ولما كان تعالى قد{[20343]} أجرى سنة الإلهية في أنه لا بد في التناسل من توسط{[20344]} النكاح إلا ما كان من آدم وحواء وعيسى عليهم الصلاة والسلام ، وكانوا قد أمروا بالعدل في أموال اليتامى ، وكانوا يلون{[20345]} أمور يتاماهم ، وكانوا ربما نكحوا من في حجورهم منهن ، فكان ربما أوقفهم هذا التحذير من أموالهم عن النكاح خوفاً من التقصير في حق من حقوقهن أتبعه تعالى عطفاً على ما تقديره : فإن وثقتم من أنفسكم{[20346]} بالعدل فخالطوهم بالنكاح وغيره : { وإن خفتم } فعبر بأداة الشك حثاً على الورع { ألا تقسطوا } أي تعدلوا { في اليتامى } ووثقتم من أنفسكم بالعدل في غيرهن { فانكحوا } .
ولما كانت النساء ناقصات عقلاً وديناً ، عبر عنهن بأداة ما لا يعقل إشارة إلى الرفق بهن والتجاوز عنهن فقال : { ما } ولما أفاد أنكحوا الإذن المتضمن للحل ، حمل الطيب على اللذيذ المنفك عن النهي السابق ليكون الكلام عاماً مخصوصاً بما يأتي من آية المحرمات من النساء - ولا يحمل الطيب على الحل لئلا يؤدي - مع كونه تكراراً - إلى أن يكون الكلام مجملاً - لأن الحل لم يتقدم علمه ، والحمل على العام المخصوص أولى ، لأنه حجة في غير محل التخصيص ، والمجمل{[20347]} ليس بحجة أصلاً - أفاده{[20348]} الإمام الرازي ؛ فقال تعالى : { طاب } أي زال عنه حرج النهي السابق ولذّ ، وأتبعه قيداً لا بد منه بقوله : { لكم } وصرح بما علم التزاماً فقال : { من النساء } أي من غيرهن { مثنى وثلاث ورباع } أي حال كون هذا المأذون في نكاحه{[20349]} موزَّعاً هكذا : ثنتين ثنتين وثلاثاً ثلاثاً وأربعاً أربعاً لكل واحد ، وهذا الحكم عرف من العطف بالواو ، ولو كان بأو لما أفاد التزوج إلا على أحد هذه الوجوه الثلاثة{[20350]} ، ولم يفد التخيير المفيد للجمع بينها على سبيل التوزيع ، وهذا دليل واضح على أن النساء أضعاف الرجال ، وروى البخاري في التفسير " عن عروة ابن الزبير أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن قوله{[20351]} تعالى : { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى } [ النساء : 3 ] ، فقالت : يا ابن أختي ! هذه اليتيمة تكون في حجر وليها ، تشركه في ماله ، ويعجبه مالها وجمالها ، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط{[20352]} في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها{[20353]} غيره ، فنهوا عن ذلك أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن أعلى سنتهن{[20354]} في الصداق ، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن قال عروة : قالت عائشة : وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية ، فأنزل الله عز وجل{ و{[20355]}يستفتونك في النساء }[ النساء : 127 ] قالت عائشة : وقول الله عز وجل في آية أخرى{ وترغبون أن تنكحوهن }[ النساء : 127 ] رغبة{[20356]} أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة {[20357]}المال والجمال ، قالت{[20358]} : فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النساء إلا بالقسط ، من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال " وفي رواية " في النكاح " ، فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها{[20359]} إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى في الصداق ؛ وهذا الخطاب للأحرار دون العبيد ، لأن العبد لا يستقل{[20360]} بنكاح{[20361]} ما طاب له ، بل لا بد من إذن السيد .
