ولما{[4601]} أفاد ما تقدم وصفه تعالى بتمام القدرة واتساع الملك والفضل وشمول العلم{[4602]} كان من المحال افتقاره إلى شيء ولد أو غيره قدّم أهل الأديان الباطلة كلهم بافترائهم{[4603]} في الولد اليهود في عزير والنصارى في المسيح وعبدة الأوثان في الملائكة فقال معجباً ممن اجترأ على نسبة ذلك إليه مع معرفة ما تقدم عاطفاً على ما سبق من دعاويهم : { وقالوا اتخذ الله } {[4604]}الذي له الكمال كله{[4605]} وعبر بقوله : { ولداً } {[4606]}الصالح للذكر والأنثى لينظم{[4607]} بذلك مقالات الجميع . ولما كان العطف على مقالات أهل الكتاب ربما أوهم اختصاص الذم بهم حذفت واو العطف في قراءة ابن عامر على طريق الاستئناف{[4608]} في جواب من كأنه قال : هل انقطع حبل افترائهم{[4609]} ؟ إشارة إلى ذم كل من قال بذلك ، وذلك إشارة إلى شدة التباسها بما قبلها كما قال الإمام أبو علي الفارسي في كتاب الحجة ، لأن جميع المتحزبين{[4610]} على أهل الإسلام مانعون لهم من إحياء المساجد بالذكر لشغلهم لهم بالعداوة عن لزومها ، والحاصل أنه إن عطف كان انصباب الكلام إلى أهل الكتاب وأما غيرهم فتبع لهم للمساواة في المقالة{[4611]} ، وإذا حذفت الواو انصب إلى الكل انصباباً واحداً .
ونزه نفسه الشريفة استئنافاً بقوله : { سبحانه } فذكر{[4612]} علم التسبيح الجامع لإحاطة المعنى في جوامع التنزيه كله ، ثم جاء بكلمة الإضراب المفهمة الرد بالنفي فكأن الخطاب يفهم : ما اتخذ الله ولداً ولا له ولد { بل له ما }{[4613]} فعبر بالأداة التي هي لغير العاقل{[4614]} تصلح له تعميماً وتحقيراً لهم { في السماوات والأرض } مما ادعت كل فرقة منهم{[4615]} فيه الولدية وغير ذلك .
ثم علله بقوله معبراً بما يفهم غاية الإذعان : { كل له قانتون } {[4616]}أي مخلصون خاشعون متواضعون ، لاستسلامهم لقضائه من غير قدرة على دفاع ، ولا تطلع إلى نوع امتناع العاقل ، غيره ، حتى كأنهم يسعون في ذلك ويبادرون إليه مبادرة اللبيب الحازم . قال الحرالي : فجاء بالجمع المشعر كما يقال بالعقل{[4617]} والعلم لما تقدم من أنه لا عجمة ولا جمادية بين الكون والمكوّن ، إنما يقع جمادية وعجمة بين آحاد من المقصرين في الكون عن الإدراك التام ؛ والقنوت ثبات القائم بالأمر على قيامه تحققاً{[4618]} بتمكنه{[4619]} فيه .
قوله تعالى : { وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } يقصد بواو الجماعة في قوله : { وقالوا } النصارى ؛ إذ ذهبوا إلى أن عيسى ابن الله . وقيل : بل المقصود اليهود ؛ إذ قالوا : " عزيز ابن الله " وقيل كذلك إنهم العرب الذين جعلوا بين الله والجنة نسبا ، فقالوا : إن الملائكة بنات الله . ويصلح أن تتناول الآية كل أولئك المشركين ومن هم على شاكلتهم ممن يجعلون لله سبحانه ولدا ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
وسبحانه مفعول مطلق يعنى التقديس والتنزيه لله عن نقيصه البنوة والوالدية ، فإن الله جلت قدرته متنزه عن الضعف بكل صوره ومظاهره وأشكاله . ومن جملة ذلك اتخاذ الصاحبة- وهي الزوجة- أو اتخاذ الولد ؛ فإن ذلك عنوان الضعف الذي لا يليق بجلال الله وعظمته التي تعلو على كل مظهر من مظاهر النقص أو الضعف .
