اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا} (3)

{ وَيَرْزُقْهُ } الثواب { مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } أن يبارك له فيما آتاه .

وقال سهل بن عبد الله : { وَمَن يَتَّقِ الله } في إتباع السُّنَّة { يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } من عقوبة أهل البدع { مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } .

وقال أبو سعيد الخدري : ومن تبرأ من حوله وقوَّتهِ بالرجوع إلى اللَّه { يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } مما كلفه الله بالمعونة{[57022]} .

وقال{[57023]} ابن مسعود ومسروق : الآية على العموم .

وقال أبو ذر : «قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنِّي لأعلمُ آيَةً لوْ أخَذَ النَّاسُ بِهَا لَكَفَتهُمْ " وتلا : { وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } [ فما زال يكررها ويعيدها »{[57024]} .

وقال ابن عباس : «قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب } ] {[57025]} قال : " مخرجاً من شُبهات الدنيا ، ومن غمرات الموتِ ، ومن شدائد يوم القيامة " {[57026]} .

وقال أكثر المفسرين{[57027]} : «نزلت في عوف بن مالك الأشجعي ، أسر المشركون ابناً له يسمى سالماً ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتكي إليه الفاقة ، وقال : إن العدوّ أسر ابني وجزعت الأم ، فما تأمرني ؟ قال - عليه الصلاة والسلام - : " اتِّق اللَّهَ واصْبِرْ ، وآمُرُكَ وإيَّاهَا أن تَسْتَكْثِرَا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " ، فعاد إلى بيته ، وقال لامرأته : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني وإياك أن نستكثر من قول " لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " فقالت : نِعْمَ ما أمرنا به ، فجعلا يقولان ، فغفل العدو عن ابنه فساق غنمهم ، وجاء بها إلى أبيه ، وهي أربعة آلاف شاةٍ ، فنزلت الآية ، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم تلك الأغنام له »{[57028]} .

وروي أنه جاء وقد أصاب إبلاً من العدو ، وكان فقيراً . فقال الكلبي : إنه أصاب خمسين بعيراً .

وفي رواية : فانفلت ابنه من الأسر وركب ناقة للقوم ومر في طريقه بسرح لهم فاستاقه .

وقال مقاتل : «أصاب غنماً ومتاعاً ، فقال أبوه للنبيّ صلى الله عليه وسلم أيحل لي أن آكل مما أتى به ابني ؟ قال : نعم » ، ونزلت : { وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ }{[57029]} .

وروى الحسن عن عمران بن الحصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَن انقَطَعَ إلى اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ كُلَّ مَؤونةٍ ورَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ، ومن انقطع إلى الدُّنيا وكلها اللَّهُ إليهِ »{[57030]} .

وقال الزجاج{[57031]} : أي : إذا اتقى وآثر الحلال والصبر على أهله فتح الله عليه إن كان ذا ضيق ورزقه من حيث لا يحتسب .

وعن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «مَنْ أكْثَرَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ من كُلِّ هَمٍّ فَرجاً ، ومِن كُلِّ ضيقٍ مَخْرَجاً ، ورَزقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ »{[57032]} .

قوله : { وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ } .

أن من فوّض إليه أمره كفاهُ ما أهمَّه .

وقيل : من اتقى الله وجانب المعاصي وتوكل عليه فله فيما يعطيه في الآخرة من ثوابه كفاية ، ولم يرد الدنيا ؛ لأن المتوكل قد يصاب في الدنيا وقد يقتل .

وقال - عليه الصلاة والسلام - : «لَوْ أنَّكُمْ تَتوكَّلُونَ على اللَّهِ حقَّ تَوكُّلِهِ لرزقَكُم كَمَا يَرزقُ الطَّيْر تَغْدُو خِمَاصاً وتَرُوحُ بِطَاناً »{[57033]} .

قوله : { إِنَّ الله بَالِغُ أَمْرِهِ } .

قرأ حفص : «بَالِغُ » من غير تنوين «أمْرِهِ » مضاف إليه على التخفيف .

والباقون : بالتنوين{[57034]} والنصب ، وهو الأصل ، خلافاً لأبي حيان{[57035]} .

وقرأ ابن أبي عبلة وداود بن أبي{[57036]} هند ، وأبو عمرو في رواية : «بَالِغٌ أمْرُهُ » بتنوين «بالغ » ورفع «أمره » .

وفيه وجهان{[57037]} :

أحدهما : أن يكون «بالغ » خبراً مقدماً ، و «أمره » مبتدأ مؤخر ، والجملة خبر «إن » .

والثاني : أن يكون «بالغ » خبر «إن » و «أمره » فاعل به .

قال الفراء{[57038]} : أي : أمره بالغ .

وقيل : «أمره » مرتفع ب «بالغ » والمفعول محذوف ، والتقدير : بالغ أمره ما أراد .

وقرأ المفضل{[57039]} : «بالغاً » بالنصب ، «أمرُه » بالرفع . وفيه وجهان{[57040]} :

أظهرهما : وهو تخريج الزمخشري{[57041]} : أن يكون «بالغاً » نصباً على الحال ، و { قَدْ جَعَلَ الله } هو خبر «إن » تقديره : إن الله قد جعل لكل شيء قدراً بالغاً أمره .

والثاني : أن يكون على لغة من ينصب الاسم والخبر بها ، كقوله : [ الطويل ]

4782 - . . . *** . . . . . . . . . . . إنَّ حُرَّاسنَا أسْدَا{[57042]}

ويكون «قَدْ جَعَلَ » مستأنفاً كما في القراءة الشهيرة .

