معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّـٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (41)

قوله تعالى : { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } ، أي : في مولاة الكفار ، فإنهم لن يعجزوا الله .

قوله تعالى : { من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } ، وهم المنافقون .

قوله تعالى : { ومن الذين هادوا } ، يعني : اليهود .

قوله تعالى : { سماعون } ، أي : قوم سماعون .

قوله تعالى : { للكذب } ، أي قابلون للكذب ، كقول المصلي : سمع الله لمن حمده ، أي : قبل الله ، وقيل : سماعون لأجل الكذب ، أي يسمعون من الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يخرجون ويقولون : سمعنا منه كذا ، ولم يسمعوا ذلك منه .

قوله تعالى : { سماعون لقوم آخرين لم يأتوك } ، أي هم جواسيس ، يعني : بني قريظة { لقوم آخرين } وهم أهل خيبر . وذلك أن رجلاً وامرأةً من أشراف أهل خيبر زنيا ، وكانا محصنين ، وكان حدهما الرجم في التوراة ، فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما ، فقالوا : إن هذا الرجل بيثرب ليس في كتابه الرجم ، ولكنه الضرب ، فأرسلوا إلى إخوانكم من بني قريظة فإنهم جيرانه ، وصلح له ، فليسألوه عن ذلك . فبعثوا رهطاً منهم مستخفين ، وقالوا لهم : سلوا محمداً عن الزانيين إذا أحصنا ما حدهما ؟ فإن أمركم بالجلد فاقبلوا منه ، وإن أمركم بالرجم فاحذروه ولا تقبلوا منه ، وأرسلوا معهم الزانيين ، فقدم الرهط حتى نزلوا على بني قريظة والنضير ، فقالوا لهم : إنكم جيران هذا الرجل ، ومعه في بلده ، وقد حدث فينا حدث فلان وفلانة ، قد فجرا وقد أحصنا ، فنحب أن تسألوا لنا محمداً عن قضائه فيه ، فقالت لهم قريظة والنضير : إذاً والله يأمركم بما تكرهون . ثم انطلق قوم ، منهم كعب بن الأشرف ، وكعب بن أسد ، وسعيد بن عمرو ، ومالك بن الصيف ، وكنانة بن أبي الحقيق ، وغيرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ما حدهما في كتابك ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : هل ترضون بقضائي ؟ قالوا : نعم . فنزل جبريل عليه السلام بالرجم ، فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوا به . فقال له جبريل عليه السلام : اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ، ووصفه له . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تعرفون شاباً أمرد ، أعور ، يسكن فدك ، يقال له ابن صوريا ؟ قالوا : نعم ، قال : فأي رجل هو فيكم ؟ فقالوا : هو أعلم يهودي بقي على وجه الأرض بما أنزل الله سبحانه وتعالى على موسى عليه السلام في التوراة . قال صلى الله عليه وسلم : فأرسلوا إليه ففعلوا ، فأتاهم ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أنت ابن صوريا ؟ قال : نعم ، قال : أنت أعلم اليهود ؟ قال : كذلك يزعمون ؟ قال : أتجعلونه بيني وبينكم ؟ قالوا : نعم . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أنشدك بالله الذي لا إله إلا هو ، الذي نزل التوراة على موسى عليه السلام ، و أخرجكم من مصر ، وفلق لكم البحر ، وأنجاكم وأغرق آل فرعون ، والذي ظلل عليكم الغمام ، وأنزل عليكم المن و السلوى ، وأنزل عليكم كتابه فيه حلاله وحرامه ، هل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن ؟ قال ابن صوريا : نعم ، والذي ذكرتني به لولا خشية أن تحرقني التوراة إن كذبت ، أو غيرت ما اعترفت لك ، ولكن كيف هي في كتابك يا محمد ؟ قال : إذا شهد أربعة رهط عدول أنه قد أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه الرجم . فقال ابن صوريا : والذي أنزل التوراة على موسى هكذا أنزل الله عز وجل في التوراة على موسى عليه السلام ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : فما كان أول ما ترخصتم به أمر الله ؟ ، قال : كنا إذا أخذنا الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ، فكثر الزنا في أشرافنا حتى زنا ابن عم ملك لنا فلم نرجمه ، ثم زنى رجل آخر في أسوة من الناس فأراد ذلك الملك رجمه فقام دونه قومه ، فقالوا : والله لا يرجم حتى يرجم فلان لابن عم الملك فقلنا : تعالوا نجتمع فلنصنع شيئاً دون الرجم يكون على الوضيع والشريف ، فوضعنا الجلد والتحميم ، وهو أن يجلد أربعين جلدة بحبل مطلي بالقار ، ثم يسود وجوههما ، ثم يحملان على حمارين ووجوههما من قبل دبر الحمار ، ويطاف بهما ، فجعلوا هذا مكان الرجم ، فقالت اليهود لابن صوريا : ما أسرع ما أخبرته به ، وما كنت لما أثنينا عليك بأهل ، ولكنك كنت غائباً فكرهنا أن نغتابك ، فقال لهم : إنه قد أنشدني بالتوراة ، ولولا خشية التوراة أن تهلكني لما أخبرته به ، فأمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم فرجما عند باب مسجده ، وقال : ( اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ) فأنزل الله عز وجل : { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم قال : إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ فقالوا : نفضحهم ويجلدون ، قال عبد الله بن سلام : كذبتم ، إن فيها لآية الرجم ، فأتوا بالتوراة فنشروها ، فوضع أحدهم يده على آية الرجم ، فقرأ ما قبلها وما بعدها ، فقال له عبد الله : ارفع يدك ، فرفع يده ، فإذا فيها آية الرجم ، قالوا : صدق يا محمد فيها آية الرجم ، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما ، فقال عبد الله بن عمر : فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة .

وقيل : سبب نزول هذه الآية القصاص ، وذلك أن بني النضير كان لهم فضل على بني قريظة ، فقال بنو قريظة : يا محمد إخواننا بنو النضير ، أبونا واحد ، وديننا واحد ، ونبينا واحد ، إذا قتلوا منا قتيلاً لم يقيدونا وأعطونا ديته سبعين وسقاً من تمر ، وإذا قتلنا منهم قتلوا القاتل ، وأخذوا منا الضعف مائة وأربعين وسقاً من تمر ، وإن كان القتيل امرأة قتلوا بها الرجل منا ، وبالرجل منهم الرجلين منا ، وبالعبد حرا منا ، وجراحتنا على التضعيف من جراحاتهم ، فاقض بيننا وبينهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والأول أصح . لأن الآية في الرجم . قوله : { ومن الذين هادوا سماعون للكذب } ، قيل : اللام بمعنى إلى ، وقيل : هي لام كي ، أي : يسمعون لكي يكذبوا عليك ، واللام في قوله : { لقوم } أي : لأجل قوم آخرين { لم يأتوك } وهم أهل خيبر .

قوله تعالى : { يحرفون الكلم } ، جمع كلمة .

قوله تعالى : { من بعد مواضعه } ، أي : من بعد وضعه موضعه ، وإنما ذكر الكناية رداً على لفظ الكلم .

قوله تعالى : { يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه } . أي : إن أفتاكم محمد صلى الله عليه وسلم بالجلد والتحميم فاقبلوا .

قوله تعالى : { وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته } ، كفره وضلالته ، قال الضحاك : هلاكه ، وقال قتاده : عذابه .

قوله تعالى : { فلن تملك له من الله شيئاً } ، فلن تقدر على دفع أمر الله فيه .

قوله تعالى : { أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } ، وفيه رد على من ينكر القدر . قوله تعالى : { لهم في الدنيا خزي } . أي : للمنافقين واليهود ، فخزي المنافقين الفضيحة وهتك الستر بإظهار نفاقهم ، وخزي اليهود الجزية ، أو القتل ، والسبي ، أو النفي ، ورؤيتهم من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيهم ما يكرهون .

قوله تعالى : { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } ، الخلود في النار .