ولما كان النساء كالتيامى في الضعف قال مسبباً عن الإذن في النكاح : { فإن خفتم ألا تعدلوا } أي في الجمع{[20362]} { فواحدة } أي فانكحوها ، لأن الاقتصار عليها أقرب إلى العدل ، لأنه ليس معها من يقسم له فيجب العدل بينها وبينه ، ولما كان حسن العشرة المؤدي إلى العدل دائراً على اطراح النفس ، وكان الإماء - لكسرهن بالغربة وعدم الأهل - أقرب إلى حسن العشرة سوّى بين العدد منهن إلى غير نهاية وبين الواحدة من الحرائر فقيل : { أو ما } أي انكحوا ما { ملكت أيمانكم } فإنه لا قسم بينهن ، وذكر ملك اليمين يدل أيضاً على أن الخطاب من أوله خاص بالأحرار { ذلك } أي نكاح غير اليتامى والتقلل من الحرائر والاقتصار على الإماء { أدنى } أي أقرب{[20363]} إلى { ألا تعولوا * } أي{[20364]} تميلوا{[20365]} بالجور عن{[20366]} منهاج القسط وهو الوزن المستقيم ، أو تكثر{[20367]} عيالكم ، أما عند الواحدة فواضح ، وأما عند الإماء فالبعزل{[20368]} ، وعدم احتياج الرجل معهن لخادم له أو لهن ، والبيع لمن أراد منهن ، وأمرهن بالاكتساب ، أو تحتاجوا فتظلموا بعض النساء ، أو تأكلوا أموال التيامى ؛ وكل معنى من هذه راجع إلى لازم لمعنى{[20369]} المادة التي مدارها عليه ، لأن مادة " علا " {[20370]} - واوية بجميع تقاليبها الست : علو ، عول ، لوع ، لعو ، {[20371]}وعل ، ولع{[20372]} ؛ ويائية بتركيبيها : ليع{[20373]} ، عيل تدور على الارتفاع ، ويلزمه الزيادة والميل ، فمن{[20374]} الارتفاع : العلو والوعل والولع ، ومن الميل والزيادة : العول ، وبقية المادة يائيةً و{[20375]}واويةً إما للإزالة ، وإما لأحد هذه المعاني - على ما يأتي بيانه ؛ فعلا يعلو : ارتفع ، والعالية : {[20376]}الفتاة القويمة - لأنها تكون أرفع مما ساواها وهو معوج ، والعالية من محال الحجاز - لإشرافها على ما حولها ، وكذا العوالي - لقرى{[20377]} بظاهر المدينة الشريفة{[20378]} - لأنها في المكان العالي الذي يجري ماؤه إلى غيره ، والمعلاة : كسب الشرف ، ومقبرة{[20379]} مكة بالحجون - لأنها في أعلى مكة وماؤها يصوب إلى ما دونه ، وفلان من علية الناس ، أي أشرافهم ، والعلية بالتشديد : الغرفة ، وعلى حرف الاستعلاء{[20380]} ، وتعلت المرأة من نفاسها ، أي طهرت وشفيت - لأنها كانت في سفول من الحال ، والعلاوة : رأس الجبل وعنقه ، وما يحمل على البعير بين العدلين ، ومن كل شيء : ما زاد عليه ، والمعلى : القدح السابع{[20381]} من{[20382]} الميسر - لأنه الغاية في القداح الفائزة ، لأن القداح عشرة : السبعة الأولى منها فائزة ، والثلاثة الأخيرة مهملة لا أنصباء{[20383]} لها ، وعلوان الكتاب : عنوانه وارتفاعه على بقية الكتاب واضح ، والعليان : الطويل والضخم ، والناقة المشرفة ، ومن الأصوات : الجهيرة ، والعلاة : السندان ، والعلياء : رأس كل جبل مشرف ، والسماء ، والمكان العالي ، وكل ما علا من شيء ، وعليك زيداً : الزمه - لأنه يلزم من ملازمته له العلو على أمره ، وعلا النهار : ارتفع{[20384]} ، وعلا الدابة : ركبها ، وأعلى عنها : نزل - كأنه من الإزالة ، وكذا علَّى المتاع عن الدابة تعلية : أنزله ، وأعليت عن الوسادة وعاليت{[20385]} : ارتفعت وتنحيت{[20386]} ، ورجل عالي{[20387]} الكعب : شريف ، وعلَّى الكتاب{[20388]} تعلية : عنونه{[20389]} كعلونه{[20390]} ، وعالوا نعيه{[20391]} : أظهروه ، والعلي : الشديد{[20392]} القوي ، وعليون في السماء السابعة ، وأخذه علواً : عنوة ، والتعالي{[20393]} : الارتفاع ، إذا أمرت{[20394]} منه{[20395]} قلت{[20396]} : تعال - بفتح اللام ، ولها : تعالي . ولو كنت في موضع أسفل من موضع المأمور ، لأنه يحتاج إلى تطاول مهما{[20397]} كان{[20398]} بينك وبينه مسافة ، ولأن{[20399]} الآمر أعلى من المأمور رتبة فموضعه كذلك ، وتعلى{[20400]} : علا في مهلة{[20401]} ، والمعتلي{[20402]} : الأسد ؛ واللعو : السيء الخلق ، و{[20403]}الفسل ، والشره{[20404]} الحريص ، واللاعي : الذي يفزعه أدنى شيء ، إما{[20405]} لأنه وصل إلى الغاية في السفول فتسنم أعلاها حتى رضي لنفسه هذه الأخلاق{[20406]} ، وإما لأنه من باب الإزالة ، أو{[20407]} التسمية بالضد ، و{[20408]}ذئبة لعوة{[20409]} وامرأة لعوة{[20410]} ، أي حريصة ، واللعوة : السواد بين حلمتي الثدي ، إما لأن ذلك أعلاه ، وإما لعلو{[20411]} لون السواد على لون الثدي ، والألعاء : السلاميات ، والسلامى عظم يكون في فرسن البعير ، وعظام{[20412]} صغار في اليد والرجل ، وذلك لأن العظام أعلى ما في الجسد في القوة والشدة والصلابة ، وهي أعظم قوامه ؛ واللاعية : شجيرة{[20413]} في سفح الجبل ، لها نور أصفر ، ولها لبن ، وإذا{[20414]} ألقي منه شيء في غدير{[20415]} السمك أطفاها ، أي جعلها طافية أي عالية{[20416]} على وجه الماء ، سميت بذلك إما من باب الإزالة نظراً{[20417]} إلى محل بيتها{[20418]} ، وإما لأن ريحها يعلو كل ما خالطه ويكسبه طعمها ، وإما{[20419]} لفعلها هذا في السمك ، وتلعّى{[20420]} العسل : تعقّد وزناً ومعنى{[20421]} - إما من اللاعية لأنها كثيرة العقد ، وإما من لازم العلو : القوة والشدة ، ولعا لك - يقال عند العثرة ، أي أنعشك{[20422]} الله ؛ والعول : ارتفاع الحساب في الفرائض ، والعول : الميل ، وقدم تقدم أنه لازم للعلو ، والعول{[20423]} : كل أمر غلبك{[20424]} ، كأنه علا عنك فلم تقدر{[20425]} على نيله ، والمستعان به - لأنه لا يتوصل به إلى المقصود إلا وفيه علو ، وقوت العيال - لأنه سبب علوهم ، وعوّل{[20426]} عليه معولاً{[20427]} : اتكل واعتمد ، والاسم كعنب ، وعيّل ككيس{[20428]} ، وعال : جار{[20429]} والميزان : نقص أو زاد{[20430]} ، فالزيادة من الارتفاع ، والنقص من لازم الميل ، وعالت الفريضة : ارتفعت أي زادت سهامها فدخل النقصان على أهل الفرائض ، قال أبو عبيد{[20431]} : أظنه مأخوذاً{[20432]} من الميل ، وعال أمرهم : اشتد وتفاقم ، وعال فلان عولاً وعيالاً : كثر{[20433]} عياله ، كأعول وأعيل ، ورجل معيل ومعيّل{[20434]} ذو عيال ، وأعال الرجل وأعول - إذا حرص ، إما مما تقدم تخريجه ، وإما لأنه لازم لذي العيال ، وعال عليه : حمل ، أي رفع عليه الحمول كعول ، وفلان : حرص ، والفرس ، صوتت ، وأعولت المرأة : رفعت صوتها بالبكاء ، وعيل عوله{[20435]} : ثكلته أمه - لما يقع من صياحها ، وعيل ما هو عائله : غلب{[20436]} ما هو غالبه ، يضرب لمن يعجب من كلامه ونحوه لأنه{[20437]} لا يكون كذلك إلا وقد خرج عن أمثاله علواً ، وقد يكون بسفول ، فيكون من التسمية بالضد ، والعالة{[20438]} : النعامة لأنها أطول الطير ، وما له عال ولا مال : شيء لأن ذلك غاية في السفول إن كان عجزاً ، وفي العلو إن كان زهداً ، ويقال للعاثر : عالك عالياً .
كقولهم : لعا لك ، والمعول : حديدة تنفر{[20439]} بها الجبال - من القوة اللازمة للعلو{[20440]} ، والعالة ، شبه الظلة{[20441]} يستر بها من المطر{[20442]} ؛ واللوعة : حرقة{[20443]} توجد من الحزن أو{[20444]} الحب أو{[20445]} المرض أو الهم - لأنها تعلو الإنسان ، ولاعه الحب : أمرضه ، وأتان لاعة الفؤاد إلى جحشها - كأنها ولهى{[20446]} فزعاً ، ولاع يلاع : جزع أو مرض ورجل هاع{[20447]} لاع : جبان جزوع ، أو حريص ، أو سيىء الخلق - لما علاه من هذه{[20448]} الأخلاق المنافية للعقل وغلبه{[20449]} منها ، ولاعته{[20450]} الشمس : غيرت لونه واللاعة أيضاً : الحديدة{[20451]} الفؤاد الشهمة{[20452]} - {[20453]}لأنه يعلو غيره{[20454]} ، وامرأة لاعة : التي{[20455]} تغازلك ولا تمكنك{[20456]} - لما لها في ذلك من الغلبة والعلو على القلوب ؛ والوعل : تيس الجبل{[20457]} ، والشريف ، والملجأ ، والوعلة : الموضع المنيع من الجبل ، أو صخرة مشرفة منه ، وهم علينا وعل واحد : مجتمعون ، وما لك عن ذلك وعل ، أي بد - فإنه لولا علوه عليك ما اضطررت إليه ، والوعل : اسم شوال{[20458]} - كأنه لما له من العلو بالعيد والحج ، والوعل ككتف{[20459]} : اسم شعبان لما له من العلو بتوسطه بين رجب وشوال ، والوعلة{[20460]} أيضاً : عروة القميص والزير زره{[20461]} والقدح والإبريق الذي يعلق بها فيعلو ، ووعال كغراب : حصن باليمن ، والمستوعل - بفتح العين : حرز الوعل ، ووعل كوعد : أشرف ، وتوعلت الجبل{[20462]} : علوته ؛ وأولع فلان بكذا ، أو{[20463]} ولع بالكسر : استخف{[20464]} ، أي صار{[20465]} عالياً{[20466]} عليه غالباً له لإطاقته حمله ، وولع بحقه : ذهب ، وولع بالفتح - إذا كذب ، إما للإزالة وإما لأنه استخفه الكذب فحمله ، وولع والع - مبالغة ، أي كذب عظيم والمولع : الذي فيه لمع من ألوان - كأنه علا على تلك الألوان ، أو غلب تلك الألوان أصل لونه ، وعبارة القاموس : والتوليع : استطالة البلق ، يقال{[20467]} برذون وثور مولع - كمعظم ، والوليع : الطلع ما دام في قيقائه ، أي وعائه{[20468]} . وهو قشرة الطلع لعلوه{[20469]} ، وما أدري ما