ولما{[4559]} أفهمت الآية أنه حصل لأولياء الله منع من عمارة بيت الله بذكره وكان الله تعالى قد منّ على هذه الأمة بأن جعل الأرض كلها لها مسجداً سلّى المؤمنين بأنهم أينما صلوا بقصد عبادته لقيهم ثوابه ، لأنه لا يختص به جهة دون جهة ، لأن ملكه للكل على حدّ سواء ؛ فكان كأنه قيل : فأقيموا الصلاة التي هي أعظم ذكر الله حيثما كنتم فإنه لله ، كما{[4560]} أن المسجد الذي مُنعتموه لله{[4561]} ؛ وعطف عليه قوله : { ولله } أي الذي له الكمال كله{[4562]} { المشرق } أي موضع الشروق وهو مطلع الأنوار { والمغرب } وهو موضع أفولها ، فأنبأ{[4563]} تعالى كما قال الحرالي بإضافة جوامع الآفاق إليه إعلاماً بأن الوجهة لوجهه لا للجهة ، من حيث إن الجهة له - انتهى .
ولما كان هذان{[4564]} الأفقان{[4565]} مداراً{[4566]} للكواكب{[4567]} من الشمس وغيرها عبر{[4568]} بهما عن جميع الجهات ، لتحول الأفلاك حال{[4569]} الدوران إلى كل منهما{[4570]} . فلذلك تسبب عن ذكرهما قوله : { فأينما{[4571]} تولوا } أي فأي مكان أوقعتم فيه التولية للصلاة إلى القبلة التي أمرتم بالتولية إليها من بيت المقدس أو الكعبة أو غيرهما في النافلة { فثَم } أي فذلك الموضع ، لأن " ثَمَّ " إشارة لظرف مكان { وجه الله } أي جهته{[4572]} {[4573]}التي وجهكم إليها{[4574]} أو مكان استقباله والتوجه إليه وما يستقبلكم من {[4575]}جلاله وجماله{[4576]} ويتوجه{[4577]} إليكم من بره وإفضاله . فإن نسبة{[4578]} جميع الأماكن والجهات في الإبداع{[4579]} والقرب والبعد وغير ذلك إليه واحدة . قال الحرالي : وأبهم المولى ليقع تولي القلب لوجه الله حين تقع{[4580]} محاذاة وجه{[4581]} الموجه الظاهر للجهة المضافة لله - انتهى{[4582]} .
ولما أخبر من سعة فضله مبثوثاً{[4583]} في واسع ملكه بما وقفت{[4584]} العقول عن منتهى علمه علله{[4585]} بما صغُر ذلك في جنبه فقال : { إن الله } فذكره بالاسم الأعظم الجامع لجميع{[4586]} الأسماء { واسع } أي محيط بما لا تدركه الأوهام ، فلا يقع شيء إلا في ملكه ؛ وأصل الوسع{[4587]} تباعد الأطراف والحدود { عليم } فلا يخفى عليه فعل فاعل أي ما كان وكيف ما كان ، فهو يعطي المتوجه إليه على قدر نيته بحسب بلوغ إحاطته وشمول علمه وقدرته .
قال الحرالي في شرح الأسماء : والسعة المزيد على الكفاية من نحوها إلى أن ينبسط إلى ما وراء امتداداً و{[4588]}رحمة وعلماً { ورحمتي وسعت كل شيء{[4589]} }[ الأعراف : 156 ] { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة{[4590]} }[ يونس : 26 ] { لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد{[4591]} }[ المائدة : 35 ] ولا تقع السعة إلا مع إحاطة العلم والقدرة وكمال الحلم وإفاضة الخير والنعمة لمقتضى كمال الرحمة ، ولمسرى{[4592]} النعمة في وجوه الكفايات ظاهراً وباطناً خصوصاً وعموماً لم يكد يصل الخلق إلى حظ من السعة ، أما ظاهراً فلا تقع{[4593]} منهم ولا تكاد{[4594]} " إنكم لن تسعوا الناس بمعروفكم " ، وأما باطناً بخصوص حسن الخلق فعساه يكاد . وقال في تفسيره : قدم تعالى : { المشرق } لأنه موطن بدو{[4595]} الأنوار التي منها رؤية الأبصار ، وأعقبه بالمغرب الذي هو مغرب الأنوار الظاهرة وهو مشرق الأنوار الباطنة ، فيعود التعادل إلى أن مشرق الأنوار الظاهرة{[4596]} هو مغرب الأنوار الباطنة " الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان - وأشار بيده نحو المشرق " " لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق " انتهى . قلت : ومن ذلك حديث صفوان بن عسال{[4597]} رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن لله بالمغرب باباً - وفي رواية : باب التوبة مفتوح من قبل المغرب - مسيرة عرضه سبعون عاماً ، لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله " أخرجه الطبراني والبغوي في تفسيرهما ، وقد ظهر أن المغرب في الحديث المتقدم هو في الصحيح ما عدا المشرق الذي أشار إليه بالفتنة في الحديث الآخر ، فالمغرب حينئذ المدينة وما ينسب إليها من جهة المشرق{[4598]} وما وراء ذلك من جهة الجنوب والشمال{[4599]} وما وراء ذلك من جهة الغرب إلى منتهى الأرض ، فلا يعارض حينئذ حديث " وهم بالشام " فإنها من جملة المغرب على هذا التقدير{[4600]} ، فدونك جمعاً طال ما دارت فيه الرؤوس وحارت فيه الأفكار في المحافل والدروس - والله الموفق .
