية ، إلا أن يكون السهم أصاب مذبحه في الهواء ، فيحل كيفما وقع ، لأن الذبح قد حصل بإصابة السهم المذبح .

قوله تعالى : { وما ذبح على النصب } . قيل : النصب جمع واحده نصاب ، وقيل : هو واحد ، وجمعه أنصاب ، مثل : عنق وأعناق ، وهو الشيء المنصوب ، واختلفوا فيه فقال مجاهد وقتادة : كانت حول البيت ثلاثمائة وستون حجراً منصوبة ، كان أهل الجاهلية يعبدونها ويعظمونها ، ويذبحون لها ، وليست هي بأصنام ، إنما الأصنام هي المصورة المنقوشة ، وقال الآخرون : هي الأصنام المنصوبة ، ومعناه : وما ذبح على اسم النصب ، قال ابن زيد : ( وما ذبح على النصب ) ( وما أهل لغير الله به ) : هما واحد ، قال قطرب : على بمعنى اللام ، أي : وما ذبح لأجل النصب .

قوله تعالى : { وأن تستقسموا بالأزلام } . أي : ويحرم عليكم الاستقسام بالأزلام ، والاستقسام هو طلب القسم والحكم من الأزلام والأزلام هي : القداح التي لا ريش لها ولا نصل ، واحدها زلم ، زلم بفتح الزاي ، وضمها ، كانت أزلامهم سبعة قداح مستوية ، من شوحط ، يكون عند سادن الكعبة ، مكتوب على واحد نعم ، وعلى واحد لا ، وعلى واحد منكم ، وعلى واحد من غيركم ، وعلى واحد ملصق ، وعلى واحد العقل ، وواحد غفل ليس عليه شيء ، فكانوا إذا أرادوا أمراً من سفر ، أو نكاح ، أو ختان أو غيره ، أو تداوروا في نسب ، أو اختلفوا في تحمل عقل ، جاءوا إلى هبل ، وكان أعظم أصنام قريش بمكة ، وجاءوا بمائة درهم فأعطوها صاحب القداح ، حتى يجيل القداح ، ويقولون : يا إلهنا ، إنا أردنا كذا وكذا ، فإن خرج نعم ، فعلوا ، وإن خرج لا ، لم يفعلوا ذلك حولاً ، ثم عادوا إلى القداح ثانيةً ، فإذا أجالوا على نسب فإن خرج منكم ، كان وسطاً منهم ، وإذا خرج من غيركم ، كان حليفاً ، وإن خرج ملصق كان على منزلته لا نسب له ، ولا حلف ، وإذا اختلفوا في عقل فمن خرج عليه قدح العقل حمله ، وإن خرج الغفل أجالوا ثانياً حتى يخرج المكتوب ، فنهى الله عز وجل عن ذلك وحرمه . قوله تعالى : { ذلكم فسق } . قال سعيد بن جبير : الأزلام حصا بيض ، كانوا يضربون بها ، وقال مجاهد : هي كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها ، وقال الشعبي وغيره : الأزلام للعرب ، والكعاب للعجم . وقال سفيان بن وكيع : هي الشطرنج . وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " العيافة ، والطيرة ، من الجبت " ، والمراد من الطرق : الضرب بالحصى .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أنا ابن فنجويه ، أنا فضل السندي ، أخبرنا الحسن بن داود الخشاب ، أنا سويد بن سعيد ، أنا أبو المختار ، عن عبد الملك بن عمير ، عن رجاء بن حيوة ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من تكهن ، أو استقسم ، أو تطير طيرة ترده عن سفره ، لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة ) .

قوله تعالى : { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } . يعني : أن ترجعوا إلى دينهم كفارا ، وذلك أن الكفار كانوا يطمعون في عود المسلمين إلى دينهم ، فلما قوي الإسلام أيسوا ، ويئس وأيس بمعنى واحد .