ولعه - بالفتح أي حبسه ، إما للإزالة ، لإنه لما منعه كان{[20470]} كأنه أزال علوه ، وإما لأنه علا عليه ، وأولعه به{[20471]} ، أي أغراه ، أي حمله عليه ؛ والعيلة{[20472]} : الحاجة ، وعال يعيل - إذا افتقر ، وذلك إما من الإزالة ، أو لأن الحاجة علته ، أو لأنها ميل ، وعالني الشيء : أعجزني ، وعيل صبري : قل وضعف{[20473]} أي علاه من الأمر ما أضعفه ، وعلت الضالة : لم أدر أين أبغيها ، والمعيل{[20474]} : الأسد والنمر والذئب - لأنه يعيل صيداً أي يلتمس ، فهو يرجع إلى العلو والقدرة على الطلب ، وعالني الشيء : أعوزني - إما أزال علوي ، أو علا عني ، وعال في {[20475]}مشيه{[20476]} : تمايل {[20477]}واختال وتبختر{[20478]} - لأنه لا يفعله إلا عال في نفسه مع أنه كله من الميل ، وعال في الأرض : ذهب أي علا عليها مشياً ، والذكر من الضباع{[20479]} عيلان ، والعيل محركة : عرضك حديثك وكلامك على من لا يريده{[20480]} وليس من شأنه - كأنه لم يهتد لمن يريده فعرضه على من لا يريده{[20481]} ، فهو يرجع إلى الحاجة المزيلة للعلو ؛ وليعة{[20482]} الجوع - بالفتح : حرقته - كما تقدم في اللوعة ، ولعت - بالكسر : ضجرت ، كأنه من الإزالة ، أو أن العلو للأمر المتضجر منه ، والملياع{[20483]} - بالكسر : السريعة العطش لأنها تعلو الإبل حينئذ سبقا{[20484]} إلى الماء أو لأن العطش علاها ، والملياع : التي تقدم الإبل سابقة ثم ترجع إليها ، وريح لياع{[20485]} - بالكسر : شديدة ، وقد وضح بذلك صحة ما {[20486]}فسر به{[20487]} إمامنا الشافعي صريحاً ومطابقة - كما تقدم ، وشهد له العول في الحساب والسهام ، وهو كثرتها ، وظهر تحامل من رد ذلك وقال : إنه لا يقال في كثرة العيال إلا : عال{[20488]} يعيل ، وكم من عائب{[20489]} قولا صحيحاً ! وكيف لا وهو من الأئمة المحتج بأقوالهم في اللغة ، وقد وافقه غيره وشهد لقوله الحديث الصحيح ؛ قال الإمام يحيى بن أبي الخير العمراني الشافعي في كتابه البيان : { ألا تعولوا{[20490]} } قال الشافعي : معناه أن لا تكثر{[20491]} عيالكم{[20492]} ومن تمونونه{[20493]} ، وقيل : إن أكثر السلف قالوا : المعنى أن لا تجوروا{[20494]} ، يقال : عال يعول - إذا جار ، عال يعيل - إذا كثر عياله ؛ إلا زيد بن أسلم فإنه قال : معناه أن لا تكثر عيالكم ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم يشهد لذلك ، قال :
" ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " انتهى .
وهذا الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما عن حكيم بن حزام عن أبي هريرة رضي الله عنهما بلفظ " أفضل الصدقة ما كان عن{[20495]} ظهر غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول " وفي الباب أيضاً عن عمران بن حصين وأبي رمية العلوي وأبي أمامة رضي الله عنهم ، وأثر زيد بن أسلم رواه الدارقطني والبيهقي من طريق سعيد بن أبي هلال عنه ، قال : " ذلك أدنى أن لا يكثر من يعولونه " أفاده{[20496]} شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي وقال الإمام : إن تفسير الشافعي هو تفسير الجماعة ، عبر عنه بالكناية{[20497]} وهي ذكر الكثرة ، وأراد{[20498]} الميل لكون الكثرة ، لا تنفك عنه ، وقال ابن الزبير : لما تضمنت سورة البقرة ابتداء الخلق وإيجاد آدم عليه الصلاة والسلام من غير أب ولا أم ، وأعقبت بسورة آل عمران لتضمنها – مع {[20499]}ما ذكر{[20500]} في صدرها - أمر عيسى عليه الصلاة والسلام ، وأنه كمثل آدم عليه الصلاة والسلام في عدم{[20501]} الافتقار إلى أب ، وعلم الموقنون من ذلك أنه تعالى لو شاء لكانت سنة فيمن بعد آدم عليه الصلاة والسلام ، فكأن سائر الحيوان{[20502]} لا يتوقف إلا على أم فقط ؛ أعلم سبحانه أن من عدا المذكورين عليهما الصلاة والسلام من ذرية آدم سبيلهم{[20503]} سبيل الأبوين فقال تعالى : { يا أيها الناس اتقوا ربكم } إلى قوله : { وبث منهما{[20504]} رجالاً كثيراً ونساء } ثم أعلم تعالى كيفية{[20505]} النكاح المجعول سبباً{[20506]} في التناسل وما يتعلق به ، وبين حكم الأرحام و{[20507]}المواريث فتضمنت السورة ابتداء الأمر وانتهاءه{[20508]} ، فأعلمنا بكيفية التناكح وصورة الاعتصام واحترام بعضنا{[20509]} لبعض وكيفية تناول الإصلاح فيما بين الزوجين عند التشاجر والشقاق ، وبين لنا ما ينكح وما أبيح من العدد وحكم من لم يجد الطول وما يتعلق بهذا إلى المواريث ، فصل ذلك كله إلا{[20510]} الطلاق .
