ولما نهاهم{[19258]} عما تقدم{[19259]} وبشرهم{[19260]} سلاهم وبصرهم{[19261]} بقوله : { إن يمسسكم قرح } أي مصيبة بإدالتهم عليكم اليوم { فقد مس القوم } أي الذين لهم من قوة{[19262]} المحاولة ما قد علمتم ، أي{[19263]} في يوم أحد نفسه وفي يوم بدر { قرح مثله } أي في مطلق كونه قرحاً وإن كان أقل من قرحكم في يوم أحد وأكثر منه{[19264]} في يوم بدر ، على أنه كما أنه ظفرهم{[19265]} - بعدما أصابهم وأنكأهم {[19266]}يوم بدر بالزهد الذي ليس بعده وهن - بقتل مثل من قتل منكم وأسر مثلكم ، ويوم أحد بالقتل والهزيمة أول النهار وهم أعداؤه ، فهو جدير بأن يظفركم بعد وهنكم وأنتم أولياؤه ، فكما لم يضعفهم وهنهم وهم على الباطل فلا تضعفوا أنتم وأنتم على الحق ، ترجون من الله ما لا يرجون ، فقد أدلناكم عليهم يوماً وأدلناهم عليكم آخر{[19267]} { وتلك الأيام } ولما نبه على تعظيمها بأداة البعد ، وكانت إنما تعظم بعظم{[19268]} أحوالها ذكر الحال المنبه{[19269]} عليها بقوله : { نداولها بين الناس } أي بأن نرفع من نشاء تارة ونرفع عليه أخرى .
ولما كان التقدير : ليدال على من كانت له الدولة ، فيعلم كل أحد أن الأمر لنا بلا شريك ولا منازع عطف عليه قوله : { وليعلم الله } أي المحيط بجميع الكمال { الذين آمنوا } أي بتصديق دعوى الإيمان بنية الجهاد فيكرمهم ، ومعنى { ليعلم } أنه{[19270]} يفعل فعل من يريد علم ذلك بأن يبرز{[19271]} ما يعلمه غيباً{[19272]} إلى عالم الشهادة ليقيم الحجة على الفاعلين على ما يتعارفه الناس بينهم{[19273]} { ويتخذ منكم شهداء } أي{[19274]} بأن يجعل{[19275]} قتلهم عين الحياة التي هي الشهادة ، لا غيبة{[19276]} فيها ، فهو سبحانه وتعالى يزيد في إكرامهم{[19277]} بما صدقوا في إيمانهم بأن لا يكونوا{[19278]} مشهوداً{[19279]} عليهم أصلاً بفتنة في{[19280]} قبورهم ولا غيرها ولا يغفلوا{[19281]} بخوف ولا صعق{[19282]} ولا غيره ، فإن الله يحب المؤمنين ، وليعلم{[19283]} الذين ظلموا ويمحق منهم أهل الجحد والاعتداء { والله } أي الملك الأعلى { لا يحب الظالمين * } أي الذين يخالف فعلهم قولهم ، فهو لا يستشهدهم{[19284]} ، وإنما يجعل قتلهم أول خيبتهم وعذابهم ، وفيه{[19285]} بشارة{[19286]} في ترغيب بأنه لا يفعل مع الكفرة فعل المحب ، لئلا يحزنوا على ما أصابهم ، ونذارة في تأديب بأنهم ما خذلوا إلا بتضييعهم الثغر الذي أمرهم به من التزموا طاعته وأمر الله بها في المنشط والمكره{[19287]} بحفظه ، وأقبلوا على الغنائم قبل أن يفرغوا من العدو ، والآية من الاحتباك : إثبات{[19288]} الاتخاذ أولاً دال على نفيه ثانياً ، وإثبات الكراهة ثانياً دال على المحبة أولاً .
قوله : ( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ) القرح معناه الجراح ، قرحة : جرحه فهو قريح وهم قرحى{[595]} ومعنى الآية : أنهم إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر ، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال ؛ إذ قاتلوكم هنا في أحد ، فأنتم أولى أن لا تضعفوا . وذلك كقوله : ( فإنهم يألمون كما تألمون ) وعلى هذا إن أصابكم منهم قتل وجراح فقد أصابهم مثل ما أصابكم من القتل والجراح .
قوله : ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) ( تلك ) في محل رفع مبتدأ . ( الأيام ) صفته . ( نداولها ) جملة فعلية في محل رفع خبر المبتدأ . ويجوز أن تكون تلك مبتدأ ، والأيام خبرا .
والمراد بالأيام أوقات الظفر والغلبة . ( نداولها ) : من المداولة ، وهي نقل الشيء من واحد إلى آخر . يقال : تداولته الأيدي إذا تناقلته . ومنه قوله تعالى : ( كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ) أي تتداولونها ولا تجعلون للفقراء منها نصيبا . ويقال : الدنيا دول ، تنتقل من قوم إلى آخرين ثم عنهم إلى غيرهم . ويقال : دال له الدهر بكذا إذا انتقل إليه . والمعنى أن أيام الدنيا دول بين الناس لا يدوم مسارها ولا مضارها ، فيوم يحصل فيه السرور له والغم لعدوه ، ويوم آخر بالعكس من ذلك{[596]} .