قوله تعالى : { فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً } . نزلت هذه الآية يوم الجمعة ، يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع ، والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء ، فكادت عضد الناقة تندق من ثقلها فبركت .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن إسماعيل ، حدثني الحسن بن الصباح . سمع جعفر بن عون ، أنا أبو العميس ، أنا قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً من اليهود قال له : يا أمير المؤمنين ، آية في كتابكم تقرؤونها ، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً . قال : أية آية ؟ قال : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً } قال عمر : قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم الجمعة . أشار عمر إلى أن ذلك اليوم كان عيداً لنا . قال ابن عباس : كان في ذلك اليوم خمسة أعياد : جمعة ، وعرفة ، وعيد اليهود ، والنصارى ، والمجوس . ولم تجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده .

وروى هارون بن عنترة عن أبيه قال : لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضي الله عنه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " ما يبكيك يا عمر ؟ فقال : أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا ، فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص ، قال : صدقت " . وكانت هذه الآية نعي النبي صلى الله عليه وسلم ، وعاش بعدها إحدى وثمانين يوماً ، ومات يوم الإثنين بعدما زاغت الشمس لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول ، سنة إحدى عشرة من الهجرة ، وقيل : توفي يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول ، وكانت هجرته في الثاني عشر من شهر ربيع الأول . أما تفسير الآية قوله عز وجل : { اليوم أكملت لكم دينكم } يعني : يوم نزول هذه الآية أكملت لكم دينكم ، يعني الفرائض ، والسنن ، والحدود ، والأحكام . والحلال ، والحرام . فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ، ولا شيء من الفرائض والسنن ، والحدود ، والأحكام . هذا معنى قول ابن عباس رضي عنهما . ويروى عنه أن آية الربا نزلت بعدها . وقال سعيد بن جبير وقتادة : { أكملت لكم دينكم } فلم يحج معكم مشرك وقيل : أظهرت دينكم وأمنتكم من العدو ، وقوله عز وجل : { وأتممت عليكم نعمتي } يعني : وأنجزت وعدي في قولي { ولأتم نعمتي عليكم } فكان من تمام نعمته أن دخلوا مكة آمنين ، وعليها ظاهرين ، وحجوا مطمئنين لم يخالطهم أحد من المشركين ، { ورضيت لكم الإسلام ديناً } ، سمعت عبد الواحد قال : سمعت أبا محمد بن حاتم قال : سمعت أبا بكر النيسابوري ، سمعت أبا بكر محمد بن الحسن بن المسيب المروزي ، سمعت أبا حاتم محمد بن إدريس الحنظلي ، سمعت عبد الملك بن مسلمة ، أنا مروان المصري سمعت إبراهيم بن أبي بكر بن المنكدر رضي الله عنه سمعت عمي محمد بن المنكدر سمعت جابر بن عبد الله يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال جبريل ، عليه السلام قال الله تعالى : " هذا دين ارتضيته لنفسي ، ولن يصلحه إلا السخاء ، وحسن الخلق ، فأكرموه بهما ما صحبتموه " .

قوله تعالى : { فمن اضطر في مخمصة } . أي : جهد في مجاعة ، والمخمصة خلو البطن من الغذاء ، يقال : رجل خميص البطن ، إذا كان طاوياً خاوياً .

قوله تعالى : { غير متجانف لإثم } . أي : مائل إلى إثم ، وهو أن يأكل فوق الشبع ، وقال قتادة : غير متعرض لمعصية في مقصده .

