معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ} (255)

قوله تعالى : { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أبو منصور محمد بن سمعان ، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الزياتي ، أنا حميد بن زنجويه ، أنا ابن أبي شيبة ، أنا عبد الأعلى ، عن الجريري عن أبي السلسبيل عن عبد الله ابن رباح الأنصاري عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أبا المنذر أي آية من كتاب الله أعظم ؟ قلت : الله لا إله إلا هو الحي القيوم ، قال : فضرب في صدري ثم قال : ليهنك العلم يا أبا المنذر ، ثم قال : والذي نفس محمد بيده إن لهذه الآية لساناً وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل قال عثمان بن الهيثم أبو عمرو : أخبرنا عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إني محتاج ولي عيال ولي حاجة شديدة قال : فخليت سبيله فأصبحت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة ؟ قلت : يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله قال : أما إنه قد كذبك وسيعود ، فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فرصدته ، فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : دعني فإني محتاج ولي عيال ولا أعود ، فرحمته فخليت سبيله فأصبحت فقال : لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا هريرة ما فعل أسيرك قلت : يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته وخليت سبيله قال : أما إنه كذبك وسيعود ، فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا آخر ثلاث مرات إنك تزعم لا تعود ، ثم تعود قال : دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها قلت : ما هي ؟ قال : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) حتى تختم الآية ، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله ، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما فعل أسيرك البارحة ؟ قلت يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال : ما هي ؟ قلت : قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) وقال : لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح ، وكانوا أحرص الناس على الخير ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما إنه قد صدقك وهو كذوب ، تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة ؟ قلت : لا قال ذاك الشيطان " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو منصور السمعاني ، أخبرنا أبو جعفر الزياتي ، أخبرنا حميد بن زنجويه ، أخبرنا يحيى ، أخبرنا أبو معاوية ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر هو المليكي عن زرارة بن مصعب عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرأ حين يصبح آية الكرسي ، وآيتين من أول : حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ، حفظ في يومه ذلك حتى يمسي ، ومن قرأهما حين يمسي حفظ في ليلته تلك حتى يصبح " .

قوله عز وجل : " الله " رفع بالابتداء ، وخبره في " لا إله إلا هو الحي " الباقي الدائم على الأبد ، وهو من له الحياة ، والحياة صفة الله تعالى " القيوم " قرأ عمر وابن مسعود " القيام " وقرأ علقمة " القيم " وكلها لغات بمعنى واحد ، قال مجاهد : القيوم القائم على كل شيء ، قال الكلبي : القائم على كل نفس بما كسبت وقيل هو القائم بالأمور . وقال أبو عبيدة : الذي لا يزول .

قوله تعالى : { لا تأخذه سنة ولا نوم } . السنة : النعاس وهو النوم الخفيف ، والوسنان بين النائم واليقظان ، يقال منه وسن يسن وسناً وسنة ، والنوم : هو الثقيل المزيل للقوة والعقل ، قال المفضل الضبي : السنة في الرأس والنوم في القلب ، فالسنة أول النوم وهو النعاس ، وقيل : السنة في الرأس والنعاس في العين والنوم في القلب فهو غشية ثقيلة تقع على القلب تمنع المعرفة بالأشياء ، نفى الله تعالى عن نفسه النوم لأنه آفة وهو منزه عن الآفات ولأنه تغير ولا يجوز عليه التغير .

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ، أخبرنا عبد الله بن حامد ، أخبرنا محمد بن جعفر ، أخبرنا علي بن حرب ، أخبرنا أبو معاوية أخبرنا الأعمش ، عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن أبي موسى قال : " قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال : إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ، ولكنه يخفض القسط ، ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل ، حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ، ورواه المسعودي عن عمرو بن مرة وقال : حجابه النار .

قوله تعالى : { له ما في السماوات وما في الأرض } . ملكاً وخلقاً .

قوله تعالى : { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } . بأمره .

قوله تعالى : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } . قال مجاهد وعطاء والسدي : ما بين أيديهم من أمر الدنيا ، وما خلفهم من أمر الآخرة ، وقال الكلبي : ما بين أيديهم يعني الآخرة لأنهم يقدمون عليها ، وما خلفهم من الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم ، وقال ابن جريج : { ما بين أيديهم } ما مضى أمامهم { وما خلفهم } ما يكون بعدهم ، وقال مقاتل : ( ما بين أيديهم ) ، ما كان قبل خلق الملائكة { وما خلفهم } أي ما كان بعد خلقهم ، وقيل : { ما بين أيديهم } أي ما قدموه من خير أو وشر وما خلفهم ما هم فاعلوه .

