قوله تعالى : { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } الآية ، روي عن مسروق قال : قالت عائشة رضي الله عنها : من حدثك أن محمداً صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً مما أنزل الله عليه فقد كذب ، وهو يقول : { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } الآية . روي عن الحسن : أن الله تعالى لما بعث رسوله ضاق ذرعاً ، وعرف أن من الناس من يكذبه ، فنزلت هذه الآية . وقيل : نزلت في عيب اليهود ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام ، فقالوا : أسلمنا قبلك ، وجعلوا يستهزؤون به ، فيقولون : تريد أن نتخذك حناناً كما اتخذت النصارى عيسى حناناً ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك سكت ، فنزلت هذه الآية وأمره بأن يقول لهم : { يا أهل الكتاب لستم على شيء } الآية . وقيل : بلغ ما أنزل إليك من الرجم والقصاص ، نزلت في قصة اليهود . وقيل : نزلت في أمر زينب بنت جحش ونكاحها . وقيل : في الجهاد ، وذلك أن المنافقين كرهوه ، كما قال الله تعالى : { فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت } [ محمد :20 ] كرهه بعض المؤمنين ، قال الله تعالى : { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم } الآية [ النساء : 70 ] فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمسك في بعض الأحايين عن الحث على الجهاد لما يعلم من كراهة بعضهم ، فأنزل الله هذه الآية .
قوله تعالى : { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } ، قرأ أهل المدينة والشام ، وأبو بكر ، ويعقوب : { رسالاته } ، على الجمع ، والباقون رسالته على التوحيد . ومعنى الآية : إن لم تبلغ الجميع ، وتركت بعضه ، فما بلغت شيئاً ، أي : جرمك في ترك تبليغ البعض كجرمك في ترك تبليغ الكل ، كقوله : { نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا } [ النساء : 150-151 ] أخبر أن كفرهم بالبعض محبط للإيمان بالبعض ، وقيل : { بلغ ما أنزل إليك } أي : أظهر تبليغه ، كقوله : { فاصدع بما تؤمر } [ الحجر :94 ] { وإن لم تفعل } : فإن لم تظهر تبليغه فما بلغت رسالته ، أمره بتبليغ ما أنزل إليه مجاهراً ، محتسباً ، صابراً ، غير خائف ، فإن أخفيت منه شيئاً لخوف يلحقك فما بلغت رسالته .
قوله تعالى : { والله يعصمك من الناس } ، يحفظك ويمنعك من الناس ، فإن قيل : أليس قد شج رأسه وكسرت رباعيته ، وأوذي بضروب من الأذى ؟ قيل : معناه يعصمك من القتل ، فلا يصلون إلى قتلك . وقيل : نزلت هذه الآية بعد ما شج رأسه ، لأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن ، وقيل : والله يخصك بالعصمة من بين الناس ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم .
قوله تعالى : { إن الله لا يهدي القوم الكافرين } .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا أبو اليمان ، أنا أبو شعيب ، عن الزهري ؛ أنا سنان بن أبي سنان الدولي و أبو سلمة بن عبد الرحمن ، أن جابر بن عبد الله أخبره ، أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد ، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل معه ، وأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس يستظلون بالشجر ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة وعلق بها سيفه ، ونمنا نومة ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا ، وإذا عنده أعرابي ، فقال : ( إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم ، فاستيقظت وهو في يده صلتاً ، فقال : من يمنعك مني ؟ فقلت : الله ثلاثاً ) ، ولم يعاقبه وجلس .
وروى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة رضي الله عنه : " أن الأعرابي سل سيفه وقال : من يمنعك مني يا محمد ؟ قال : الله ، فرعدت يد الأعرابي ، وسقط السيف من يده ، وجعل يضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية " . أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل بن خليل ، أخبرنا علي بن مسهر ، أنا يحيى بن سعيد ، أنا عبد الله بن عامر بن ربيعة قال : سمعت عائشة رضي الله عنها تقول : " كان النبي صلى الله عليه وسلم سهر فلما قدم المدينة قال : ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة ، إذ سمعنا صوت سلاح ، فقال : من هذا ؟ قال : أنا سعد بن أبي وقاص جئت لأحرسك ، ونام النبي صلى الله عليه وسلم " .
وقال عبد الله بن شفيق ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية { والله يعصمك من الناس } ، فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة فقال لهم : ( أيها الناس ، انصرفوا فقد عصمني الله سبحانه وتعالى ) .