قوله تعالى : { فإن الله غفور رحيم } . وفيه إضمار . أي : فأكله فإن الله غفور رحيم . أخبرنا أبو عبد الله محمد بن حسن المزوري ، أنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سراج الطحان ، أنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان ، أنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز المكي ، أنا أبو عبيدة القاسم بن سلام ، أنا محمد بن كثير ، عن الأوزاعي ، عن حسان بن عطية ، عن أبي واقد الليثي ، قال رجل : يا رسول الله إنا نكون بالأرض فتصيبنا بها المخمصة فمتى تحل لنا الميتة ؟ فقال : ما لم تصطحبوا ، أو تغتبقوا ، أو تخنقوا بها بقلاً ، فشأنكم بها .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُواْ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ ذَٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (3)

ولما أتم الكلام على احترام أعظم المكان وأكرم الزمان وما لابسهما ، فهذب{[24184]} النفوس بالنهي عن حظوظها ، وأمر{[24185]} بعد تخليتها عن كل شر{[24186]} بتحليتها بكل خير عدّد على سبيل الاستئناف ما وعد بتلاوته عليهم مما حرم مطلقاً إلا في حال الضرورة فقال : { حرمت } بانياً الفعل للمفعول لأن الخطاب لمن يعلم أنه لا محرم إلا الله ، وإشعاراًَ بأن هذه الأشياء لشدة قذارتها{[24187]} كأنها محرمة بنفسها { عليكم الميتة } وهي ما فقد الروح بغير ذكاة شرعية ، فإن دم كل ما مات حتف أنفه يحبس في عروقه ويتعفن ويفسد ، فيضر أكله البدن بهذا الضرر الظاهر ، والدين بما يعلمه أهل البصائر { والدم } أي المسفوح ، وهو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق { ولحم الخنزير } خصه بعد دخوله في الميتة لاتخاذ النصارى أكله{[24188]} كالدين { وما أهل } ولما كان القصد في هذه السورة إلى حفظ محكم العهود المذكر بجلاله الباهر{[24189]} ، قدم المفعول له فقال : { لغير الله } أي الملك الأعلى { به } أي ذبح على اسم غيره من صنم أو غيره على وجه التقرب عبادة لذلك الشيء ، والإهلال : رفع الصوت .

ولما كان من الميتات ما لا تعافه النفوس عيافتها لغيره ، نص عليه فقال : { والمنخنقة } أي بحبل ونحوه ، سواء خنقها أو لا { والموقوذة } أي المضروبة بمثقل ، من{[24190]} : وقذه - إذا ضربه { والمتردية } أي الساقطة من عال ، المضطربة غالباً في سقوطها { والنطيحة } أي التي نطحها شيء فماتت { وما أكل السبع } أي{[24191]} كالذئب والنسر ونحوهما .