لأن{[20511]} أحكامه تقدمت ، ولأن بناء هذه السورة على التواصل والائتلاف ورعي حقوق ذوي الأرحام وحفظ ذلك كله إلى حالة{[20512]} الموت المكتوب علينا ، وناسب هذا المقصود من{[20513]} التواصل والألفة ما افتتحت به السورة من قوله تعالى :{ الذي خلقكم من نفس واحدة }[ النساء : 1 ] ، فافتتحها بالالتئام والوصلة {[20514]}ولهذا خصت{[20515]} من حكم تشاجر الزوجين بالإعلام بصورة الإصلاح والمعدلة{[20516]} إبقاء لذلك التواصل{[20517]} فلم يكن الطلاق ليناسب هذا ، فلم يقع له هنا{[20518]} ذكر{[20519]} إلا إيماء{[20520]}{ وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته }[ النساء : 13 ] ولكثرة{[20521]} ما يعرض من رعي حظوظ النفوس عند الزوجية ومع القرابة - ويدق ذلك ويغمض{[20522]} - تكرر كثيراً في هذه السورة الأمر بالاتقاء ، وبه افتتحت{ اتقوا ربكم }[ النساء : 1 ] ، { واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام }[ النساء : 1 ] ، { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله }[ النساء : 131 ] ، ثم حذروا من حال من صمم{[20523]} على الكفر وحال اليهود والنصارى والمنافقين وذوي التقلب في الأديان بعد أذن اليقين ، وكل ذلك تأكيد لما أمروا به من الاتقاء ، والتحمت الآيات إلى الختم بالكلالة من المواريث المتقدمة - انتهى .
قوله تعالى : ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا ) .
سبب نزول هذه الآية أن عروة بن الزبير وهو ابن أسماء بنت أبي بكر الصديق قد سأل عائشة رضي الله عنها عن هذه الآية فقالت : يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليّها تشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها فيريد وليّها أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن{[687]} .
وعلى العموم فإن الآية من حيث سببها متعلقة بالخشية من الحيف يوقعه الوليّ على اليتيمة التي تكون في حجره فيما إذا رغب أن يتزوجها . فعليه إذ ذاك أن يعدل إلى من سواها من النساء تجنبا للظلم أن يقع على اليتيمة .
وقبل الحديث عن هذه الآية بالتفصيل فإنه ينبغي أن نعرض لحملة الحقد والتشويه المضلل التي يثيرها أعداء الإسلام في كل زمان ومكان حول تعدد الزوجات . وهي حملة عارمة خبيثة يثيرها خصوم الإسلام من المنافقين والكافرين ، يستوي في ذلك أن الحافز إلى مثل هذه الحملة هو الحقد المركوز في تلك الصدور أو الجهل المطبق الذي يركب رؤوس كثير من المضللين والواهمين والمخدوعين .
على أن الحكم من الناحية الشرعية هنا أن نصم بالكفر أو الردّة كل من يتطاول على الإسلام بما يلصق به شيئا من عيب أو نقيصة . فإن الإسلام هو دين الله وهو فوق كل العيوب والشبهات ، وأكمل من أن تناله نقائص أو قوادح .
أما تعدد الزوجات فهو حقيقة صريحة لا تقبل المواربة أو التأويل المتكلف . وهو كذلك إجراء إسلامي ممتاز يحسب للأمور والأحداث والظروف كل حساب . وليس الإسلام قاصرا عل أمة معينة ولا هو رهن بفترة من الزمان تمر كأي زمان . ولكن الإسلام دين البشرية مهما ازدادت أو انتشرت وهو كذلك دين الزمان كله إلى أن ينتهي الزمان كله . وعلى ذلك فإنه قمين بالإسلام أن تتحقق فيه كل عناصر الحيطة والتحسب لكافة الأحوال والملابسات فردية كانت أم جماعية كيلا يقف عاجزا عن مراعاة الظروف مهما امتدت أو الفطرة كيفما تباينت أو تفاوتت .