 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّـٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (41)

{ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } إذ كنت موعود النصر عليهم وهم المنافقون وبان لهم ذلك بقوله { من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون } أي فريق سماعون { للكذب } يسمعون منك ليكذبوا عليك فيقولون سمعنا منه كذا وكذا لما لم يسمعوا { سماعون لقوم آخرين لم يأتوك } أي هم عيون لأولئك الغيب ينقلون إليهم أخبارك { يحرفون الكلم من بعد مواضعه } من بعد أن وضعه الله مواضعه يعني آية الرجم { يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه } يعني يهود خيبر بالجلد وهم الذين ذكروا في قوله { لقوم آخرين لم يأتوك } وذلك أنهم بعثوا إلى قريظة ليستفتوا محمد ص في الزانيين المحصنين وقالوا لهم إن أفتى بالجلد فاقبلوا وإن أفتى بالرجم فلا تقبلوا فذلك قوله { إن أوتيتم هذا } يعني الجلد { فخذوه } فاقبلوه { وإن لم تؤتوه فاحذروا } أن تعملوا به { ومن يرد الله فتنته } ضلالته وكفره { فلن تملك له من الله شيئا } لن تدفع عنه عذاب الله { أولئك الذين } أي من أراد الله فتنته فهم الذين { لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } أن يخلص نياتهم { لهم في الدنيا خزي } بهتك ستورهم { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } وهو النار

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّـٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (41)

قوله تعالى : { يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم ءاخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم } .

جاء في سبب نزول هذه الآية عدة قوال من أهمها ما أخرجه الإمام أحمد عن البراء ابن عازب قال : مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محمم{[966]} مجلود فدعاهم فقال : " أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم " فقالوا : نعم . فدعا رجلا من علمائهم فقال : " أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم " فقال : لا والله . ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك . نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ، فقلنا : تعالوا حتى نجعل شيئا نقيمه على الشريف والوضيع ، فاجتمعنا على التحميم والجلد . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه " قال : فأمر به فرجم . قال : فأنزل الله الآية { يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } {[967]} ذلك تأنيس من الله لرسوله الكريم ونهي له عن التأثر والمبالاة من تهافت المنافقين في الكفر بسرعة . أي لا تعبأ ولا تحزن من مسارعة هؤلاء القوم في الكفر بموالاتهم للمشركين وكيدهم للإسلام والمسلمين . فإن الله جل وعلا ناصرك عليهم جميعا وكافيك شرهم ومكرهم .

قوله : { من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } يعني بذلك المنافقين وقيل : أراد بهم المنافقين وبعض أهل الكتاب من اليهود . فقد كان هؤلاء يظهرون الإيمان بألسنتهم ، إذ يتفوهون به كلاما من غير أن تضمره قلوبهم . والجملة { ولم تؤمن قلوبهم } جملة حالية من ضمير { قالوا } وقيل : عطف على { قالوا } .

قوله : { ومن الذين هادوا } منقطع مما قبله . والذين هادوا مبتدأ وخبره ما بعده وهو قوله : { سماعون للكذب } والذين هادوا بمعنى اليهود . أي من اليهود قوم سماعون للكذب . وقيل : يأتي قوله : { من الذين هادوا } عطفا على قوله : { من الذين قالوا } ويكون هذا تمام الكلام . ثم ابتدأ فقال : { سماعون للكذب } أي هم سماعون للكذب والمعنى أن لديهم الاستعداد لقبول ما يفتريه أحبارهم وما يتقولونه من الكذب على الله بتحريف التوراة .

قوله : { سماعون لقوم ءاخرين لم يأتوك } والمراد بالقوم الآخرين الذين لم يأتوه فريق من اليهود لم يصلوا إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجافوا عنه لفرط بغضهم له وحقدهم عليه ، فلا يقدرون أن ينظروا إليه لشدة ما تكنه صدورهم من الكراهية له . وقيل : المعنى أنهم سماعون من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل قوم آخرين من اليهود وجهوهم عيونا وجواسيس ليبلغوهم ما سمعوا منه . وقيل : السماعون بنو قريظة والقوم الآخرون يهود خبير .

قوله : { يحرفون الكلم من بعد مواضعه } أي يتأولون كلام الله على غير تأويله الصحيح بعد أن فهموه وعرفوا مواضعه وأحكامه التي بينها الله من فرض للفروض وتحليل للحلال وتحريم للحرام . ومن تحريفهم أنهم قالوا : شرع محمد ترك الرجم وجعل بدله الجلد أربعين جلدة . وذلك تغيير منكر لشرع الله .

قال المفسرون في هذا الصدد : إن رجلا وامرأة من أشراف أهل خبير زنيا . وكان حد الزنا في التوراة الرجم فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما ، فأرسلوا قوما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسألوه عن حكمه في الزانيين إذا أحصنا . وقال : إن أمركم بالجلد فاقبلوا .