ولما كان كل واحدة من هذه قد تدرك حية فتذكى ، استثنى فقال : { إلا ما ذكيتم } أي من ذلك كله بأن أدركتموه وفيه حياة مستقرة ، بأن اشتد اضطرابه وانفجر منه الدم ؛ ولما حرم الميتات وعد في جملتها ما ذكر عليه اسم غير الله عبادة ، ذكر ما ذبح على الحجارة التي كانوا ينصبونها للذبح عندها{[24192]} تديناً وإن لم يذكر{[24193]} اسم شيء عليها فقال{[24194]} : { ما ذبح على النصب } وهو واحد الأنصاب ، وهي حجارة كانت حول الكعبة تنصب ، فيهل عليها ويذبح عندها تقرباً إليها وتعظيماً لها { وأن تستقسموا } أي تطلبوا على ما قسم لكم { بالأزلام } أي القداح التي لا ريش لها ولا نصل ، واحدها بوزن قلم وعمر{[24195]} وكانت ثلاثة ، على واحد : أمرني ربي ، وعلى آخر : نهاني ربي ، والآخر{[24196]} غفل ، فإن خرج الآمر فعل ، أو الناهي ترك ، أو الغفل أجيلت ثانية ، فهو دخول{[24197]} في علم الغيب وافتراء على الله بادعاء أمره ونهيه ، وإن أراد{[24198]} المنسوب إلى الصنم فهو الكفر الصريح{[24199]} ، وقال صاحب كتاب الزينة : يقال : إنه كانت عندهم سبعة قداح مستوية من شوحط{[24200]} ، وكانت بيد السادن ، مكتوب عليها " نعم " " لا " " منكم " " من غيركم " " ملصق " " العقل " " فضل العقل " فكانوا إذا اختلفوا في نسب الرجل جاؤوا إلى{[24201]} السادن بمائة درهم ، ثم قالوا للصنم : يا إلهنا ! قد تمارينا في نسب فلان ، فأخرج علينا الحق فيه ، فتجال{[24202]} القداح{[24203]} فإن خرج القدح{[24204]} الذي عليه " منكم " كان أوسطهم نسباً ، وإن خرج{[24205]} الذي عليه " من غيركم " كان حليفاً وإن خرج " ملصق " كان على منزلته لا{[24206]} نسب له ولا حلف ، وإذا أرادوا سفراً أو حاجة جاؤوا بمائة فقالوا : يا إلهنا ! أردنا كذا ، فإن خرج " نعم " فعلوا ، وإن خرج " لا " لم يفعلوا ، وإن{[24207]} جنى أحدهم جناية ، فاختلفوا فيمن يحمل العقل جاؤوا بمائة فقالوا : يا إلهنا ! فلان جنى{[24208]} عليه ، أخرج الحق{[24209]} ، فإن خرج القدح الذي عليه " العقل " لزم من ضرب عليه وبرىء الآخرون ، وإن خرج غيره كان على الآخرين العقل ، وكانوا إذا عقلوا{[24210]} العقل ففضل الشيء منه تداروا فيمن يحمله ، فضربوا عليه ؛ فإن خرج القدح الذي عليه " فضل العقل " للذي ضرب عليه لزمه ، وإلا كان على الآخرين الذين لم يضرب عليهم فهذا الاستقسام الذي حرمه{[24211]} الله لأنه يكون عند الأصنام ويطلبون ذلك منها ، ويظنون{[24212]} أن الذي أخرج لهم ذلك هو الصنم ، وأما إجالة{[24213]} السهام لا على هذا الوجه فهو جائز ، هو وتساهم{[24214]} واقتراع{[24215]} لا استقسام{[24216]} و{[24217]} قال أبو عبيدة : واحد الأزلام زلم - بفتح الزاء ، وقال بعضهم بالضم{[24218]} وهو القدح لا ريش له ولا نصل ، فإذا كان مريَّشاً فهو السهم - والله أعلم ؛ ويجوز أن يراد مع هذا ما كانوا يفعلونه في الميسر - على ما مضى في البقرة ، فإنه طلب معرفة ما قسم من الجزور ، ويلتحق بالأول كل كهانة وتنجيم{[24219]} ، وكل طيرة يتطيرها الناس الآن{[24220]} من التشاؤم ببعض الأيام وبعض الأماكن والأحوال ، فإياك أن تعرج على شيء من الطيرة ، فتكون على شعبة جاهلية ، ثم إياك ! .

ولما كانت هذه الأشياء شديدة الخبث أشار إلى تعظيم النهي عنها بأداة البعد وميم الجمع فقال : { ذلكم } أي الذي ذكرت لكم تحريمه { فسق } أي فعله خروج من الدين .

ولما كانت هذه المنهيات معظم دين أهل الجاهلية ، وكان سبحانه قد نهاهم قبلها عن{[24221]} إحلال شعائر الله والشهر الحرام وقاصدي المسجد الحرام{[24222]} بعد أن كان أباح لهم ذلك في بعض الأحوال والأوقات بقوله

{ وأخرجوهم من حيث أخرجوكم - ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام{[24223]} حتى يقاتلوكم فيه{[24224]} }[ البقرة : 191 ]

{ الشهر الحرام بالشهر الحرام{[24225]} }[ البقرة : 194 ]