والإسلام بطبيعته دين وسط يقوم على الاعتدال والتوازن ويجانب التفريط أو المغالاة . فهو لا يفرض الزواج من واحدة فقط مهما تكن الظروف ، وهو لا يدع أمر النكاح بغير ضبط أو تحفظ ، فلا تفريط يحمل بواعث الضيق والتنطع والإحراج ، ولا إفراط أو مغالاة تسوق إلى الإسراف في تلفت وتسيب . بل إن الإسلام يقف من هذه المسألة الخطيرة خير موقف وينتهج أسلم أسلوب . فهو يدعو إلى الزواج أولا ويحذر من التبتّل والعزوبة . فإن كانت الحال عل السلامة والوئام بحيث يغمرها الرضى والطمأنينة والقناعة فبها ونعمت . أما إن كان ثمة ظروف ملحة تفرض شيئا من التعدد تحت اعتبارات شتى فلا مناص إذ ذاك من اللجوء إلى التعدد . وتلكم هي الاعتبارات أو بعضها :
أولها : المرض العضال يصيب الزوجة فيقعدها عن الالتزام بمهام الزوجية وفي مقدمتها المسيس . ولا يستطيع الزوج في حالة كهذه أن يطل مضطلعا بمشقة الاصطبار إلى زمن طويل حتى إنه يخشى عليه من التورط في أسباب العنت والانزلاق إذا ما سدت في وجهه سبل الزواج من أخرى .
ثانيها : العقم فقد تكون المرأة عقيما لا تلد . وفي ذلك من المضايقة والحرج ما لا يخفى إلا إذا أبيح للزوج أن ينكح أخرى عسى أن يرزق النسل . والإنسان مفطور على حب النسل ، وهو تظل تخالطه نسائم الشوق والحنين لأبناء وأحفاد تقرّ بهم عينه وتطمئن لهم نفسه . وعلى ذلك فإن من أشد ألوان المرارة التي تحيق بالنفس البشرية أن تسأم التشريع الذي يحرم عليها سببا يقود إلى النسل .
ثالثها : الحرب . وتلك حقيقة لا شك في وقوعها بين الحين والآخر . ذلك أن البشرية دائمة التطاحن والاقتتال المدمر . والشعوب والدول إذا ما اختلفت فإنها لا تتردد في اللجوء إلى أقسى السبل لفض المشكلات والخلافات ، وهي الحرب . وهي سبيل معلومة في العود على البشرية والمجتمعات بالقتل . ولا ريب أن يكون القتل في الرجال من أبرز مظاهر الحرب . الحرب التي تذهب بالرجال وتستبقي النساء لأنهن لطبيعتهن أقل اضطلاعا بواجب القتال . وفي ذلك بيان واضح في اختلال النسبة بين الرجال والنساء من حيث العدد ، فلا مناص عندئذ من معالجة الموقف بغير التعدد في الزواج ، وإلا وقعت مشكلات اجتماعية ونفسية خطيرة لسوف تفضي في الغالب إلى مفاسد وانحرافات .
رابعها : التباين بين الأفراد من حيث المطلب الغريزي . بمعنى أن ثمة تفاوتا متحققا بين الرجال في الرغبة . والناس في أمور الحياة كلها متفاوتون ، فهم متفاوتون من حيث أخلاقهم وأمزجتهم ، و من حيث طاقاتهم ومهاراتهم و من حيث قدراتهم العقلية والنفسية والروحية والبدنية ’ ومن حيث رغائبهم في المال أو البنين أو الطعام . وهم كذلك متفاوتون من حيث رغائبهم في شهوة الجنس . إذ يفترقون في هذا المجال لتتراوح النفوس والرغبات بين الفتور أو الاعتدال أو الشدة . وتلك هي سنة الله في الناس والخلائق أجمعين .
ومن جهة أخر فإن الإسلام دين صريح ومستبين ، يخاطب الإنسان عل نحو مكشوف وواضح وبغير مواربة أو ازورار . ذلك أن الإسلام يعترف للإنسان بما ركّب فيه من شهوات مركوزة فهو ( الإسلام ) يدعوه للأخذ بحظه من هذه الشهوات بعيد عن التحيل أو التدسس في الظلام . إن الإسلام بذلك يدعو بكل صراحة لا تعرف المجاملة أو التكلف إلى أن يمارس الإنسان الشهوة بالطريقة المشروعة الحلال من خلال التعاقد المشهود عل ملأ من الناس . أما أن تكون ممارسة الشهوة في غياهب الظلام وفي بطون المواخير حيث التلصص والخيانة وموات الضمير فذلك ما يأباه الإسلام ويعلن عليه الحرب والنكير . نقول ذلك ونحن نقف على حقائق مذهلة من أفاعيل الأفاكين دعاة التحرر الذين يعيبون على الإسلام صراحته النظيفة في التعدد مع أنهم مرتكسون في حمأة الأوساخ والقاذورات التي تتلطخ بها بيوت الدعارة والخنا ومواخير الفاحشة والرذيلة . وهذه هي الصورة التي يرتضيها المفسدون دعاة التحرر ويدعون لتطبيقها خيانة في الظلام وممارسة الرذيلة في خسة مخبوءة في أوكار الوحل والدنس . أما أن يتم ذلك بالتعاقد المشروع المشهود من خلال نكاح شرعي حلال فإن ذلك أمر مشين ومقبوح يعيبه المفسدون دعاة التحرر المبتذل ! ! إن هؤلاء لا يعارضون أن يقارف الرجل الشهوة مع عشرات النساء في المواخير وبيوت الدعارة ، أم أن يمارسها في زواج ثان مشروع ومحسوب فذلك تأخر ورجعية كما يتصور الأفاكون المضللون ! !
