أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا} (3)

ومن يتق الله يجعل له مخرجا . ويرزقه من حيث لا يحتسب جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق بالوعد على الاتقاء عما نهى عنه صريحا أو ضمنا من الطلاق في الحيض والإضرار بالمعتدة وإخراجها من المسكين وتعدي حدود الله وكتمان الشهادة وتوقع جعل على إقامتها بأن يجعل الله له مخرجا مما في شأن الأزواج من المضايق والغموم ويرزقه فرجا وخلفا من وجه لم يخطر بباله أو بالوعد لعامة المتقين بالخلاص عن مضار الدارين والفوز بخيرهما من حيث لا يحتسبون أو كلام جيء به للاستطراد عند ذكر المؤمنين وعنه صلى الله عليه وسلم إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم ومن يتق الله فما زال يقرؤها ويعيدها وروي أن سالم بن عوف بن مالك الأشجعي أسره العدو أسره العدو فشكا أبوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له اتق الله وأكثر قول لا حول ولا قوة إلا بالله ففعل فبينما هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل غفل عنها العدو فاستاقها وفي رواية رجع ومعه غنيمات ومتاع ومن يتوكل على الله فهو حسبه كافية إن الله بالغ أمره يبلغ ما يريده ولا يفوته مراد وقرأ حفص بالإضافة وقرىء بالغ أمره أي نافذ وبالغا على أنه حال والخبر قد جعل الله لكل شيء قدرا تقديرا أو مقدرا أو أجلا لا يتأتى تغييره وهو بيان لوجوب التوكل وتقرير لما تقدم من تأقيت الطلاق بزمان العدة والأمر بإحصائها وتمهيد لما سيأتي من مقاديرها .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا} (3)

1

المفردات :

بالغ أمره : منفذ حكمه وقضائه في خلقه ، يفعل ما يشاء .

قدرا : تقديرا وتوقيتا .

التفسير :

3- { وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا } .

أفادت كتب الحديث وأسباب النزول أن عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابنا سالما ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أُسر ابني ، وشكا إليه الفاقة ، فقال صلى الله عليه وسلم : " اتق الله ، وأكثر من قول : لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم " . ففعل ، فبينما هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل ، غفل عنها العدوّ فاستاقها ، فنزلت : { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } . vii

والتوكل هو الاعتماد على الله تعالى بعد الأخذ بالأسباب .

والمعنى :

ومن يثق بالله تعالى ويعتمد عليه ، كفاه الله ما أهمّه ، وكان الله له معينا وكافيا في الدنيا والآخرة .

روى الحاكم ، عن عبد الله بن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ، ومن كلّ ضيق مخرجا ، ورزقه من حيث لا يحتسب " .

{ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ . . . }

منفذ قضاياه وأحكامه في خلقه ، بما يريده ويشاؤه ، وهو سبحانه فعّال لما يريد .

{ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا } .

أي : جعل لكل أمر م الأمور مقدارا معلوما ، ووقتا محدودا ، حسب الحكمة الأزلية .

قال تعالى : { وكلّ شيء عنده بمقدار } . ( الرعد : 8 ) . جلّت حكمته تعالى ، وتعاظم تدبيره ، فيبغي للمؤمن أن يثق في حكمته وقدرته ، وأن يتوكل عليه .

قال القرطبي : أي جعل لكل شيء من الشدة والرخاء أجلا ينتهي إليه .

وقد أورد الحافظ ابن كثير في تفسيره طائفة من الآيات والأحاديث والآثار المفيدة ، ننقل منها ما يأتي :

روى أحمد ، والنسائي ، وابن ماجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن العبد ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه ، ولا يردّ القدر إلا الدعاء ، ولا يزيد في العمر إلا البرّ " . viii

وروى ابن أبي حاتم ، عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة ، ورزقه من حيث لا يحتسب ، ومن انقطع إلى الدنيا وكله إليها " .

وروى أحمد ، والترمذي ، عن ابن عباس أنه ركب خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا غلام ، إني معلمك كلمات : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، ولو اجتمعوا على أن يضرّوك لم يضرّوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام وجفت الصحف " ix ( قال الترمذي : حسن صحيح ) .

وقد أورد الشيخ الفاضل ابن عاشور في تفسير التحرير والتنوير حكمة وضع جملة : قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا . بعد بيان أحكام الطلاق والرجعة والإشهاد ، وعدّة ذوات الأقراء وغيرها ، وكيفية العدة ، فهذه الجملة بمثابة التعليل لمدة العدة ، والأمر بالتقوى والتوكل ، فإذا تساءل إنسان : وأين منّي هذا الفرج ؟

جاء الجواب : { قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا } . ولهذه الجملة موقع التذليل لما سبقها من الأحكام أيضا ، بأنّ كل شيء عنده بمقدار ونظام وإبداع .