نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ أُوْلَـٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (114)

ولما اشتركت جميع هذه الفرق في الظلم وزاد الجهلة منع حزب الله من عمارة المسجد الحرام بما يرضيه{[4516]} من القول والفعل فازدادوا بذلك ظلماً آخر وكان من منع مسجداً واحداً لكونه مسجداً مانعاً لجميع المساجد قال{[4517]} : { ومن أظلم } أي منهم ، وإنما أبدل الضمير بقوله : { ممن منع{[4518]} مساجد الله } أي " {[4519]}الجامع لصفات الكمال{[4520]} التي هي جنان الدنيا لكونها أسباب الجنة التي قصروها{[4521]} عليهم ، ثم أبدل من ذلك {[4522]}تفخيماً له تذكرة مرة بعد أخرى{[4523]} " قوله : { أن يذكر فيها اسمه } وعطف بقوله : { وسعى في خرابها } أي بتعطيلها عن ذكر الله لبعد وجوه ظلمهم زيادة في تبكيتهم . والمنع الكف عما يترامى {[4524]}إليه . والمسجد مفعل لموضع السجود وهو أخفض{[4525]} محط القائم . والسعي الإسراع في الأمر حساً أو معنى . والخراب ذهاب العمارة ، والعمارة إحياء المكان وإشغاله بما وضع له - قاله الحرالي .

ثم ذكر سبحانه ما رتبه على فعلهم من الخوف في المسجد الذي أخافوا فيه أولياءه وفي جميع جنسه{[4526]} والخزي في الدنيا والآخرة ضد ما رتبه لمن أحسن فقال{[4527]} : { أولئك } أي البعداء البغضاء { ما كان لهم } {[4528]}أي ما صح وما انبغى{[4529]} { أن يدخلوها } أي المساجد الموصوفة { إلا خائفين } {[4530]}وما كان أمنهم فيها إلا بسبب {[4531]}كثرة المساعد على{[4532]} ما ارتكبوه من الظلم والتمالؤ على الباطل وسنزيل ذلك ، ثم عمم الحكم بما يندرج فيه هذا الخوف فقال : { لهم في الدنيا خزي } أي عظيم بذلك وبغيره ، ثم زاده بأن عطف عليه قوله : { ولهم في الآخرة } {[4533]}التي هم لها منكرون بالاعتقاد أو الأفعال { عذاب عظيم } فدل بوصف العذاب على وصف الخزي الذي أشار إليه بالتنوين .

قال الحرالي : وفيه إنباء بإحباط ما يصرف عنهم وجهاً من وجوه العذاب ، فنالهم من العذاب العظيم ما نال الكافرين حتى كان ما كان لهم من ملة وكتاب لم يكن ، وذلك أسوأ الخسار ؛ قال : ومن الموعود أن من أعلام قيام الساعة تضييع المساجد{[4534]} لذلك{[4535]} كل أمة وكل طائفة وكل شخص معين تطرق بجُرم{[4536]} في مسجد يكون فعله سبباً لخلائه فإن الله عز وجل يعاقبه بروعة ومخافة تناله{[4537]} في الدنيا ، حتى ينتظم{[4538]} بذلك من خرب مدينة من مدن الإسلام أو كانت أعماله سبب خرابها ، وفي ضمن ذلك ما كان من أحداث المسلطين على البيت المقدس بما جرّت إليه أعمال يهود فيه ؛ قال : كذلك أجرى الله سنته أن من لم يقم حرمة مساجده شرده منها وأحوجه{[4539]} لدخولها تحت رقبة{[4540]} وذمة من أعدائه ، كما قد شهدت مشاهدة{[4541]} بصائر أهل التبصرة{[4542]} وخصوصاً في الأرض المقدسة المتناوب{[4543]} فيها دول الغلب{[4544]} بين هذه الأمة وأهل الكتاب{ الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين{[4545]} }[ الروم : 1-3 ] فكل طائفة في بضعها إذا ساء عملها في مسجدها شردت منه ودخلته في بضع الأخرى خائفة كذلك {[4546]}حتى{[4547]} تكون{[4548]} العاقبة للمتقين حين{[4549]} يفرح المؤمنون{[4550]} بنصر الله ، قال : وفي إشعاره تحذير من غلق المساجد وإيصادها{[4551]} وحجرها{[4552]} على القاصدين{[4553]} للتحنث{[4554]} فيها والخلوة بذكر الله ، وليس رفع المساجد منعها بل رفعها{[4555]} أن لا يذكر فيها غير اسم الله ، قال تعالى :{ في بيوت أذن الله أن ترفع{[4556]} }[ النور : 36 ] قال عمر رضي الله عنه لما بنى الرحبة : من أراد أن يلغط أو يتحدث أو ينشد شعراً فليخرج إلى هذه الرحبة ، وقال صلى الله عليه وسلم : " جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وسلّ سيوفكم وبيعكم وشراءكم ، وابنوا على أبوابها المطاهر " ففي حل ذلك إنباء{[4557]} بأن من عمل في مساجد الله بغير ما وضعت له من ذكر الله كان ساعياً في خرابها وناله الخوف في محل الأمن - انتهى{[4558]} .