قوله تعالى : { ولا يحيطون بشيء من علمه } . أي من علم الله .

قوله تعالى : { إلا بما شاء } . أي يطلعهم عليه ، يعني لا يحيطون بشيء من علم الغيب إلا بما شاء مما أخبر به الرسل كما قال الله تعالى : ( فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ) .

قوله تعالى : { وسع كرسيه السماوات والأرض } . أي ملأ وأحاط بهما ، واختلفوا في الكرسي فقال الحسن : هو العرش نفسه ، وقال أبو هريرة رضي الله عنه : الكرسي موضوع أمام العرش ومعنى قوله : { وسع كرسيه السماوات والأرض } أي سعته مثل سعة السماوات والأرض ، وفي الأخبار أن السماوات والأرض في جنب الكرسي كحلقة في فلاة ، والكرسي في جنب العرش كحلقة في فلاة .

ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن السماوات السبع ، والأرضين السبع في الكرسي كدراهم سبعة ألقيت في ترس ، وقال علي ومقاتل : كل قائمة من الكرسي طولها مثل السماوات السبع والأرضين السبع ، وهو بين يدي العرش ، ويحمل الكرسي أربعة أملاك ، لكل ملك أربعة وجوه ، وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة السفلى مسيرة خمسمائة عام ، ملك على صورة سيد البشر آدم عليه السلام ، وهو يسأل للآدميين الرزق والمطر من السنة إلى السنة ، وملك على صورة سيد الأنعام ، وهو الثور ، وهو يسأل للإنعام الرزق من السنة إلى السنة وعلى وجهه غضاضة منذ عبد العجل ، وملك على صورة سيد السباع وهو الأسد يسأل للسباع الرزق من السنة إلى السنة ، وملك على صورة سيد الطير ، وهو النسر يسأل الرزق للطير من السنة إلى السنة " .

وفي بعض الأخبار : أن ما بين حملة العرش وحملة الكرسي سبعين حجاباً من ظلمة ، وسبعين حجاباً من نور غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام ، لولا ذلك لاحترق حملة الكرسي من نور حملة العرش . ذ

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أراد بالكرسي علمه ، وهو قول مجاهد ، ومنه قيل لصحيفة العلم كراسة ، وقيل : كرسيه ملكه وسلطانه ، والعرب تسمى الملك القديم كرسياً .

قوله تعالى : { ولا يؤوده } . أي لا يثقله ولا يشق عليه يقال : آدني الشي أي أثقلني .

قوله تعالى : { حفظهما } . أي حفظ السماوات والأرض .

قوله تعالى : { وهو العلي } . الرفيع فوق خلقه والمتعالي عن الأشباه والأنداد ، وقيل العلي بالملك والسلطنة .

قوله تعالى : { العظيم } . الكبير الذي لا شيء أعظم منه .

 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ} (255)

{ الله لا إله إلا هو الحي } الدائم البقاء { القيوم } القائم بتدبير أمر الخلق في إنشائهم وأرزاقهم { لا تأخذه سنة } وهي أول النعاس { ولا نوم } وهو الغشية الثقيلة { له ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وخلقا { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } أي لا يشفع عنده أحد إلا بأمره إبطالا لزعم الكفار أن الأصنام تشفع لهم { يعلم ما بين أيديهم } من أمر الدنيا { وما خلفهم } من أمر الآخرة { ولا يحيطون بشيء من علمه } أي لا يعلمون شيئا من معلوم الله تعالى { إلا بما شاء } إلا بما أنبأ الله به الأنبياء وأطلعهم عليه { وسع كرسيه السماوات والأرض } أي احتملهما وأطاقهما يعني ملكه وسلطانه وقيل هو الكرسي بعينه وهو مشتمل بعظمته على السموات والأرض وروي عن ابن عباس أن كرسيه علمه { ولا يؤوده } أي لا يجهده ولا يثقله { حفظهما } أي حفظ السموات والأرض { وهو العلي } بالقدرة ونفوذ السلطان عن الأشباه والأمثال { العظيم } عظيم الشأن

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ} (255)

قوله تعالى : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم ) . هذه الآية أعظم ما في الكتاب الكريم وسيدة الآي في الذكر الحكيم . وقد ورد أنها تعدل ثلث القرآن ؛ لما تضمنته من أصول هذا الدين الحنيف ، وما حوته من قواعد في التوحيد والصفات الجليلة لله تبارك وتعالى . وللذي يقرأ هذه الآية في تدبر وعناية وادّكار من كبير الأجر وجزيل الجزاء في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله .

فقد أخرج الإمام أحمد بإسناده ، عن أبيّ بن كعب أن النبي ( ص ) سأله : أي أية في كتاب الله أعظم ؟ قال : الله ورسوله أعلم . فرددها مرارا ثم قال : آية الكرسي . قال : " لينهك العلم أبا المنذر ، والذي نفسي بيده إن لها لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش " .

وفي حديث آخر عن أبي أمامة في فضل قراءة آية الكرسي بعد الصلاة المكتوبة قال : قال رسول الله ( ص ) : " من قرأ دُبُر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت " .

وعن أبي ذر قال : سألت رسول الله ( ص ) : أي آية أنزل الله عليك من القرآن أعظم ؟ فقال : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) .

وروى الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة أن رسول الله قال : " سورة البقرة فيها آية سيد آي القرآن ، لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه : آية الكرسي " .

قوله : ( الله لا إله إلا هو ) لفظ الجلالة مبتدأ . ( لا ) نافية للجنس ، ( إله ) اسمها ، وخبرها محذوف تقديره موجود أو معبود . ( إلا ) أداة حصر . ( هو ) ضمير الشأن في محل رفع بدل من خبر لا المحذوف . والجملة الاسمية من لا واسمها وخبرها في محل رفع خبر المبتدأ الأول ( لفظ الجلالة ) .

وهذه أولى الكبريات من الحقائق ، يبين الله فيها تفرده المطلق بالإلهية وأنه جلّت قدرته الإله الخالق للعالمين ، وأنه ليس في هذا الوجود من إله خالق مبدع مسيطر إلا هو . سبحانه في ملكوته وجبروته تقدّس في سمائه وعليائه .

وقوله : ( الحي القيوم ) الحيّ نعت للفظ الجلالة ( الله ) . وقيل بدل من الضمير ( هو ) الله جلّت قدرته حيّ في نفسه وهو الذي يبعث الحياة ويهبها للكائنات لتنبعث فيها الحركة والإحساس والنشاط . وهوس بحانه لا يموت ولا يسهو ولا تأخذه غفلة . وهو ( القيوم ) من الفعل قام يقوم . ويرادفه القوام أو القيام أو القيم ، وهو الذي لا ند له من أسمائه عز وجل . ومعناه : القائم بتدبير الكون والخلائق ، المتصرّف في الوجود كله كيفما شاء{[332]} .

وقوله : ( لا تأخذه سنة ولا نوم له ) السنة بكسر السين ، أصلها الوسنة حذفت الواو فصارت سنة . يرادفها الوسن أي النعاس وهو أخف من النوم . فالنعاس نوبة من استرخاء وفتور تصيب الإنسان ليجد أنه راغب في النوع ، نفسه حالة من غياب الشعور والذهن تعقب النعاس{[333]} .

والله جل جلاله منزّه عن معالم الضعف والنقص التي تمتزج بطبع الإنسان وتكوينه النفسي والعصابي والبدني ، وذلك كالإحساس بالنعاس والجنوح للنوم إخلادا للراحة . فإن الله سبحانه لا يعتريه شيء من ذلك فهو القائم على الخلق مدبّرا أمرهم متصرفا في مقاديرهم . وقد جاء في الصحيح عن أبي موسى قال : قام فينا رسول الله ( ص ) بأربع كلمات فقال : " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل وعمل الليل قبل عمل النهار ، حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " .

وقوله : ( له ما في السماوت وما في الأرض ) ( له ) جار ومجرور في محل رفع خبر مقدم ، ( ما ) اسم موصول في محل رفع مبتدأ . وما ، مع أنها لغير العاقل لكنها والاسم الموصول " من " يتعاقبان في القرآن من حيث الاستعمال في العاقل أو غيره .

والآية إخبار كبير بأن الله له الربوبية المطلقة في هذا الوجود ؛ فهو الذي يملك كل ما في الكون من كائنات وأشياء ، فلا يندّ عن سلطانه وملكوته شيء مما خلق سواء في الأرض أو في السماء .

وقوله : ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) ( من ) اسم استفهام في مجل رفع مبتدأ . ( ذا ) اسم إشارة في محل رفع خبر . ( الذي ) اسم موصول في محل رفع نعت للخبر ، وقيل بجل منه .