وإن أمركم بالرجم فاحذروا ولا تقبلوا . فلما سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك نزل جبريل بالرجم ، فأبوا أن يأخذوا به . فقال له جبريل عليه السلام : اجعل بينك وبينهم " ابن صوريا " فقال الرسول : " هل تعرفون شابا أمرد أبيض أعور يسكن فداك يقال له ابن صوريا " ؟ قالوا : نعم وهو أعلم يهودي على وجه الأرض . فرضوا به حكما . فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : " أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر لموسى ، ورفع فوقكم الطور ، وأنجاكم ، وأغرق آل فرعون والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه هل تجدون فيه الرجم على من أحصن " ؟ قال ابن صوريا : نعم . فوثبت عليه سفلة اليهود . فقال : خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب . ثم سأل رسول الله عن أشياء كان يعرفها من علاماته . فقال ابن صوريا : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله النبي الأمي العربي الذي بشر به المرسلون . ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزانيين فرجما عند باب مسجده{[968]} .

وعلى هذا فقوله : { يحرفون الكلم من بعد مواضعه } يعني أنهم وضعوا الجلد أربعين مكان الرجم . فهم بذلك يميلون ويزيلون كلام الله عن مواضعه التي وضعه الله فيها{[969]} .

قوله : { يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن تؤتوه فاحذروا } أي أن أوتيتم هذا المحرف المزال عن مواضعه التي وضعه الله فيها فخذوه واعلموا أنه الحق واعملوا به . وإذا لم تؤتوه وأفتاكم محمد بخلافه فاحذروه وإياكم أن تأخذوه فهو الباطل . وبعبارة أخرى فإنهم وضعوا الجلد مكان الرجم ، وهو تحريف للكلم عن مواضعه .

قوله : { ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا } لفظ الفتنة يحتمل عدة معان . أولها : العذاب . كقوله تعالى : { يوم هم على النار يفتنون } أي يعذبون . فالله تعالى يعذب هؤلاء المفسدين المضلين لكفرهم ونفاقهم .

وثانيها : الفضيحة . أي ومن يرد الله فضيحته وخزيه بإظهار ما ينطوي عليه من خبث وباطل .

وثالثها : الإضلال . الحكم بضلاله وتسميته ضالا .

ورابعها : الاختبار . يعني من يرد الله اختباره بما يبتليه به من القيام بالتكاليف ثم يتركها ولا يؤديها فلن تستطيع أن تدفع عنه هذه الفتنة ، ولن تملك له من الله ثوابا ولا نفعا . ويندرج في عموم هذه المعاني المذكورون وهو المنافقون واليهود .

قوله : { أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } أي لم يرد الله أن يطهرها من رجس الكفر وخبيث الضلالة . والآية تبين أن إرادة الله لفتنتهم منوطة بسوء اختيارهم المقتضي لهذه الفتنة . فليست هذه الفتنة واقعة من الله ابتداء ولكنها متعلقة باختيار القوم السيء .

قوله : { لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم } الضمير في قوله : { لهم } يعود على المنافقين واليهود . أما المنافقون فخزيهم يعني افتضاحهم وهتك سترهم بانكشاف سرهم وما تخفيه صدورهم من مكر وخبث وكيد للإسلام وأما اليهود فخزيهم بقهرهم وإذلالهم وظهور كذبهم في كتمان التوراة وازدياد غمهن من سرعة انتشار الإسلام وكثرة الإقبال عليه من الناس .

أما عذاب الآخرة فهو أشد وأنكى ، لأنه الخلود الدائم في النار حيث الهوان والتنكيل والغضب الشديد من العزيز الجبار{[970]} .


[966]:- المحمم: المسود بالفحم. حممت وجهه تحميما إذا سودته بالفحم. انظر المصباح المنير ج 1 ص 165.
[967]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 130 وتفسير ابن كثير ج 2 ص 59.
[968]:- تفسير الرازي ج 11 ص 239.
[969]:- الكشاف ج 1 ص 612، 613 وروح المعاني ج 6 ص 137 وتفسير الرازي ج 11 ص 139.
[970]:- روح المعاني ج 6 ص 139، 140 وتفسير الرازي ج 11 ص 293، 240.