الأولى : قوله تعالى : " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك " . قيل : معناه أظهر التبليغ ؛ لأنه كان في أول الإسلام يخفيه خوفا من المشركين ، ثم أمر بإظهاره في هذه الآية ، وأعلمه الله أنه يعصمه من الناس . وكان عمر رضى الله عنه أول من أظهر إسلامه وقال : لا نعبد الله سرا ، وفي ذلك نزلت : " يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين{[5792]} " [ الأنفال : 64 ] فدلت الآية على رد قول من قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من أمر الدين تقية ، وعلى بطلانه ، وهم الرافضة ، ودلت على أنه صلى الله عليه وسلم لم يسر إلى أحد شيئا من أمر الدين ؛ لأن المعنى بلغ جميع ما أنزل إليك ظاهرا ، ولولا هذا ما كان في قوله عز وجل : " وإن لم تفعل فما بلغت رسالته " فائدة . وقيل : بلغ ما أنزل إليك من ربك في أمر زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها{[5793]} . وقيل غير هذا ، والصحيح القول بالعموم ، قال ابن عباس : المعنى بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك ، فإن كتمت شيئا منه فما بلغت رسالته ، وهذا تأديب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وتأديب لحملة العلم من أمته ألا يكتموا شيئا من أمر شريعته ، وقد علم الله تعالى من أمر نبيه أنه لا يكتم شيئا من وحيه . وفي صحيح مسلم من مسروق عن عائشة أنها قالت : من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من الوحي فقد كذب ، والله تعالى يقول : " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته " وقبح الله الروافض حيث قالوا : إنه صلى الله عليه وسلم كتم شيئا مما أوحى إليه كان بالناس حاجة إليه .
الثانية : قوله تعالى : " والله يعصمك من الناس " فيه دليل على نبوته ؛ لأن الله عز وجل أخبر أنه معصوم ، ومن ضمن سبحانه له العصمة فلا يجوز أن يكون قد ترك شيئا مما أمره الله به . وسبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نازلا تحت شجرة ، فجاء أعرابي فاخترط{[5794]} سيفه وقال للنبي صلى الله عليه وسلم : من يمنعك مني ؟ فقال : [ الله ] ، فذعرت يد الأعرابي وسقط السيف من يده ، وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ، ذكره المهدوي . وذكره القاضي عياض في كتاب الشفاء قال : وقد رويت هذه القصة في الصحيح ، وأن غورث بن الحارث صاحب القصة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عنه ، فرجع إلى قومه وقال : جئتكم من عند خير الناس . وقد تقدم الكلام في هذا المعنى في هذه السورة عند قوله : " إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم{[5795]} " [ المائدة : 11 ] مستوفى ، وفي " النساء " أيضا في ذكر صلاة الخوف . وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبدالله قال : غزونا مع وسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة قبل نجد فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في واد كثير العضاه{[5796]} فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها ، قال : وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر ، قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن رجلا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف صلتا{[5797]} في يده فقال لي : من يمنعك مني - قال – قلت : الله ثم قال في الثانية من يمنعك مني - قال – قلت : الله قال فشام{[5798]} السيف ، فها هو ذا جالس ثم لم يعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وقال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعا وعرفت أن من الناس من يكذبني فأنزل الله هذه الآية ) وكان أبو طالب يرسل كل يوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا من بني هاشم يحرسونه حتى نزل : " والله يعصمك من الناس " فقال النبي صلى الله عليه وسلم : [ يا عماه{[5799]} إن الله قد عصمني من الجن والإنس فلا احتاج إلى من يحرسني ] .
قلت : وهذا يقتضي أن ذلك كان بمكة ، وأن الآية مكية وليس كذلك ، وقد تقدم أن هذه السورة مدنية بإجماع ، ومما يدل على أن هذه الآية مدنية ما رواه مسلم في الصحيح عن عائشة قالت : سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال : [ ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة ] قالت : فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة{[5800]} سلاح ، فقال : [ من هذا ] ؟ قال : سعد بن أبي وقاص فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ما جاء بك ] ؟ فقال : وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه ، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نام . وفي غير الصحيح قالت : فبينما نحن كذلك سمعت صوت السلاح ، فقال : [ من هذا ] ؟ فقالوا : سعد وحذيفة جئنا نحرسك ، فنام صلى الله عليه وسلم حتى سمعت غطيطه{[5801]} ونزلت هذه الآية ، فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من قبة آدم وقال : [ انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله ] . وقرأ أهل المدينة : " رسالته " على الجميع . وأبو عمرو وأهل الكوفة : " رسالته " على التوحيد ، قال النحاس : والقراءتان حسنتان والجمع أبين ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي شيئا فشيئا ثم يبينه ، والإفراد يدل على الكثرة ، فهي كالمصدر والمصدر في أكثر الكلام لا يجمع ولا يثنى لدلالته على نوعه بلفظه كقوله : " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها{[5802]} " [ إبراهيم : 34 ] . " إن الله لا يهدي القوم الكافرين " أي لا يرشدهم وقد تقدم . وقيل : أبلغ أنت فأما الهداية فإلينا . نظيره " ما على الرسول إلا البلاغ{[5803]} " [ المائدة :99 ] والله أعلم .