ولما حذروا من القول الذي من مدلوله{[20524]} المحاجة عن كثرة النساء ؛ كان ربما تعلق به من يبخل عن بعض الحقوق ، لاسيما ما{[20525]} يستكثره من الصداق ، فأتبعه ما{[20526]} ينفي ذلك ، فقال - مخاطباً للأزواج ، لأن السياق لهم ، معبراً بما يصلح للدفع والالتزام المهيىء له : { وآتوا النساء } أي عامة من اليتامى وغيرهن{[20527]} { صدقاتهن } ، وقوله مؤكداً للإيتاء بمصدر من معناه : { نحلة } مؤيد لذلك ، لأن معناها : عطية عن طيب نفس ؛ قال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه : وأصله - أي النحل : إعطاء الشيء لا يراد به عوض{[20528]} وكذا إن قلنا : معنى النحلة الديانة والملة والشرعة والمذهب ، أي آتوهن ذلك ديانة .
ولما وقع الأمر بذلك كان ربما أبى المتخلق{[20529]} بالإسلام قبول ما تسمح به المرأة منه بإبراء{[20530]} أو رد على سبيل الهبة - لظنه أن ذلك لا يجوز أو غير ذلك فقال : { فإن طبن لكم } أي متجاوزات { عن شيء } ووحّد الضمير ليرجع إلى الصداق المفهوم من الصدقات ، ولم يقل : منها ، لئلا يظن أن الموهوب لا يجوز إلا إن كان صداقاً كاملاً فقال{[20531]} : { منه } أي الصداق { نفساً } أي عن شهوة صادقة من غير إكراه{[20532]} ولا خديعة { فكلوه } أي تصرفوا فيه بكل تصرف يخصكم{[20533]} { هنيئاً } أي سائغاً صالحاً لذيذاً في عافية بلا مشقة ولا مضرة { مريئاً * } أي جيد المغبة{[20534]} بهجا ساراً ، لا تنغيص{[20535]} فيه{[20536]} ، وربما كان التبعيض{[20537]} ندباً إلى التعفف عن قبول الكل ، لأنه في الغالب لا يكون إلا عن خداع أو ضجر فربما أعقب الندم ، وهذا الكلام يدل أيضاً على تخصيص الأحرار دون العبيد ، لأنهم لا يملكون ماجعلته النساء لهم ليأكلوه هنيئاً . قال الأصبهاني : فإن وهبت له ثم طلبت منه بعد الهبة علم أنها لم تطب{[20538]} نفسها ، وعن الشعبي ان رجلاً أتى مع امرأته شريحاً في عطية أعطتها إياه وهي تطلب أن ترجع ، فقال شريح : رد عليها ، فقال الرجل{[20539]} : أليس قد قال الله تعالى : { فإن طبن لكم{[20540]} } [ النساء : 4 ] قال{[20541]} : لو طابت نفسها{[20542]} لما رجعت فيه ؛ وعنه قال{[20543]} : أقيلها{[20544]} فيما وهبت ولا أقيله ، لأنهن{[20545]} يخدعن .
قوله تعالى : ( وءاتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ) .
الصدقات مفردها صدُقة بضم الدال ، وهي المهر يعطي للمرأة حال الزواج ، {[691]} ونحلة بمعنى عطية أي أن الله هو الذي أعطى النساء مهورهن . وقيل : نحلة معناها عن طيب نفس وبغير نزاع . وقيل : نحلة تعني : فريضة واجبة . {[692]}
والمخاطب في هذه الآية موضع خلاف المفسرين . فثمة قول بأنهم الأزواج قد أمرهم الله بعطاء الزوجات مهورهن دون تردد أو شح . وفي قوله آخر : إنهم الأولياء وقد كلفهم الله ألا يأكلوا مهور البنات عند الزواج كالذي كان عليه الشأن في الجاهلية ، وقد أورد أهل البيان معنى لطيفا مأخوذا من نوعية الحروف التي تتألف منها كلمة الصداق وهي الصاد والدال والقاف . وقالوا : إن هذه الحروف تنطوي على الشدة والحزم وهي إنما يليق استعمالها في مجال العزم والقوة . وفي ذلك دلالة على أن مهر المرأة قد شددت الشريعة عل دفعه للمرأة بحزم من غير وناء أو لين . وتدل الآية على وجوب الصداق للمرأة عند الزواج بغير خلاف . فقد ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن أقل المهر عشرة دراهم . وقال الإمام مالك : إن أقله ربع دينار أو ثلاثة دراهم . وقال آخرون : إنه يصح أن يكون المهر عملا يؤديه الزوج لزوجته كأن يكون ذلك تعليما أو زراعة أرض . ويصح أن يكون المهر كذلك منفعة من المنافع التي تتقوم بالمال مثل سكنى الدار أو الانتفاع بالأرض .
وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا حد لأقل المهر ، وقالوا : إن كل ما يصلح أن يسمى مالا جاز أن يكون مهرا لقول النبي ( ص ) لأحد الخاطبين : " التمس ولو خاتما من حديد " {[693]} .
ويحل للأزواج أو الأولياء أن يأكلوا شيئا من المهر إن طابت به أنفس الزوجات وقدمنه بغير قسر أو إكراه أو استحياء . وقوله ( نفسا ) ، منصوب على التمييز .
وقوله : ( فكلوا هنيئا مريئا= ليس المقصود هنا صورة الأكل بالذات ، بل المراد هو استباحة الاستفادة والاستغلال بأي وجه من وجوه الانتفاع . وقد ذكر الأكل لوقوعه في الغالب .
( هنيئا مريئا ) كلاهما منصوب على الحال . والتقدير هو : فكلوه أكلاه هنيئا مريئا . والهنيء معناه الطيب الذي لم يأت بتعب أو مشقة . والمرئي السهل الذي لا ضرر فيه ولا أذى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.