[4516]:وقع في ظ: يريليه – كذا مطموسا
[4517]:ليس في ظ.
[4518]:المنع الحيلولة بين المريد ومراده، ولما كان الشيء قد يمنع صيانة صار المنع متعارفا في المتنافس فيه- قاله الراغب، البحر المحيط 1/ 357؛ وذكرت فيه مناسبة هذه الآيات لما قبلها أنه أخرى ذكر النصارى في قوله {وقالت النصارى ليست اليهود على شيء} وجرى ذكر المشركين في قوله {كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم} وفي أي نزلت منهم كان ذلك مناسبا لذكرها تلى ما قبلها.
[4519]:ليست في ظ
[4520]:ليست في ظ
[4521]:في م: قصورها
[4522]:ليست في ظ
[4523]:ليست في ظ
[4524]:في مد: يرامى
[4525]:من م ظ، وفي الأصل: اخفط –كذا، وفي مد: اخفص –كذا بالصاد المهلمة
[4526]:في الأصل: جلسه، والتصحيح من م و ظ ومد
[4527]:زيد في مد: تعالى
[4528]:ليست في ظ
[4529]:ليست في ظ
[4530]:العبارة من هنا إلى "ذلك" ليست في ظ
[4531]:ليست في مد
[4532]:ليست في مد
[4533]:زيد في ظ: أي
[4534]:في البحر المحيط 1/ 358: وأضيفت المساجد لله على سبيل التشريف كما قال تعالى {وإن المساجد لله} وخص بلفظ المسجد وإن كان الذي يوقع فيه أفعالا كثيرة من القيام والركوع والقعود والعكوف وكل هذا متعبد به ولم يقل مقام ولا مركع ولا مقعد ولا معكف لأن السجود أعظم الهيئات الدالة على الخضوع والخشوع والطواعية التامة، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. وهي حالة يلقى فيها الإنسان نفسه للانقياد التام ويباشر بأفضل ما فيه وأعلاه وهو الوجه التراب الذي هو موطي قدميه. (قال ابن عطية) وهذه الآية تتناول كل من منع من مسجد إلى يوم القيامة أو خرب مدينة إسلام، لأنها مساجد وإن لم تكن موقوفة، إذ الأرض كلها مساجد
[4535]:في م: كذلك
[4536]:في مد: يحرم
[4537]:في م: تباله: وفي مد: تناوله
[4538]:في م و ظ، وفي مد: تنتظم، وفي الأصل: ينتظم -كذا
[4539]:في م: أخرجه
[4540]:في الأصل و م: و ظ: رقيه، وفي مد: رقبه- كذا
[4541]:ليس في ظ.
[4542]:في م: التبصر
[4543]:في م و ظ، وفي مد: المتناوب، وفي الأصل: المتناول.
[4544]:في مد: القلب
[4545]:سورة 30 آية 1- 3
[4546]:في م: فقط لذلك
[4547]:في م: حين
[4548]:من م و مد، وفي ظ: يكون، وفي الأصل: يكون -كذا
[4549]:في ظ ومد، وفي الأصل و م: حتى
[4550]:في م: المؤمنون -خطأ
[4551]:في مد: إيصادها
[4552]:في م: للقاصدين
[4553]:في م: للقاصدين
[4554]:في ظ: التحنت
[4555]:في مد: منعها
[4556]:سورة 24 آية 36
[4557]:هكذا في الأصل، وفي ظ، و م: انبأ، وفي مد انبا
[4558]:قال أبو حيان الأندلسي فلي البحر المحيط 1/ 359: هذا الجزاء مناسب لما صدر منهم، أما الخزي في الدنيا فهو الهوان والإذلال لهم وهو مناسب لوصف الأول، لأن فيه إحمال المساجد بعدم ذكر الله وتعطيلها من ذلك فجوزوا على ذلك بالإذلال والهوان، وأما العذاب العظيم في الآخرة فهو العذاب بالنار وهو إتلاف لهياكلهم وصورهم وتخريب لها بعد تخريب {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب} وهو مناسب للوصف الثاني وهو سعيهم في تخريب المساجد فجوزوا على ذلك بتخريب صورهم وتمزيقهم بالعذاب
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ أُوْلَـٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (114)

