فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ قَدِ ٱسۡتَكۡثَرۡتُم مِّنَ ٱلۡإِنسِۖ وَقَالَ أَوۡلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلۡإِنسِ رَبَّنَا ٱسۡتَمۡتَعَ بَعۡضُنَا بِبَعۡضٖ وَبَلَغۡنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيٓ أَجَّلۡتَ لَنَاۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ} (128)

{ و } اذكر { يوم نحشرهم } أي الخلق { جميعا } في القيامة أو المعنى يوم الحشر نقول : { يا معشر الجن } المراد بهم الشياطين والمعشر الجماعة والجمع معاشر { قد استكثرتم من الإنس } أي من الاستمتاع بهم كقوله { ربنا استمتع بعضنا ببعض } وقيل استكثرتم من إغوائهم وإضلالهم حتى صاروا في حكم الأتباع لكم فحشرناهم معكم ، ومثله قولهم استكثر الأمير من الجنود ، والمراد التوبيخ والتقريع ، وعلى الأول فالمراد بالاستمتاع التلذذ من الجن بطاعة الإنس لهم ودخولهم فيما يريدون منهم .

{ وقال أولياؤهم من الإنس } لعل الاقتصار على حكاية كلام الضالين وهم الإنس دون المضلين وهم الجن للإيذان بأن المضلين قد أفحموا بالمرة فلم يقدروا على التكلم أصلا .

{ ربنا استمتع بعضنا ببعض } أما استمتاع الجن بالإنس فهو ما تقدم من تلذذهم بإتباعهم لهم ، وأما استمتاع الإنس بالجن فحيث قبلوا منهم تحسين المعاصي فوقعوا فيها وتلذذوا بها ، فذلك هو استلذاذهم بالجن .

وقيل استمتاع الإنس بالجن أنه كان إذا مر الرجل بواد في سفره وخاف على نفسه قال : أعوذ برب هذا الوادي من جميع ما أحذر ، يعني ربه من الجن ، ومنه قوله تعالى : { وإنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا } وقيل استمتاع الجن بالإنس أنهم كانوا يصدقونهم فيما يقولون من الأخبار الغيبية الباطلة ، واستمتاع الإنس بالجن أنهم كانوا يتلذذون بما يلقونه إليهم من الأكاذيب والأراجيف والسحر وينالون بذلك شيئا من حظوظ الدنيا كالكهان .

{ وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا } أي يوم القيامة اعترافا منهم بالوصول إلى ما وعدهم الله به مما كانوا يكذبون به ، قال الحسن والسدي : الأجل الموت ، وقيل هو وقت البعث والحساب يوم القيامة ، وهذا تحسر منهم على حالهم أي أن ذلك الاستمتاع كان إلى أجل معين محدود ، ثم ذهب وبقيت الحسرة والندامة .

ولما قالوا هذه المقالة أجاب الله عليهم و { قال النار مثواكم } أي موضع مقركم ومقامكم ، والمثوى المقام ، والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر { خالدين فيها } أي مقيمين في نار جهنم أبدا { إلا ما شاء الله } المعنى الذي تقتضيه لغة العرب في التركيب أنهم يخلدون في النار في كل الأوقات إلا في الوقت الذي يشاء الله عدم بقائهم فيها ، وعليه جرى السيوطي تبعا لشيخه المحلي في سورة الصافات ، وهو مخالف في ذلك لقوله تعالى : { يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها } .

والعجب منه أنه اختار هذا التفسير مع أنه في كتابه الدر المنثور قال : إن السلف على أن الكفار لا يخرجون من النار أصلا ، قاله القاري ، وقال الزجاج : إن الاستثناء يرجع إلى يوم القيامة أي خالدين في النار إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في الحساب إلى حين دخلوهم إلى النار ، وهو تعسف لأن الاستثناء هو من الخلود الدائم ولا يصدق على من لم يدخل النار . وقيل الاستثناء راجع إلى النار أي إلا ما شاء الله من تعذيبهم بغيرها في بعض الأوقات كالزمهرير ، وبه فسر النسفي والشهاب وزاده الآية .

وقيل الاستثناء لأهل الإيمان و ( ما ) بمعنى من أي إلا من شاء الله إيمانه فإنه لا يدخل النار ، وبه قال ابن عباس كما حكاه الجمهور ، وبه قال الكرخي ، وقيل المعنى إلا ما شاء الله من كونهم في الدنيا بغير عذاب .

وكل هذه التأويلات متكلفة والذي ألجأ إليها ما ورد في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من خلود الكافر في النار أبدا ، ولكن لا تعارض بين عام وخاص لاسيما بعد وروده في القرآن مكررا كما سيأتي في سورة هود { خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد } ولعله يأتي هنالك إن شاء الله تعالى زيادة تحقيق .

قال ابن عباس : في هذه الآية إنه لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه أن لا ينزل لهم جنة ولا نارا ، وقد أوضح المقام الحافظ ابن القيم رحمه الله في كتابه حادي الأرواح فليرجع إليه .

{ إن ربك حكيم } أي في تدبير خلقه وتصريفه إياهم في مشيئته من حال إلى الحال وغير ذلك من أفعاله { عليم } بعواقب أمور خلقه وما هم إليه صائرون .