في هذه الآية إنكار لشفاعة الشافعين باستثناء فريق من البررة والأطهار أذن الله لهم بالشفاعة للعصاة والآثمين والمفرطين من الناس . وجملة الشافعين الذين أذن الله لهم أن يتشفعوا يوم القيامة للمقصرين يأتي في طليعتهم النبيّون وهم خير البرية وأشرع العباد ، ثم الصدّيقون وهم المقربون والأبرار من عباد الله المؤمنين ، ثم العلماء الذين انقطعوا للعلم وتشره بين الناس ؛ ليبصّروهم بتعاليم الله ؛ وليكشفوا للبشرية عن وجه هذا الدين وما فيه من إشراق وكمال وجمال ، ثم الشهداء وهم الذين باعوا أرواحهم في سبيل الله فآثروا الرحيل عن هذه الدنيا لتبقى من بعدهم عقيدتهم والأوطان والديار والكرامة ، لا يبتغون من ذلك كله غير مرضاه الله .

على أن الشفاعة من الأبرار والمقربين لا تنبغي إلا لمن يشاء الله ويرضى ، فهي أساسها أن يأذن الله بها لمن يريد من عباده المقربين وفي ذلك يقول سبحانه في آية أخرى : ( وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ) وكذلك قوله : ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) .

قوله : ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ) ( ما بيت أيديهم ) أي قبلهم . ( وما خلفهم ) أي بعدهم . نقول : من بين يدي أي من أمامه . ومن خلفه أي من ورائه . والمراد أن الله تباركت أسماؤه محيط علمه بالكائنات كلها ، سواء فيها ماضيها أو مستقبلها . والضمير في ( أيديهم ) و ( خلفهم ) يعود على كل عاقل مما في السماوات والأرض . وقيل : ( ما بين أيديهم ) والمقصود به الدنيا . ( وما خلفهم ) المقصود به الآخرة .

وقوله : ( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما يشاء ) أي لا يطلع أحد على شيء من علم الله المبثوث في مناحي الكون وفي أطرافه إلا أن يشاء الله إطْلاعه على ذلك ، فكل علم كيفما كان مقداره أو نوعه إن هو إلا جزء من علم الله المطلق الذي لا يحده حد ، فالله مالك كل شيء ، وهو مالك لأرجاء الكون وما ينتشر فيه من علوم ، فلله المشيئة الكاملة في أن يهب بعض علمه لمن أراد من الناس أو يحجبه عنهم .

وقوله : ( وسع كرسيه السماوات والأرض ) نمسك عن الخوض في حقيقة الكرسي من حيث ماهيته وطبيعة استعماله ، وما ندركه من ظاهر هذا النص الكريم وغيره من النصوص أن الكرسي خلق هائل عظيم من خلْق الله ، وأنه أكبر من السماوات والأرض ودون العرش الذي جعله الله آية قدرته وهيمنته وعظيم سلطانه . فقد ورد عن أبي ذر الغفاري –رضي الله عنه- أنه سأل النبي ( ص ) عن الكرسيّ فقال رسول الله ( ص ) : " والذي نفسي بيده ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، وأن فضل العرش على الكرسيّ كفضل الفلاة على تلك الحلقة " .

وجاء عن ابن عباس قوله : لو أن السماوات السبع والأرضين السبع بسطن ثم وصلت بعضهن إلى بض ما كنّ في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة قي المفازاة .

وقوله : ( ولا يؤوده حفظهما ) ( يؤوده ) فعل مضارع مرفوع . نقول آد يؤود أودا . والأود معناه الإثقال بكسر الهمزة . والهاء في ( يؤوده ) ضمير متصل في محل نصب ، مفعول به ، وهو عائد على الله سبحانه وتعالى . ( حفظهما ) فاعل مرفوع . والضمير هنا في محل جر مضاف إليه أي أن الله عز وعلا لا يثقله ولا يعجزه أن يحفظ السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما . فهو سبحانه حافظ لكل شيء ، مريد قادر على كل شيء . وما من خليقة ولا تقدير ولا نظام في السماء أو في الأرض إلا هو كائن بمشيئته وحده . فالله جل ثناؤه العظيم في علاه حتى ما يكون من شيء إلا هو حقير هيّن يسير بين يديه ، وهو سبحانه الأكبر من كل كبير ، حتى ما يكون من عظيم في السماء أو في الأرض إلا هو فقير إليه ، صغير بين يديه ؛ لذلك قال سبحانه في الآية : ( وهو العلي العظيم ) ولا ينبغي أن يفهم من ذلك علوّ المكان فإنه سبحانه منزه عن التجسيم أو التحجيم في حيّر ، بل المقصود علوّ المكانة والمنزلة وارتفاع الشأن وبلوغه{[334]} .


[332]:- لقاموس المحيط جـ 4 ص 170 ومختار الصحاح ص 558 والكشاف جـ 1 ص 384.
[333]:- القاموس المحيط جـ 4 ص 277.
[334]:- تفسير الطبري جـ 3 ص 4-9 وتفسير القرطبي جـ 3 ص 269 – 77 ومختار الصحاح ص 32.