{ أو كظلمات } عطف على { كسراب } و { أو } للتخيير فإن أعمالهم لكونها لاغية لا منفعة لها كالسراب . ولكونها خالية عن نور الحق كالظلمات المتراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب ، أو للتنويع فإن أعمالهم إن كانت حسنة فكالسراب وإن كانت قبيحة فكالظلمات ، أو للتقسيم باعتبار وقتين فإنها كالظلمات في الدنيا كالسراب في الآخرة . { في بحر لجي } ذي لج أي عميق منسوب إلى اللج وهو معظم الماء { يغشاه } يغشى البحر . { موج من فوقه موج } أي أمواج مترادفة متراكمة . { من فوقه } من فوق الموج الثاني . { سحاب } غطى النجوم ويحجب أنوارها ، والجملة صفة أخرى لل{ بحر } { ظلمات } أي هذه ظلمات . { بعضها فوق بعض } وقرأ ابن كثير { ظلمات } بالجر على إبدالها من الأولى أو بإضافة ال{ سحاب } إليها في رواية البزي . { إذا أخرج يديه } وهي أقرب ما يرى إليه . { لم يكد يراها } لم يقرب أن يراها فضلا أن يراها كقول ذي الرمة :
إذا غير النأي المحبين لم يكد *** رسيس الهوى من حب مية يبرح
والضمائر للواقع في البحر وإن لم يجر ذكره لدلالة المعنى عليه . { ومن لم يجعل الله له نورا } ومن لم يقدر له الهداية . ليوقفه لأسبابها . { فما له من نور } خلاف الموفق الذي له نور على نور .
ظلماتُ الحسبان ، وغيومُ التفرقة ، وليالي الجُحْدِ ، وحنادسُ لاشَّكِّ إذا اجتمعت فلا سِراجَ لصاحبها ولا نجوم ، ولا أقمارَ ولا شموسَ . . . . فالويلُ ثم الويل ! .
قوله : { وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا مِن نُّورٍ } : إذا لم يسبق لعبدٍ نورُ القسمة ، ولم يساعده تَعَلُّقٌ فجهدُه وكدُّه ، وسَعْيُه وجِدُّه عقيمٌ من ثمراته ، موئِسٌ من نَيْلِ بركاته والبدايات غالبةٌ للنهايات ؛ فالقبولُ لأهْلِه غيرُ مُجتلَبٍ والرد لأهله غير مُكْتَسَبٍ وسعيدٌ مَن سَعِدْ بالسعادة في عِلْمِه في آزاله ، وأراد كونَ ما عَلِمَ من أفعاله يكون ، وأخبر أن ذلك كذلك يكون ، ثم أجرى ذلك على ما أخبر وأراد وعَلِمَ .
وهكذا القول في الشقاوة ؛ فليس لأفعاله عِلَّةٌ ، ولا تتوجَّهُ عليه لأحدٍ حُجَّةٌ .
لُجّيّ : اللج معظم الماء حيث لا يدرَك قعره ، وبحر لجي : عميق .
وهذه صورة أخرى من صور حال الكفار الجاحدين . فأعمالُ الكافرين في الدنيا كمثل السراب الذي ليس بشيء ، أو كهذه الظلمات في البحر العميق ، تتلاطم أمواجه ويتراكم بعضها فوق بعض . ومن فوقِ ذلك كله سحابٌ كثيف مظلم لو رفع الإنسان يدَه إلى وجهه لما رآها من شدة الظلام . إن قلوب الكافرين وأعمالَهم مثلُ هذه الظلمات المتراكمة تراكمت عليها الضلالات ، فهي مظلمة في صدور مظلمة ، في أجساد مظلمة .
ولقد جمع الله تعالى في هذا الوصف بينَ الليل المظلم ، وتراكُب الأمواج في البحر بعضها فوق بعض ، ومن فوقها السحاب الكثيف . . . . وهذا أشدُّ ما يكون من الظلمات .
وتجمع هذه الآية الكريمة أهم ظواهر عواصف المحيطات العظيمة ، وهذا من أكبرِ الأدلة على أن القرآن من عند الله ، لأن الرسول الكريم لم يركب المحيطاتِ وكان يعيش في بلاد صحراوية . . . . فورودُ هذه الدقائق العلمية دليل على أنها وحي من عند الله .
{ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } : ومن لم يوفقه الله لنورِ الإيمان ، فليس له نور يهديه إلى الخير ، ويدلّه على الصراط المستقيم .