قوله تعالى : { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم } سؤال فيه نكير على أولئك الذين يمنعون مساجد الله أن تتأدى فيها العبادة من صلاة وموعظة وغيرها . أما المراد بالمانعين لمساجد الله أن يذكر فيها اسمه ، فقد قيل : إنها قريش ؛ إذ منعت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) والمسلمين عام الحديبية من الصلاة في البيت الحرام ، مع أنهم ما كانوا ليمنعوا أحدا من دخول مكة والصلاة في البيت . وقد قال لهم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وسلم حينئذ : " ما كان أحد يُصد عن هذا البيت ، وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يصده " فقال له المشركون : لا يدخل علينا من قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق{[115]} .

ولعل هذا المراد الذي ذكره أكثر العلماء أقرب ما يكون إلى الصواب . غير أن مفهوم هذه الآية يمكن انسحابه على كل حداثة تتضمن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه . فإن صدّ المسلمين عن الصلاة في بيوت الله ، والحيلولة بين أهل العلم وكلمة الحق يقولونها على الملأ ، والنصيحة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فذلك كله من ضروب المنع لمساجد الله أن يذكر فيها اسمه والسعي في خرابها .

وخراب المساجد تناول كل أوجه الهدم والتدمير أو الإفساد والتلويث أو صد المسلمين ؛ كيلا يقيموا في المسجد شعيرة الصلاة وغيرها من الذكر والقول الحسن . ويتناول كذلك صد المرشدين وأهل العلم من الذين يدعون إلى الله على بصيرة ، والذين يبعثون في المسلمين روح الهمة والاستعلاء ، ويستنهضون فيهم العزائم والإرادات ؛ لينطلقوا من عقال الضعف والاسترخاء ؛ وليتحرروا من إسار المهانة والتخلف والجهل . إن منع هؤلاء المرشدين العالمين الداعين إلى الله على بصيرة لهو صورة مقبوحة مشهودة من صور الخراب لمساجد الله ، وذلك بفعل الأفاكين والدجاجلة من ساسة وحاكمين وغيرهم ، أولئك الذين يجهدون أنفسهم في الليل والنهار وهم يتآمرون على الإسلام ؛ ليصدوه عن البشرية ؛ وليحجبوا عن أهل الأرض الاستماع الواعي لكلمة الإسلام في كل القضايا والمشكلات .

قوله : { أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين } ( أولئك ) ، مبتدأ . وما بعده في محل رفع خبره . والمصدر من { أن يدخلوها } في محل رفع اسم كان . { لهم } خبر كان { خائفين } في محل نصب حال{[116]} . والجملة خبر معناه الطلب ، فهي تنطوي على مبدأ وخبره ويفرق بينهما النفي . غير أن الآية تحمل في مضمونها الطلب للمسلمين ألا يمكنوا المشركين من دخول بيوت الله إلا تحت الهدنة والجزاء وهم متهيبون وجلون .

وفي قول آخر أن الآية تتضمن بشارة للمسلمين الأولين بأن الله جلت قدرته سوف يذل المشركين فلا يدخل أحد منهم البيت الحرام إلا على تخوف أن يؤخذ فيقتل ، وقد كان ذلك بالفعل . فإنه لما فتح رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مكة أمر في السنة التاسعة للهجرة أن ينادي مناد " ألا لا يحجن بعد العام مشرك ، ولا يطوفن بالبيت عريان ، ومن كان له أجل فأجله إلى مدته " {[117]} .

وقوله : { لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم } قد أعد الله لأولئك المشركين الذين يمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه والذين يسعون كذلك في خرابها ألوانا منا لخزي والذلة ترهق وجوههم ليبوءوا بسخط من الله وغضب . حتى إذا دخلوا الدار الآخرة واجههم هنالك العذاب الشديد البئيس الذي لا تطيقه طبائعهم ولا جسومهم ؛ لفرط ما يسومون من هول التعذيب الأليم الموجع .


[115]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 156.
[116]:- البيان للأنباري جـ 1 ص 119.
[117]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 156.