{ حتى إذا جاء أمرنا } غاية لقوله { ويصنع الفلك } وما بينهما حال من الضمير فيه أو حتى هي التي يبتدأ بعدها الكلام . { وفار التّنور } نبع الماء منه وارتفع كالقدر تفور ، و{ التنور } تنور الخبز ابتدأ منه النبوع على خرق العادة وكان في الكوفة في موضع مسجدها ، أو ي الهند أو بعين وردة من أرض الجزيرة وقيل التنور وجه الأرض أو أشرف موضع فيها . { قلنا احمل فيها } في السفينة . { من كل } من كل نوع من الحيوانات المنتفع بها . { زوجين اثنين } ذكرا وأنثى هذا على قراءة حفص والباقون أضافوا على معنى احمل اثنين من كل صنف ذكر وصنف أنثى . { وأهلك } عطف على { زوجين } أو { اثنين } ، والمراد امرأته وبنوه ونساؤهم . { إلا من سبق عليه القول } بأنه من المغرقين يريد ابنه كنعان وأمه واعلة فإنهما كانا كافرين . { ومن آمن } والمؤمنين من غيرهم . { وما آمن معه إلا قليل } قيل كانوا تسعة وسبعين زوجته المسلمة وبنوه الثلاثة سام وحام ويافث ونساؤهم واثنان وسبعون رجلا وامرأة من غيرهم . روي أنه عليه الصلاة والسلام اتخذ السفينة في سنتين من الساج وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين وسمكها ثلاثين ، وجعل لها ثلاثة بطون فحمل في أسفلها الدواب والوحش وفي أوسطها الأنس وفي أعلاها الطير .
طال انتظارُهم لِمَا كان يَتَوَعَّدُهم به نوحٌ عليه السلام على وجه الاستبعاد ، ولم يَزِدْهُم تطاولُ الأيامٍ إلا كفراً ؛ وصَمَّمُوا على عقد تكذيبهم .
ثم لمَّا أتاهم الموعودُ إياهم بغتةً ، وظهر من الوضع الذي لم يُحِبُّوه فارَ الماءُ من التنور المسجور9 ، وجادت السماءُ بالمطر المعبور .
{ قُلْنَا احْمِل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَينِ } : استبقاءً للتناسل .
ويقال : قد يؤْتَى الحَذِرُ من مَأْمَنِه ؛ فإن إبليسَ جاء إلى نوح- عليه السلام- .
وقال : احْمِلني في السفينة فأَبَى نوحٌ عليه السلام ، فقال له إبليس : أَمَا عَلِمْتَ أَني من المُنْظَرين إلى يوم معلومٍ ، ولا مكانَ لي اليومَ إلا في سفينتك ؟
فأوحى الله إلى نوح أن يَحْمِلَه معه .
ويقال لم يكن لابن نوح معه مكان ، وأُمِرَ بِحَمْل إبليس وهو أصعب الأعداء ! وفي هذا إشارة إلى أن أسرار التقدير لا تجري على قياس الخَلْق ؛ كأنه قيل له : يا نوح . . . ابنك لا تحمله ، وعدوك فَأدْخُلْه ، فالله سبحانه فعَّالٌ لما يريد .
{ إلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيهِ الْقَوْلُ } بالشقاوة . وفيه تعريف بأن حُكْمَ الأَزَل لا يُرَدُّ ، والحقُّ -سبحانه- لا يُنَازَعُ ، والجبَّارُ لا يُخَاصَمُ ، وأن مَنْ أقصاه ربُّه لم يُدْنِه تنبيهٌ ولا بِرٌّ ولا وعظ .
{ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قِلِيلٌ } ولكن بَارَكَ الحقُّ - سبحانه - في الذين نجَّاهم من نَسْلِه ، ولم يدخل خَللٌ في الكونِ بعد هلاكِ مَنْ أَهْلَك مِنْ قومه .
كان من أمره وأمرهم بعد ذلك أن أمر الله - تعالى - نوحا - عليه السلام - أن يحمل فى السفينة بعد أن أتم صنعها من كل نوع من أنواع الحيوانات ذكرا وأنثى ، ثم نزل الطرفان ، وسارت السفينة بمن فيها ، وأغرق الله - تعالى - الظالمين ، وقد حكى - سبحانه - كل ذلك فقال - تعالى :
{ حتى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا . . . }
قوله - سبحانه - { حتى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التنور قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين . . . } بيان لمرحلة جديدة من مراحل قصة نوح - عليه السلام - مع قومه .
و { حتى } هنا حرف غاية لقوله - تعالى - قبل ذلك { وَيَصْنَعُ الفلك . . . إلخ } .
والمراد بالأمر فى قوله - سبحانه - { حتى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا . . . } حلول وقت نزول العذاب بهم ، فهو مفرد الأمور ، أى : حتى إذا حل بهم وقت عذابنا . . قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين .
ويصح أن يكون المراد به الأمر بالشئ على أنه مفرد الأوامر ، فيكون المعنى : حتى إذا جاء أمرنا لنوح بركوب السفينة ، وللأرض بتفجير عيونها ، وللسماء بإنزال أمطارها . . قلنا احمل فيها . . .
وجملة ، وفار التنور ، معطوفة على { جَآءَ أَمْرُنَا } وكلمة { فار } من الفور والفوران ، وهو شدة الغليان للماء وغيره .
قال صاحب المنار ما ملخصه : " والفور والفوران ضرب من الحركة والارتفاع والقوى ، يقال في الماء إذا غلا وارتفع . . . ويقال فى النار إذا هاجت قال - تعالى - { إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ } ومن المجاز : فار الغضب ، إذا اشتد . . .