والمقصود بالآية : أننا نصرف الأيام بين الناس ، نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء . ومن أمثال العرب في هذا الصدد : الحرب سجال . وعن أبي سفيان أنه صعد الجبل يوم أحد فمكث ساعة ثم قال : أين ابن أبي كبشة ؟ أين ابن أبي قحافة ؟ أين ابن الخطاب ؟ فقال عمر : هذا رسول الله صلى الله عليه و سلم وهذا أبو بكر وها أنا عمر . فقال أبو سفيان : يوم بيوم والأيام دول والحرب سجال{[597]} .
إن ما حصل للمسلمين في أحد جدير بالتدبر الوقوف مليا كيما يستفيد المسلمون كثيرا من العبر والدروس بما يقيم لهم معالم تنير لهم الطريق ، وتكشف عن كثير من مواطن الضعف التي تتعثر بها إرادات الناس وهممهم في ساعات الهول والشدة . لا جرم أن انهزام المسلمين في أحد وما آل إليه ذلك من قروح أو أحزان ما فتئت الأقلام ترويه وتتحدث عنه كلما قرعت أسماعنا الذكرى وذلك لفداحة الصورة ومرارة القرح ، لكن ذلك كله قد تمخض عن دروس وعبر كانت في أهميتها وعظيم اعتبارها فوق ما خلفته هذه الحرب من خسارة مشهودة في الأرواح واضطرب العزائم ، وما حصل للمسلمين في ذلك اليوم أجدر أن ينشر في نفوسهم الثقة واليقين بقدر الله الذي لا يتخلف والذي لا يصدر عن عشوائية بل عن حكمة بالغة قد نعلمها وقد لا نعلمها إلا بعد طول تبصر وإدكار .
لقد تناولت الآيات هنا جملة من المعاني والحكم المقدورة في علم الله والتي تكمن فيما أصاب المسلمين في أحد مما نعرض لذكره هنا في هذا التفصيل وذلك في الحقائق التالية :
الحقيقة الأولى : تمييز الثابتين على الحق ، وذلك مستفاد من قوله تعالى : ( وليعلم الله الذين آمنوا ) وهو معطوف على علة محذوفة ، وتقدير الكلام هنا : وتلك الأيام نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت ، وليعلم الله الذين آمنوا ، وإنما حذف المعطوف عليه للإيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة لسليهم عما جرى ، وليعفرهم أن ما حصل لهم في هذه الواقعة فيه من المصالح ما لو عرفوه لسرهم .
لكن الإشكال في ظاهر قوله : ( وليعلم ) وظاهر ذلك يشي باكتساب العلم في حقه سبحانه . ومثل هذا الفهم باطل ، والصحيح ما قاله المتكلمون في هذا الصدد ، وهو أن الدلائل العقلية دلت على أنه تعالى يعلم الحوادث قبل وقوعها فثبت أن التغيير في العلم محال ، إلا أن إطلاق لفظ العلم على المعلوم ، والقدرة على المقدور مجاز مشهور . يقال : هذا علم فلان والمراد معلومه . وهذه قدرة فلان والمراد مقدوره ، فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم فالمراد تجدد المعلوم . إذا عرفت هذا فنقول : في هذه الآية وجوه :
أحدها : ليظهر الإخلاص من النفاق ، والمؤمن من الكافر ، والثاني : ليعلم أولياء الله ، فأضاف إلى نفسه تفخيما{[598]} .
الحقيقة الثانية : اتخاذ الشهداء . وهو مقتضى قوله تعالى : ( ويتخذ منكم شهداء ) أي يكرمكم بالشهادة ، وهذه درجة عالية وكريمة وبالغة في الرفعة والسمو يكتبها الله لفريق من الأبرار المجاهدين الذين يقتلون بسلاح العدو في معركة النضال والشرف وهم يذودون عن دين الله ويدرأون عن الإسلام والمسلمين كيد الأشرار والأعادي . أولئك هم الأعلون الذين بوأهم الله ذروة التكريم في الجنة .
والشهداء ، جمع ومفرده شهيد . وهو القتيل في سبيل الله . وفي تعليل هذه الاسم عدة وجوه : منها : أن ملائكة الرحمة تشهد مقتله .
ومنها : أن الله وملائكته يشهدون له بالجنة .
ومنها : أنه يوم القيامة يشهد على الأمم السابقة مع النبيين والصديقين .
ومنها : سقوطه على الشاهدة وهي الأرض وذلك عقيب إصابته بما يقتل .
ومنها : سمي شهيدا بمعنى حاضر فهو حي عند ربه لم يمت ، وبذلك فإن أرواح الشهداء حية وقد حضرت دار السلام أما رواح غيرهم فلا تشهدها{[599]} .
ثم قال بعد ذلك : ( والله لا يحب الظالمين ) أي المشركين ، وهذه الجملة اعتراض بين بعض التعليل وبعض . وتأويل ذلك أن الله لا يحب المشركين . وهم إن أنالهم الله من المؤمنين فإن ذلك لما فيه من حكم وفوائد . وإنما يحب الله عباده المؤمنين .