ومن رفع «أمره » فمفعول «بالغ » محذوف ، تقديره : ما شاء ، كما تقدم في القرطبي{[57043]} .

فصل في معنى الآية{[57044]}

قال مسروق : يعني قاضٍ أمره فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه إلا أن من توكل عليه يكفر عنه سيئاته ، ويعظم له أجراً .

قوله : { قَدْ جَعَلَ الله لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً } .

قيل : إن من قوله تعالى : { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } إلى قوله : { مَخْرَجاً } آية ، ومنه إلى قوله تعالى : { قَدْراً } آية أخرى ، وعند الكوفي والمدني المجموع آية واحدة{[57045]} .

وقرأ جناح بن{[57046]} حبيش : «قَدراً » بفتح الدال .

والمعنى{[57047]} : لكل شيء من الشدة والرخاء أجلاً ينتهي إليه .

وقيل : تقديراً .

وقال السدي : هو قدر الحيض في الأجل والعدة{[57048]} .

وقال عبد الله بن رافع : لما نزل قوله تعالى : { وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ } فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : «فَنَحْنُ إذَا توكلنَا عليْهِ يُرسِلُ مَا كَانَ لَنَا وَلاَ نَحْفَظُهُ » ، فنزلت : { إِنَّ الله بَالِغُ أَمْرِهِ } فيكم وعليكم{[57049]} .

وقال الربيع بن خيثم : إنَّ الله قضى على نفسه أن من توكل عليه كفاه ، ومن آمن به هداه ، ومن أقرضه جازاه ، ومن وثق به نجَّاه ، ومن دعاه أجاب له .

وتصديق ذلك في كتاب الله : { وَمَن يُؤْمِن بالله يَهْدِ قَلْبَهُ }[ التغابن : 11 ] ، { وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ } ، { إِن تُقْرِضُواْ الله قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ } [ التغابن : 17 ] ، { وَمَن يَعْتَصِم بالله فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }[ آل عمران : 101 ] ، { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ } [ البقرة : 186 ] .


[57022]:ينظر المصدر السابق.
[57023]:في أ: وتأول.
[57024]:أخرجه الحاكم (2/492) وأحمد (5/178) وابن حبان (1547-موارد) من حديث أبي ذر. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[57025]:سقط من أ.
[57026]:ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (6/354) وعزاه إلى أبي يعلى وأبي نعيم والديلمي من طريق عطاء ابن يسار عن ابن عباس.
[57027]:ينظر الجامع لأحكام القرآن (18/106).
[57028]:أخرجه الطبري في "تفسيره" (12/130، 131) عن السدي وسالم بن أبي الجعد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (6/354) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سالم بن أبي الجعد. وذكره أيضا عن ابن عباس مطولا وعزاه للخطيب في "تاريخه" من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس. ومختصرا من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه وعزاه لابن مردويه.
[57029]:ذكره القرطبي في "تفسيره" (18/106) عن مقاتل.
[57030]:أخرجه الخطيب (7/191) والطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع الزوائد" (10/306). وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه إبراهيم بن الأشعث صاحب الفضيل وهو ضعيف وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال يخطئ ويغرب ويخالف.
[57031]:ينظر معاني القرآن للزجاج 5/184.
[57032]:أخرجه أحمد (1/248) وأبو داود (1518) والحاكم (4/262) والنسائي في "الكبرى" (645) ومن طريقه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (358) والبيهقي (3/351) من طريق الحكم بن مصعب ثني محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده مرفوعا. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ورده الذهبي بقوله: قلت الحكم فيه جهالة. والحكم ذكره الحافظ ابن حجر في "التهذيب" (2/439) وقال: روى عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وعنه الوليد بن مسلم. قال أبو حاتم: لا أعلم روى عنه غيره وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال يخطئ له عندهم حديث واحد في لزوم الاستغفار قلت: هذا مقل جدا فإن كان أخطأ فهو ضعيف وقد قال أبو حاتم مجهول وذكره ابن حبان في الضعفاء أيضا وقال: روى عنه أبو المغيرة أيضا لا يجوز الاحتجاج بحديثه ولا الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار انتهى وهو تناقض صعب وقال الأزدي: لا يتابع على حديثه فيه نظر.
[57033]:أخرجه أحمد (1/30، 52) والترمذي (2344) وابن ماجه (4164) وعبد بن حميد في "المنتخب" (ص 32) من حديث عمر بن الخطاب وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
[57034]:ينظر: السبعة 639، والحجة 6/300، وإعراب القراءات 2/373، وحجة القراءات 712، وشرح الطيبة 6/58، والعنوان 192، وشرح شعلة 604، وإتحاف 2/545.
[57035]:ينظر: البحر المحيط 8/279.
[57036]:ينظر: المحرر الوجيز 5/324، والبحر المحيط 8/279، والدر المصون 6/329.
[57037]:ينظر: الدر المصون 6/329.
[57038]:ينظر: معاني القرآن له 3/163.
[57039]:ينظر: القراءة السابقة.
[57040]:ينظر: الدر المصون 6/329.
[57041]:ينظر: الكشاف 4/556.
[57042]:تقدم.
[57043]:ينظر: الجامع لأحكام القرآن 18/107.
[57044]:ينظر السابق 18/106.
[57045]:ينظر: التفسير الكبير 30/32.
[57046]:ينظر: البحر المحيط 8/279، والدر المصون 6/330.
[57047]:ينظر: القرطبي 18/107.
[57048]:ذكره القرطبي في "تفسيره"(18/107).
[57049]:ينظر المصدر السابق.