وللمفسرين فى المراد بلفظ { التنور } أقوال منها : أن المراد به الشئ الذى يخبز فيه الخبز ، وهو ما يسمى بالموقد أو الكانون . . .
ومنها أن المراد به وجه الأرض . . .
ومنها : أن المراد به موضع اجتماع الماء في السفينة . . .
ومنها : أن المراد به طلوع الفجر من قولهم : تنور الفجر . . .
ومنها : أن المراد به أعالى الأرض والمواضع المرتفعة فيها . .
وقيل : إن الكلام على سبيل المجاز ، والمراد بقوله - سبحانه - { وَفَارَ التنور } التمثيل بحضور العذاب ، كقولهم ، حمى الوطيس ، إذا اشتد القتال .
وأرجح هذه الأقوال أولها ، لأن التنور فى اللغة يطلق على الشئ الذى يخبز فيه ، وفورانه معناه : نبع الماء منه بشدة مع الارتفاع والغليان ، كما يفوز الماء فى القدر عند الغليان ، ولعل ذلك كان علامة لنوح - عليه السلام - على اقتراب وقت الطوفان .
وقد رجح هذا القول المحققون من المفسرين ، فقد قال الإِمام ابن جرير بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى معى التنور : " وأولى الأقوال عندنا بتأويل قوله { التنور } قول من قال : هو التنور الذى يخبز فيه ، لأن هذا هو المعروف من كلام العرب ، وكلام الله لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب ، إلا أن تقوم حجة على شئ منه بخلاف ذلك ، فيسلم لها .
وذلك لأنه جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم به لإِفهامهم معنى ما خاطبهم به .
أى : قلنا لنوح حين جاء عذابنا قومه . . . وفار التنور الذى جعلنا فورانه بالماء آية مجئ عذابنا . . احمل فيها - أى السفينة من كل زوجين اثنين .
وقال الإِمام الرازى ما ملخصه : فإن قيل : فما الأصح من هذه الأقوال - فى معنى التنور . . . ؟
قلنا : الأصل حمل الكلام على حقيقته ، ولفظ التنور حقيقة فى الموضع الذى يخبز فيه ، فوجب حمل اللفظ عليه . . .
ثم قال : والذى روى من أن فور التنور كان علامة لهلاك القوم لا يمتنع لأن هذه واقعة عظيمة ، وقد وعد الله - تعالى - المؤمنين النجاة فلابد أن يجعل لهم علامة بها يعرفون الوقت المعين " فلا يبعد جعل هذه الحالة علامة لحدوث هذه الواقعة " .
وجملة { قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين وَأَهْلَكَ } جواب إذا .
ولفظ { زوجين } تثنية زوج ، والمراد به هنا الذكر والأنثى من كل نوع .
قراءة الجمهور { مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين } بدون تنوين للفظ كل ، وإضافته إلى زوجين .
وقرأ حفص : { مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين } بتنوين لفظ كل وهو تنوين عوض عن مضاف إليه ، والتقدير : احمل فيها من كل نوع من أنواع المخلوقات التى أنت فى حاجة إليها ذكرا وأنثى .
ويكون لفظ { زوجين } مفعولا لقوله { احمل } واثنين صفة له .
والمراد بأهله : أهل بيته كزوجته وأولاده ، وأكثر ما يطلق لفظ الأهل على الزوجة ، كما فى قوله - { فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ امكثوا إني آنَسْتُ نَاراً . . . } والمراد بأهله : من كان مؤمنا منهم .
وجملة { إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول } استثناء من الأهل .
أى : احمل فيها أهلك إلا من سبق عليه قضاؤنا بكفره منهم فلا تحمله .
والمراد بمن سبق عليه القول : زوجته التى جاء ذكرها فى سورة التحريم فى قوله - تعالى - { ضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ امرأت نُوحٍ وامرأت لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا . . } وابنه الذى أبى أن يركب معه السفينة .
قال الآلوسى عند تفسيره لهذه الجملة : والمراد زوجة له أخرى تسمى ( واعلة ) بالعين المهملة ، وفى رواية ( والقة ) وابنه منها واسمه ( كنعان ) . . وكانا كافرين
وجملة { وَمَنْ آمَنَ } معطوفة على قوله { وَأَهْلَكَ } أى : واحمل معك من آمن بك من قومك .
والمعنى للآية الكريمة : لقد امتثل نوح أمر ربه له بصنع السفينة ، حتى إذا ما تم صنعها ، وحان وقت نزول العذاب بالكافرين من قومه ، وتحققت العلامات الدالة على ذلك ، قال الله - تعالى - لنوح : احمل فيها من كل نوع من أنواع المخلوقات التى أنت فى حاجة إليها ذكر أو أنثى ، واحمل فيها أيضا من آمن بك من أهل بيتك دون من لم يؤمن ، واحمل فيها كذلك جميع المؤمنين الذين اتبعوا دعوتك من غير أهل بيتك .
وقد ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على قلة عدد من آمن به فقال : { وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ } .
أى : وما آمن معه إلا عدد قليل من قومه بعد أن لبث فيهم قرونا متطاولة يدعوهم إلى الدين الحق ليلا ونهارا ، وسرا وعلانية .
قال الآلوسى بعد أن ساق أقوالا فى عدد من آمن بنوح - عليه السلام - من قومه : . . . والرواية الصحيحة أنهم كانوا تسعة وسبعين : زوجته ، وبنوه الثلاثة ونساؤهم ، وانثان وسبعون رجلا وامرأة من غيرهم . . .