{ واقتلوهم حيث ثقفتموهم{[24226]} }[ البقرة : 191 ] علم{[24227]} أن الأمر بالكف عن انتهاز الفرص إنما هو للأمن{[24228]} من الفوت ، وذلك لا يكون إلا{[24229]} من{[24230]} تمام القدرة ، وهو لا يكون إلا بعد كمال الدين وإظهاره على كل دين - كما حصل به الوعد الصادق ، وكذا الانتهاء عن جميع هذه المحارم إنما يكون لمن رسخ في الدين قدمه ، وتمكنت فيه عزائمه وهممه ، فلا التفات له إلى غيره ولا همه إلى سواه ، ولا مطمع لمخالفه فيه ، فعقب{[24231]} سبحانه النهي عن هذه المناهي كلها بقوله على سبيل النتيجة والتعليل : { اليوم } أي وقت{[24232]} نزول هذه الآية { يئس الذين كفروا } أي لابسوا الكفر سواء كانوا راسخين فيه أو لا { من دينكم } أي لم يبق لكم ولا لأحد منكم عذر في شيء من إظهار الموافقة لهم{[24233]} أو التستر من أحد منهم ، كما فعل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه حين{[24234]} كاتبهم ليحمي بذلك ذوي رحمه ، لأن الله تعالى قد كثركم بعد القلة ، وأعزكم بعد الذلة ، وأحيى بكم منار الشرع ، وطمس معالم شرع{[24235]} الجهل ، وهدّ منار الضلال ، فأنا أخبركم - وأنتم عالمون بسعة علمي - أن الكفار قد اضمحلت قواهم ، وماتت{[24236]} هممهم ، وذلت نخوتهم ، وضعفت عزائمهم ، فانقطع رجاؤهم عن أن يغلبوكم{[24237]} أو يستميلوكم إلى دينهم بنوع استمالة ، فإنهم رأوا دينكم قد قامت منائره ، وعلت في المجامع منابره ، وضرب محرابه ، وبرّك{[24238]} بقواعده وأركانه ، ولهذا سبب عما مضى قوله : { فلا تخشوهم } أي أصلاً { واخشون } أي وامحضوا الخشية لي وحدي ، فإن دينكم قد أكمل بدره ، وجل عن المحاق محله وقدره ، ورضي به الآمر ، ومكنه على رغم أنف الأعداء .

وهو قادر{[24239]} على ذلك{[24240]} ، وذلك{[24241]} قوله تعالى مسوقاً{[24242]} مساق التعليل : { اليوم أكملت لكم دينكم } أي الذي أرسلت{[24243]} إليكم به أكمل{[24244]} خلقي لتدينوا به وتدانوا ، وإكماله بإنزال كل ما يحتاج إليه من أصل وفرع ، نصاً على{[24245]} البعض ، وبياناً لطريق القياس في الباقي ، وذلك بيان لجميع الأحكام ، وأما قبل ذلك اليوم فهو وإن كان كاملاً لكنه بغير هذا المعنى ، بل إلى حين ثم يزيد فيه سبحانه ما يشاء ، فيكون به كاملاً أيضاً وأكمل مما مضى ، وهكذا إلى هذه النهاية ، وكان هذا{[24246]} هو المراد من قوله : { وأتممت عليكم نعمتي } أي التي قسمتها في القدم من هذا الدين على لسان هذا الرسول ، بأن جمعت عليه كلمة العرب الذين قضيت في القدم بإظهارهم على من ناواهم من جميع أهل الملل ، ليظهر بهم الدين ، وتنكسر شوكة المفسدين من غير حاجة في ذلك إلى غيرهم وإن كانوا بالنسبة إلى المخالفين كالشعرة البيضاء في جلد الثور{[24247]} الأسود { ورضيت لكم الإسلام } أي الذي هو الشهادة لله بما شهد به لنفسه من الوحدانية التي لمن{[24248]} يتبع الإذعان لها{[24249]} الإذعان لكل طاعة { ديناً } تتجازون{[24250]} به فيما بينكم ويجازيكم به ربكم ؛ روى البخاري في المغازي وغيره ، ومسلم في آخر الكتاب ، والترمذي في التفسير ، والنسائي في الحج عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه " أن رجلاً من اليهود قال له : يا أمير المؤمنين ! آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت{[24251]} لاتخذنا ذلك اليوم عيداً ، قال :{[24252]} أي آية ؟ قال{[24253]} : { اليوم أكملت لكم دينكم } فقال عمر رضي الله عنه : قد{[24254]} عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم ، نزلت وهو قائم بعرفة يوم جمعة " وفي التفسير من البخاري عن طارق بن شهاب " قالت اليهود لعمر : إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا لاتخذناها{[24255]} عيداً ، فقال عمر : إني لأعلم حيث أنزلت وأين أنزلت وأين{[24256]} رسول الله صلى الله عليه وسلم حين{[24257]} أنزلت " وقال البغوي : قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان ذلك اليوم خمسة أعياد{[24258]} : جمعة وعرفة وعيد اليهود وعيد النصارى والمجوس ، ولم تجتمع{[24259]} أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده ، قلت : ويوم الجمعة هو اليوم الذي أتم الله فيه خلق هذه الموجودات بخلق آدم عليه السلام بعد عصره ، وهو حين نزول هذه الآية إن شاء الله تعالى ، فكانت تلك الساعة من{[24260]} ذلك اليوم تماماً ابتداء ، وروى هارون بن{[24261]} عنترة عن أبيه قال : " لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضي الله عنه فقال له{[24262]} النبي صلى الله عليه وسلم :