والمثل الثاني ، لبطلان أعمال الكفار { كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ } بعيد قعره ، طويل مداه { يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ } ظلمة البحر اللجي ، ثم فوقه ظلمة الأمواج المتراكمة ، ثم فوق ذلك ، ظلمة السحب المدلهمة ، ثم فوق ذلك ظلمة الليل البهيم ، فاشتدت الظلمة جدا ، بحيث أن الكائن في تلك الحال { إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } مع قربها إليه ، فكيف بغيرها ، كذلك الكفار ، تراكمت على قلوبهم الظلمات ، ظلمة الطبيعة ، التي لا خير فيها ، وفوقها ظلمة الكفر ، وفوق ذلك ، ظلمة الجهل ، وفوق ذلك ، ظلمة الأعمال الصادرة عما ذكر ، فبقوا في الظلمة متحيرين ، وفي غمرتهم يعمهون ، وعن الصراط المستقيم مدبرين ، وفي طرق الغي والضلال يترددون ، وهذا لأن الله تعالى خذلهم ، فلم يعطهم من نوره ، { وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } لأن نفسه ظالمة جاهلة ، فليس فيها من الخير والنور ، إلا ما أعطاها مولاها ، ومنحها ربها . يحتمل أن هذين المثالين ، لأعمال جميع الكفار ، كل منهما ، منطبق عليها ، وعددهما لتعدد الأوصاف ، ويحتمل أن كل مثال ، لطائفة وفرقة . فالأول ، للمتبوعين ، والثاني ، للتابعين ، والله أعلم .
قوله : ( أو كظلمات في بحر لجي ) اللجي ، الماء العميق الكثير . وهو منسوب إلى اللج واللّجة ؛ أي معظم الماء والجمع لجج{[3270]} ، والمراد به هنا معظم ماء البحر . وذلك مثل آخر ضربه الله لأعمال الكافرين التي يجعلها الله يوم القيامة هباء منثورا . فمثلها كمثل ظلمات في بحر زاخر مضطرب لا يُدرك مداه لعمقه واتساعه . ثم وصفه بقوله : ( يغشاه موج من فوقه موج ) هذا البحر هادر متلاطم مائج ؛ فهو يعلوه موج ، يتبع بعضه بعضا . ومن فوق الموج سحاب مرتفع كثيف . وذلك مشهد يكشف عن شدة الخوف تغشى القلوب الساربين وسط هذا البحر المخوف وهم تحيط بهم أهوال البحر بظلماته المتكاثفة المترادفة يعلو بعضها بعضا ، وهو معنى قوله سبحانه : ( ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ) وفاعل ( أخرج ) تقديره : الحاضر السارب في هذه الظلمات ؛ فإنه إذا أخرج يده فيها لم يرها إلا بعد جهد ، أو لم يقارب رؤيتها مما يسترها من كثيف الظلام المترادف المركوم . وهذه هي الحقيقة التي يقدمها الكافرون على اختلاف مللهم ومشاربهم وأهوائهم . الكافرون الذين جحدوا نبوة محمد ( ص ) وكذبوا بما أنزل الله عليه من كتابه الحكيم ، أو كذبوا بعضا منه أو بعضا من أركان الإيمان المعروفة ، أو الذين ارتابت قلوبهم في حقيقة الإسلام فأنكروا شيئا من حقائقه ومعانيه القاطعة ؛ فإنه لا يجحد شيئا من عقيدة الإسلام أو أركانه أو أحكامه أو تعاليمه الثابتة إلا جاحد كفور أو ظالم مرتد . إن هؤلاء الكافرين جميعا لن يجعل الله يوم القيامة لأعمالهم وزنا أو قيمة أو اعتبارا . فما يقدمه هؤلاء المشركون المرتكسون في الكفر أو الردة ليس إلا الهباء المنثور الذي لا يغنيهم من عذاب الله شيئا .
قوله : ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) المراد بالنور ، الهداية . فإنما الهداية بالإسلام . هذا الدين الرباني الكامل الذي جيء به هداية للعالمين ؛ إذ يدفع عنهم الأذى والشر وكل وجوه الفساد والباطل . ويقرر في حياتهم الخير والسعادة وكل وجوه الحق والتوفيق . فمن لم يهتد بالإسلام فلن يحظى بهداية أو سعادة وإنما يتيه في حياته ضالا تاعسا متعثرا ، ويوم القيامة يرد إلى عذاب الله الشديد{[3271]} .