ثم متى يقع الحيف على الزوجة الثانية الجائية من جراء التعدد في الزواج ؟ إنه لم يوقع أحد عليها حيفا ؛ لأنها ارتضت الزواج بنفسها من غير قسر أو إكراه . ولو أن شيئا من القسر أو الإكراه قد وقع عليها حين الزواج لجاز أن تعتبر محيفة لكنها هي التي ارتضت لنفسها ذلك بمحض رغبتها ومطلق إرادتها .
أما الزوجة الأولى التي قد جيء إليها بضرة فإنها ليس لها أن ترفض حقا لزوجها لتحرمه من التمتع به تحت مختلف الأحوال والظروف كما بينا آنفا . لكنها إن وقع عليها حيف بسبب هذا الزواج وكان الحيف حقيقيا وخطيرا ومتعمدا من الزوج نفسه بحيث يترتب عليها من ذلك ضرر كيفما كان ، فإن لها أن ترفع الأمر إل القضاء . وشأن القاضي في ذلك أن يرفع عنها الضرر حتى ولو أد ذلك إلى التطليق .
بعد هذا الكلام لا نتصور أن حيفا أو ضررا حقيقيا يقع على إحدى الزوجتين . ولو أن شيئا من ذلك وقع فإنه لا يساوي حيفا أو ضررا يحيق بالرجل من جرّاء إكراه على الاكتفاء بواحدة مهما تكن الظروف . لا جرم أن إكراهه في ذلك مدعاة لكثير من احتمالات الجنوح وفساد النفس والأعصاب .
ولا نتصور كذلك أن مثل هذه الشبهة غير اجترار تلغط به حناجر الذين يكرهون الإسلام لدوافع شتى منها الحقد أو الحسد ، ومنها التقليد في نعيق سفيه أعمى للأجانب من شرقيين ملاحدة أو غربيين صليبيين واستعماريين وجميعهم يلتقون على صعيد الحقد والكراهية للإسلام والمسلمين .
قوله : ( فأنكحوا ما طاب لكم من النساء ) قد يرض سؤال هنا : كيف جاءت " ما " للادميين مع أنها تستعمل لغير العاقل . فقد قيل في ذلك عدة أقوال لعل خيرها أن " من " و " ما " قد يتعاقبان . ومثل ذلك قول الله سبحانه : ( والسماء وما بناها ) أي ومن بناها . وقوله أيضا : ( فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي عل رجلين ومنهم من يمشي على أربع ) . وعلى ذلك فإن هذين الاسمين يتعاقبان وقيل : ( ما ) هنا للصفة أي انكحوا الطيب من النساء أي الحلال والأمر في قوله : ( فأنكحوا ) للإباحة لا للوجوب على الأرجح . أي أن الله جلت قدرته قد أباح للمؤمنين الزواج ممن يحل من النساء . فقد اكتفى بذكر من يجوز نكاحها ؛ لأن المحرمات من النساء كثير .
قوله : ( مثنى وثلاث ورباع ) إعراب كل من هذه الأعداد النصب على البدل من الاسم الموصول " ما " وكل من هذه الأعداد نكرة لا تنصرف ؛ لأنها معدولة من لفظها . بمعنى أم مثنى معدولة عن اثنين ، وثلاث معدولة عن ثلاثة ، ورباع معدولة عن أربعة . {[688]} وتعني الآية إباحة التعدد بالخيار من الواحدة حتى الرابعة دون زيادة . وأي زواج من خامسة مع وجود أربع زوجات فهو باطل غير معتبر ولا مشروع . ولا يدل هذا العدد الوارد في الآية وهو المثنى والثلاث والرباع على إباحة تسع زوجات بزعم أن الواو تفيد الجمع . فإن هذا الفهم فاسد ؛ لمجانبته للظاهر المحكم من الكتاب والسنة ولمخالفته لما أجمع عليه سلف الأمة وخلفها مثلما هو مخالف للسان العرب . فالعرب لا تقول اثنين وثلاث وأربعة بدلا من قولها تسعة . وثمة فهم خر أشد قبحا ونكرا تمسك به بعض الروافض فقالوا بإباحة الجمع بين ثماني عشرة زوجة قائلين : إن العدد في هذه الألفاظ يفيد التكرار وأن الواو للجمع . فمثن تعني اثنين اثنين . وثلاث تعني ثلاثة ثلاثة . فأفاد ذلك إباحة الزواج من ثماني عشرة زوجة معا . وذلك مناف للشريعة واللغة في آن واحد .
وعلى ذلك فإن التحديد بأربع زوجات للإباحة أمر لا يقبل الجدال . وفي ذلك قد أخرج الإمام مالك في الموطأ وكذلك النسائي والدارقطني في سننهما أن النبي ( ص ) قال لغيلان بن أمية الثقفي بعد أن أسلم وله من الزوجات عشر نسوة : " اختر منهن أربعا وفارق سائرهن " .
وأخرج أبو داود في سننه عن الحارث بن قيس قال : أسلمت وعندي ثماني نسوة فذكرت ذلك للنبي ( ص ) فقال : " اختر منهن أربعا " .