" ما يبكيك يا عمر ؟ فقال : أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا ، فإذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص ، قال : صدقت ! " فكانت هذه الآية نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عاش بعدها إحدى وثمانين يوماً وقد روي أنه كان هجيري{[24263]} النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة من العصر إلى الغروب شهد الله أنه لا إله إلا هو{[24264]} - الآية ، وكأن ذلك كان جواباً{[24265]} منه صلى الله عليه وسلم لهذه الآية ، لفهمه صلى الله عليه وسلم أن إنزال آية{[24266]} عمران سر الإسلام وأعظمه وأكمله ، وهذه الآية من المعجزات ، لأنها إخبار بمغيب صدقها فيه الواقع .

ولما تمت هذه الجمل{[24267]} الاعتراضية التي صار ما{[24268]} بينها وبين ما قبلها و{[24269]} ما بعدها بأحكام الرصف واتقان{[24270]} الربط من الامتزاج أشد مما بين الروح والجسد ، المشيرة إلى أن هذه المحرمات هي التي تحقق بها أهل الكفر كمال المخالفة ، فأيسوا معها من المواصلة والمؤالفة ؛ رجع إلى{[24271]} تتمات لتلك المحظورات ، فقال مسبباً عن الرضى بالإسلام الذي هو الحنيفة السمحة المحرمة لهذه الخبائث لإضرارها بالبدن والدين : { فمن اضطر } أي ألجىء إلجاء عظيماً - من أي شيء كان - إلى تناول شيء مما مضى أنه حرم ، بحيث{[24272]} لا يمكنه معه{[24273]} الكف عنه { في مخمصة } أي مجاعة عظيمة{[24274]} { غير متجانف } أي متعمد ميلاً { لإثم } أي بالأكل على غير{[24275]} سد الرمق ، أو بالبغي على مضطر آخر بنوع مكر أو العدو عليه بضرب قهر ، وزاد بعد هذا التقييد{[24276]} تخويفاً بقوله : { فإن الله } أي الذي له الكمال كله{[24277]} { غفور رحيم * } أي يمحو عنه إثم ارتكابه للمنهي ولا يعاقبه عليه ولا يعاتبه{[24278]} ويكرمه ، بأن يوسع عليه من فضله ، و{[24279]} لا يضطره مرة{[24280]} أخرى - إلى غير ذلك من الإكرام وضروب الأنعام .