قوله تعالى : { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم } جاء في سبب هذه الآية عدة أقوال لعل أصوبها أنه بعد أن تحولت قبلة المسلمين عن بيت المقدس إلى البيت العتيق في مكة بأمر من الله أنكر اليهود ذلك واغتاظوا ، ولم يرضوا بما شرعه الله لعباده من قبلة عظيمة مستديمة يتوجون إليها وتكون لهم على الدوام مثابة . وذلك من تقدير الله وشأنه ، فهو يتعبّد الناس بما شرعه لهم من قبلة وما سواها من أحكام وشعائر من غير أن يكون له في ذلك راد أو معقب .
لقد تغيظ اليهود من ذلك أشد تغيظ ، وساءهم أن يتولى المسلمون عن قبلتهم الأولى التي كانوا عليها ، فزادوا من عداوتهم ونكارتهم للنبي وصحبه ، وجعلوا يفترون على النبي ودينه والمسلمين الأكاذيب . ويثيرون من حولهم الأراجيف ، يحفزهم إلى ذلك ضغينة وتعصب . وهو تعصب ذميم مسف ، يعتمد الصورة والشكل دون الحقيقة أو الجوهر والمضمون . ولا جرم فهو تعصب لا يستند إلى شيء من تفكير سليم أو عقيدة واعية مستبينة سليمة ، ولكنه التعصب الفارغ المتبلّد الذي يعتمد الحماقة والسفه ، ويستند إلى المزاج والهوى .
والآية تبين للناس جميعا أنه يستوي عند الله أن تكون القبلة صوب جهة أو غيرها ، فالجهات كلها من صنع الله وتقديره ، وهو سبحانه يملك الأرض والسماء والحياة والثقلين ، ويملك السماوات والأرض وما بينهما من أشياء وكوائن وما فوق التراب من أحياء نشطة تنوس أو جوامد ثوابت لا تريم ، وهو سبحانه يملك الجهات جميعا بما في الجهات من مشرق ومغرب فذلكم كله لله ، وهو محصور وبارز في قبضته وبين يديه . فلا داعي بعد ذلك أن تخاصم يهود في القبلة مادام ذلك كله مقررا بإذن الله وإرادته . فلا ينبغي أن نعبأ بالجهة في مفهومها الحسي ، ولكن العبرة في أمر الله وفي تقديره ، فهو سبحانه قد تعبّد المؤمنين باتباع القبلة التي ارتضاها وكتبها لهم سواء في ذلك مكة حيث البيت الحرام أو بيت المقدس حيث المسجد الأقصى .
وقوله : { فأينما تولوا فثم وجه الله } أينما أداة شرط تجزم فعلين وما زائدة . { تولوا } فعل الشرط مجزوم بحذف النون ، والجملة المقترنة بالفاء جواب الشرط . فأينما يتوجه الناس يجدوا أن الله أمامهم . فهو سبحانه لا تحيط به الجهات ، ولا تحده الأمكنة والحدود ، ويستوي عنده في المكان أو الزمان مشرق ومغرب أو قريب وبعيد ، فذلك كله في حكم الله وميزانه سواء .
فلا عبرة بعد ذلك للتشبث بالمكان الحسي المحدود الذي تشنجت عليه يهود فإن المكان والزمان لله . وكيفما كان المكان أو الزمان فإنهما محوطان بقدرة الله وعلمه وهيمنته . ومن الناحية الشرعية فقد قيل إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : { وحيث ما كنتم قولوا وجوهكم شطره } وقيل : بل الناسخ هو قوله تعالى : { فول وجهك شطر المسجد الحرام } وذلك يعني أن يتوجه المصلون في صلاتهم نحو الكعبة قبلتهم الأبدية ، وفي ذلك إبطال للتخيير السابق الذي يتوجهون بموجبه كما شاؤوا مشرقا أو مغربا .
ولست مطمئنا للقول بالنسخ هنا ، بل إنني أرجح أن تكون الآية محكمة . فإنه ليس بالضرورة أن يكون مدلول الآية الخيار في الصلاة بين التوجه نحو المشرق أو المغرب . بل المقصود في الغالب أن تتوجه قلوب العباد ومشاعرهم إلى الله . وأن تظل المقاصد والنوايا مشدودة نحو الخالق سبحانه ، ليستقيم العمل ويصفو من درن الشرك والرياء .
وذلك يرتبط أشد ارتباط بقضية العقيدة التي تقوم أول ما تقوم على التوحيد الخالص المبرأ من شوائب الشرك وغبش التصور .
وقوله : { إن الله واسع عليم } الله جلت قدرته يسع الناس والخلائق جميعا بعونه وإحسانه وتفضله وغفرانه ، فهو الكريم المنان الذي تتهاطل آلاؤه وخيراته على الأرض لتشمل الخليقة كلها ، فما من كائن إلا وهو عائش في حومة الفضل من الله سبحانه . وهو سبحانه عليم بخلقه ، عليم بما تجترحه الكائنات من قول أو عمل وما تكنه الصدور من مكنونات وأسرار ، كل ذلك في علم الله الذي لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء{[118]} .