قوله تعالى : { ويوم يحشرهم } ، قرأ حفص : { يحشرهم } ، بالياء .
قوله تعالى : { جميعاً } ، يعني : الجن والإنس يجمعهم في موقف القيامة فيقول : { يا معشر الجن } ، والمراد بالجن : الشياطين
قوله تعالى : { قد استكثرتم من الإنس } ، أي : استكثرتم من الإنس بالإضلال والإغواء ، أي : أضللتم كثيراً .
قوله تعالى : { وقال أولياؤهم من الإنس } ، يعني : أولياء الشياطين الذين أطاعوهم من الإنس .
قوله تعالى : { ربنا استمتع بعضنا ببعض } قال الكلبي : استمتاع الإنس بالجن هو أن الرجل كان إذا سافر ونزل بأرض قفر ، وخاف على نفسه من الجن قال : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ، فيبيت في جوارهم ، وأما استمتاع الجن بالإنس هو أنهم قالوا : قد سدنا الإنس مع الجن ، حتى عاذوا بنا ، فيزدادون شرفاً في قومهم ، وعظماً في أنفسهم ، وهذا كقوله تعالى : { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً } . وقيل : استمتاع الإنس بالجن ، ما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والسحر والكهانة ، وتزيينهم لهم الأمور التي يهوونها ، حتى يسهل فعلها عليهم ، واستمتاع الجن بالإنس طاعة الإنس لهم فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصي . قال محمد بن كعب : هو طاعة بعضهم بعضاً ، وموافقة بعضهم لبعض .
قوله تعالى : { وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا } ، يعني : القيامة والبعث ،
قوله تعالى : { قال } الله تعالى : { النار مثواكم } مقامكم .
قوله تعالى : { خالدين فيها إلا ما شاء الله } . اختلفوا في هذا الاستثناء كما اختلفوا في قوله : { خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك } [ هود :107 ] . قيل : أراد إلا قدر مدة ما بين بعثهم إلى دخولهم جهنم ، يعني : هم خالدون في النار إلا هذا المقدار . وقيل : الاستثناء يرجع إلى العذاب ، وهو قوله { النار مثواكم } ، أي : خالدين في النار سوى ما شاء الله من أنواع العذاب ، وقال ابن عباس : الاستثناء يرجع إلى قوم سبق فيهم علم الله أنهم يسلمون فيخرجون من النار ، و( ما ) بمعنى ( من ) على هذا التأويل .
قوله تعالى : { إن ربك حكيم عليم } ، قيل : عليم بمن استثنى ، عليم بما في قلوبهم من البر والتقوى .
ولما فصل سبحانه أحوال الفريقين ، وحض على التذكر{[31180]} تنبيهاً على أن كل ما في القرآن مما يهدي إليه العقل ، وذكر مآل{[31181]} المتذكرين فأفهم أن غيرهم إلى عطب ، لأنهم تولوا ما يضرهم لأنهم تبعوا شهواتهم ، وكان من المعلوم أنهم يعبدون{[31182]} غير مالكهم ، وأنه ما من عبد يخدم غير سيده بغير أمر سيده إلاّ عاتبه أو{[31183]} عاقبه ، هذا مركوز في كل عقل ؛ ذكر سبحانه ما يتقدم ذلك المآل{[31184]} من الأهوال في{[31185]} الأجل المسمى الذي أخفاه عنده وجعله من أعظم مباني{[31186]} هذه السورة ، وأبهمه في{[31187]} أولها ، وبيّن في{[31188]} أثنائها بعض{[31189]} أحواله مراراً في وجوه من أفانين البيان ، وهو يوم الحشر ، فذكر هنا سبحانه بعض{[31190]} أحوال الغافلين وبعض{[31191]} ما يقول لهم فيه وما يفعله معهم من عتاب وعقاب ، {[31192]} لطفاً بهم{[31193]} واستعطافاً إلى المتاب ، فقال جامعاً الفريقين { ويوم } أي اذكر في تذكرك يوم { يحشرهم{[31194]} } أي أهل ولايتنا وأهل عداوتنا { جميعاً } لا نذر منهم أحداً { يا{[31195]} } أي فنقول على لسان من نشاء من جنودنا لأهل عداوتنا تبكيتاً وتوبيخاً حين لا يكون{[31196]} لهم مدافعة أصلاً : { معشر الجن } أي المستترين الموحشين من{[31197]} مردة الشياطين المسلطين على الإنس ، وهم يرونهم من حيث لا ترونهم{[31198]} { قد استكثرتم } أي طلبتم{[31199]} وأوجدتم{[31200]} الكثرة { من الإنس } أي من إغواء{[31201]} المؤنسين الظاهرين{[31202]} حتى صار أكثرهم أتباعكم ، فالآية من الاحتباك : عبر بما يدل على الستر أولاً دلالة على ضده - وهو الظهور - ثانياً ، وبما معناه الاستئناس والسكون ثانياً دلالة على ضده وهو الإيحاش والنفرة - أولاً{[31203]} . { وقال } هو عطف على جواب الجن المستتر{[31204]} عن{[31205]} العامل في " يا معشر " الذي تقديره كما يهدي إليه الآيات التي{[31206]} تأتي{[31207]} في السورة الآتية في تفصيل هذه المحاورة : فقالوا : ربنا هم ضلوا ، لأنهم{[31208]} كانوا يستمعون بنا في نفوذهم وسماعهم الأخبار الغريبة منا ، فاستوجبوا العذاب بمفردهم ، وستر جواب الجن لأنه - مع كونه لا يخفى لدلالة المعطوف عليه- مناسب لحالهم في الاستتار مع شهرتهم ، وذكره{[31209]} بلفظ الماضي إشارة إلى تحقق وقوعه ، لأنه خبر من لا يخلف الميعاد ، والمراد بهذه المحاورة ضرب مما يأتي تفصيله بقوله{[31210]}
{ قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا{[31211]} }[ الأعراف : 38 ] - الآية ، وقوله { فقال الضعفاء{[31212]} للذين استكبروا{[31213]} إنا كنا لكم{[31214]} تبعاً } - الآية { أولياؤهم } أي الجن { من الإنس } أي{[31215]} الذين تولوهم بالاتباع والطاعة فيما دعوهم إليه من الضلال ، معترفين مستعطفين { ربنا } أيها المربي لنا المحسن إلينا{[31216]} { استمتع } أي طلب المتاع وأوجده { بعضنا ببعض } نحن بهم فيما قالوا ، وهم بنا في طاعتنا لهم وعياذنا بهم { وبلغنا } أي نحن وهم { أجلنا } وأحالوا{[31217]} الأمر على القدر فقالوا : { الذي أجلت لنا } وهو الموت الذي كتبته علينا و{[31218]} سويت بيننا في سوط قهره وتجرع كؤس حره{[31219]} وقره ، ثم هذا اليوم الذي كنا مشتركين في التكذيب به ، فاستوجبنا العذاب كلنا .
ولما تم ذلك كان كأنه قيل : فما{[31220]} قال الله لهم بعد هذه المحاورة الغريبة التي{[31221]} هي ضرب من كلام أهل الباطن في الدنيا لجلج مضطرب لا حاصل له ؟ فقيل : { قال } أي المخاطب لهم عن{[31222]} الله { النار مثواكم } أي منزلكم جميعاً من غير أن تنفعكم{[31223]} الإحالة على القدر { خالدين فيها } أي إلى ما لا آخر له ، لأن الأعمال بالنية وقد كنتم على عزم ثابت أنكم على هذا الكفر ما بقيتم ولو إلى{[31224]} ما لا آخر له ، فالجزاء من جنس العمل .
ولما كان من{[31225]} المقرر أنه لا تمام لملك من يجب عليه شيء ويلزمه بحيث لا يقدر على{[31226]} الانفكاك عنه ، بين سبحانه أن ملكه ليس كذلك ، بل هو{[31227]} على غاية الكمال ، لا يجب عليه شيء بل كل فعله جميل ، وجميع ما يبدو منه حسن ، فعلق دوام عذابهم على{[31228]} المشيئة فقال : { إلا ما شاء } ولما كان القصد في هذه السورة إلى إظهار العظمة للغيرة على مقام الإلهية ، عبر بالاسم الأعظم فقال : { الله } أي الذي له رداء الكبر فلا يستطيع أحد أن يعترض عليه ولا أن يهم بذلك ، هيهات هيهات ! انقطعت دون ذلك الآمال ، فظلت{[31229]} ناكسة أعناق الرجال ، وبيده إزار العز ، فمن اختلج في سره أن يرفع ناكس عنقه ضربه بمقامع الذل ، وأنزله في مهاوي الخزي ، وقد تقرر أنه سبحانه لا يشاء انقطاع شيء من ذلك عنهم في حال من الأحوال ، ونطق الكتاب بذلك في صرائح الأقوال ، وفي سوقه معلقاً هكذا مع ما تقدم زيادة في عذابهم بتعليق رجائهم من انقطاع بلائهم بما لا مطمع فيه .
ولما كان في إظهار الجلال في هذا الحال من عظيم الأهوال ما لا يسعه المقال ، أتبعه اللطف بالمخاطب{[31230]} به صلى الله عليه وسلم فقال{[31231]} : { إن ربك } أي المحسن إليك برفع أوليائك وخفض أعدائك .
ولما كان السياق - في مثل هذه المقاولة في مجمع الحكم - للحكمة والعلم ، وكان النظر إلى الحكمة في تنزيل كل شيء منزلة أعظم ، قدم وصفها فقال : { حكيم } أي فلا يعذب المخلص ويترك المشرك ولا يعذب بعض من أشرك ويترك بعضاً { عليم * } أي بدقائق الأمور وجلائلها من الفريقين ، فلا يخفى عليه عمل أحد فيهمله لذلك .