[24184]:في ظ: وهذب.
[24185]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24186]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24187]:في ظ: قذراتها.
[24188]:سقط من ظ.
[24189]:في ظ: الغاهر- كذا.
[24190]:في ظ: ما.
[24191]:سقط من ظ.
[24192]:سقط من ظ.
[24193]:في ظ: لم تدرك.
[24194]:زيد من ظ، إلا أن فيه عمرو.
[24195]:زيد من ظ: إلا أن فيع: عمرو.
[24196]:من ظ: وفي الأصل: لأخر- كذا.
[24197]:في ظ: ذا قول- كذا.
[24198]:في الأصل: الأفراد- كذا، وسقط هذا اللفظ من ظ مع اللفظين بعده.
[24199]:في ظ: الصراح.
[24200]:وهو شجر تتخذ منه القسى، وفي ظ: سواحط- كذا.
[24201]:زيد بعده في ظ: سارق.
[24202]:في ظ: لتحال.
[24203]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24204]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24205]:سقط من ظ.
[24206]:سقط من ظ.
[24207]:في ظ: إذا.
[24208]:من ظ، وفي الأصل: يجنى- كذا.
[24209]:زيد من ظ.
[24210]:في ظ: عقل.
[24211]:من ظ، وفي الأصل: حرم.
[24212]:في ظ: يطلبون.
[24213]:في ظ: أحاله.
[24214]:في ظ: تسليم.
[24215]:في ظ: الاستقسام.
[24216]:في ظ: الاستقسام.
[24217]:من ظ، وفي الأصل: قال.
[24218]:سقط من ظ.
[24219]:في ظ: سختم.
[24220]:سقط من ظ.
[24221]:من ظ، وفي الأصل: من.
[24222]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24223]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24224]:سورة 2 آية 191.
[24225]:سورة 2 آية 193.
[24226]:سورة 2 آية 191.
[24227]:في ظ: اعلم.
[24228]:في ظ: للابن.
[24229]:سقط من ظ.
[24230]:في ظ: عن.
[24231]:في ظ: فعقبه.
[24232]:من ظ، وفي الأصل "و".
[24233]:سقط من ظ.
[24234]:سقط من ظ.
[24235]:زيد من ظ.
[24236]:من ظ، وفي الأصل: مات.
[24237]:في ظ: يعلنوكم.
[24238]:في ظ: ترك.
[24239]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24240]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24241]:زيد من ظ.
[24242]:من ظ، وفي الأصل: لسوق- كذا.
[24243]:من ظ، وفي الأصل: أرسلنا.
[24244]:في ظ: كمل.
[24245]:في ظ: عن.
[24246]:سقط من ظ.
[24247]:من ظ، وفي الأصل: النور.
[24248]:سقط من ظ.
[24249]:في ظ: بها.
[24250]:في ظ: يتجاوزون.
[24251]:زيد من ظ والمراجع الأربعة.
[24252]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24253]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24254]:سقط من ظ.
[24255]:من صحيح البخاري، وفي الأصل: لاتخذنا، وفي ظ: لاتخذها.
[24256]:سقط من ظ.
[24257]:في ظ ونسخة من الصحيح: حيث.
[24258]:زيدت الواو بعده في ظ.
[24259]:في ظ: لم تجمع.
[24260]:في ظ: في.
[24261]:وقع في ظ: عن- خطأ.
[24262]:سقط من ظ.
[24263]:من ظ، أي دأبه وشانه صلى الله عليه وسلم، وفي الأصل: يتحرى- كذا.
[24264]:سورة 3 آية 18.
[24265]:سقط من ظ.
[24266]:زيد من ظ.
[24267]:من ظ، وفي الأصل: الجملة.
[24268]:زيد من ظ.
[24269]:زيد بعده في ظ: بين.
[24270]:في ظ: إيثاق.
[24271]:زيد من ظ.
[24272]:من ظ، وفي الأصل: أي.
[24273]:زيد من ظ.
[24274]:زيد من ظ.
[24275]:سقط من ظ.
[24276]:في ظ: القيد.
[24277]:من ظ، وفي الأصل: لملكه.
[24278]:زيد من ظ.
[24279]:في ظ: يضر من.
[24280]:في ظ: يضر من.