ومن المعلوم يقينا أن يستشعر الإنسان بعواطفه الضاربة في أعماقه وعروقه حاجته للآخرين ، ونخص بالذات حاجته للزوج يشاركه الحياة والعيش ويشاطره الحبور والمضاضة ، ويرد عنه مرارة الإيحاش الذي لا يطاق . وكذلك حاجته للولد يستأنس بكلماته العابثة المستعذبة وهو طفل صغير ، ويشتد به أزره وهو شاب قوي كبير ، ثم يحس أن فيه امتدادا لحياته بعد الممات .
وهذا الإحساس كله لا جرم أن يزجي بالدليل على ظاهرة الضعف التي تخالط طبيعة الإنسان على وجه الأرض . وحاشا لله سبحانه أن ينسب إليه مثل هذا الإحساس ، أو أن يُفتات{[119]} على جلالة وسلطانه بمثل هذا الافتيات الفاسد المقبوح . وهو افتيات لا جرم يثير غضب الرب ويبعث على سخطه واشتداد مقته والعياذ بالله .
قال سبحانه في مثل هذا الموقف : { وقالوا اتخذ الرحمان ولدا لقد جئتم شيئا إذا تكاد السماوات يتقاطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هذا أن دعوا للرحمان ولدا } .
ويقول النبي الكريم ( صلى الله عليه وسلم ) : " قال الله تعالى : كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشمتني ولم يكن له ذلك ، فأما : تكذيبه إياي فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان ، وأما شتمه إياي فقوله إن لي ولدا فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا " {[120]} .
إن الله جلت قدرته غني عن الصاحبة ، وغني عن الولد ، وغني عن الخلائق كافة . وهو سبحانه يملك الخلائق كافة ، بل يملك الحياة والوجود جميعا ، وكل ما في الوجود إنما يدور بأمره وتقديره ، وهو صائر إلى مآله المقدور { بل له ما في السماوات والأرض } كل ما في الكون مملوك لله . كل ما في الأرض وما في السماوات من خلائق وكائنات أحياء وغير أحياء لهو مملوك لله وحده دون شريك من صاحبة أو ولد أو والد . فهو تباركت أسماؤه المتفرد في ملكوت هذا الوجود ، فهو المالك لكل مالك ، والأكبر من كل كبير . سبحانه .
وقوله : { كل له قانتون } قانتون مفردها قانت . وهو من القنوت بمعنى الطاعة والإحساس الكامل بالعبودية والخضوع لله{[121]} . ذلك أن كل ما في السماوات والأرض مطيع لله مقر له بالوحدانية .
وقد يتساءل متسائل من غير المؤمن كيف يُحتسبون في عداد القانتين ؟
التأويل المناسب لهذا المسألة أن غير المؤمنين من البشر والجن يحتسبون مطيعين بالنظر لطبيعتهم التي خُلقوا عليها . وهي طبيعة التكوين التي يمضي على أساسها الكائن في حياته ، ولا يستطيع أن يتحول عنها البتة . فهي طبيعة أصيلة مفطورة كانت من صنع الله ومن تقديره الذي لا يتخلف .
وعلى ذلك فإن الكائن وهو يتحرك في دائرة من الطبع والغريزة والميول الفطرية إنما يتحرك ضمن الكيفية الأصيلة التي جبل عليها هذا الكائن ، وهي كيفية ليست من اصنطاع أحد وإنما هي من صنع الله . وبذلك نقول : إن الكائن قانت لله دائما ، يستوي في ذلك أن يكون مؤمنا أو غير مؤمن . فالجميع يتحركون ويتصرفون بناء على فطرتهم وكيفية تخليقهم ، هذا التخليق الذي صنعه الله وقدره في الكائنات تقديرا .
أما الخلائق الكثيرة الأخرى من غير ذات العقل فلا ريب أنها جميعا قانتة لله على نحو وكيفية لا يعرفها أحد من الناس إلا من أذِن له الله فأوقفه على حقيقة ذلك . يقول سبحانه في ذلك : { وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.