أما ما أبيح للنبي ( ص ) فوق أربع فإن ذلك من خصوصياته وذلك أمر مبني على بواعث وأسباب فرضتها اعتبارات شتى من التشريع الذي يتعلق بهدم لمفاهيم وتصورات جاهلية ، أو التحبب لمختلف بطون العرب ورجالاتهم ذوي الصولة والمكانة ، أو الحدب على المضيعات من النساء المسلمات اللواتي انقطعت بهن الأسباب بعد ممات أزواجهن فتعرضن للفتنة والضياع وغير ذلك من الاعتبارات التي تحركها المصلحة العليا للدعوة الإسلامية .
وبذلك فإن الاحتجاج بزواج النبي من تسع لا يصلح دليلا في هذا المجال . أما قولهم بأن الواو جامعة فإن ذلك مخالف لقواعد اللسان العربي السليم . فالله سبحانه قد خاطب العرب بأفصح اللغات ولا يعقل أن تقول العرب اثنين وثلاثة وأربعة ولا تقول تسعة . والصحيح أن الواو في هذا الموضع تعني البدل فيكون المعنى : انكحوا ثلاث بدلا من مثنى ، ورباع بدلا من ثلاث .
وكذلك قولهم بأن العدل يفيد التكرار تنفيه أبسط أساليب اللغة . فالعرب لا تقول أربعة ستة ثمانية بدلا من قولها ثماني عشرة .
وقوله : ( فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ) واحدة منصوب بإضمار فعل تقديره : انكحوا واحدة . ذلك يعني أنكم إن خشيتم عدم العدل بين الزوجات من حيث النفقة والقسم والعشرة والجماع ( فواحدة ) أي ينبغي الوقوف عند واحدة دون غيرها ؛ كيلا يكون في التعدد حيف أو مجانبة للعدل . وقرئت واحدة بالرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف . والتقدير : فهي واحدة . {[689]}
وقوله : ( أو ما ملكت أيمناكم ) يريد بذلك الإماء . أي يجب الاكتفاء بواحدة أو ما تيسر من الإماء وهن ملك اليمين . ويجدر بنا أن نقف هنا وقفة لنبيّن مسألة ظالما خاض فيها المبطلون والجاحدون ليثيروا حول الإسلام الظنون والشبهات ، وليبعثوا في نفوس المسلمين كل ظواهر الشك والوهن .
أما الإماء أو ملك اليمين أو الجواري فإن ذلك كله ناشئ عن موضوع رئيس قد استغله الخصوم أبشع استغلال وذلك هو نظام الرق . ومن الحقيقة المغمورة التي تخف على كثير من الناس أن الإسلام قد عالج مسألة الرقيق على خير ما يكون عليه العلاج ، عل نحو يستأصل هذا النظام من أساسه لو قدر للإسلام أن يظل مهيمنا على الحياة ومؤثرا في المجتمع من غير إعاقة ولا تعثير .
وحقيقة المسألة أن نظام الرق كان متفشيا في العالم كله في غير ما غرابة أو استقباح . فقد كان من الأمور العادية تماما أن ينتشر الرقيق والإماء في كل مكان ، سواء كان ذلك في البيت أو الحقل أو دوائر الدولة . حتى يمكن القول بأن هذا النظام كان يمثل الدعامة الأساسية التي يستند إليها النظام الاقتصادي والاجتماعي لدى المجتمعات في الأزمنة الخالية . لقد كان نظام الرق مشروعا ومعتبرا لدى جميع النظم والشرائع والأديان التي سبقت الإسلام . فلم تنكره التوراة ولا الإنجيل ولا شريعة حمورابي ولا مذهب كونفوشيوس ولا فلسفة الإغريق وعلى رأسهم أرسطو وأفلاطون لم يستنكر هؤلاء نظام الرقيق ، بل العكس هو الذي كان واقعا . فلقد كان نظام الرقيق يحظى بتقدير وإقرار العلماء والفلاسفة والمشرعين في الأزمنة الخالية جميعها . وهنا يأتي دور الإسلام في المسألة . فقد جيء بالإسلام إلى هذه الدنيا وهي على حالها من تفشي ظاهرة العبيد في كل مجالات الحياة . ومن العسير البالغ أن يعمد الإسلام لتحريم الرق طفرة واحدة من غير توطئة ولا مقدمات . ولو عمد الإسلام لهذا التحريم أول مقدمه لكان في ذلك مدعاة لانهيار اجتماعي ونفسي مرير لا يطاق . لكن الإسلام وهو يعالج مسألة الرق قد سلك في ذلك سبيلين يؤديان إلى زوال هذا النظام بالكامل ثم الخلاص نهائيا من الرق وما يتعلق به من توابع وذيول .
وهي تبديد أسباب الرق للقضاء على كل مظاهره ووجوده . وفي ذلك استئصال لمنابع هذا النظام من جذوره بإبادة كل مقدماته ودواعيه التي تؤول إليه . يتبين ذلك في تحريم أسباب الرق كتحريم الإسلام للظلم والاستعباد بغير حق أو إيجاب الانتظار من الدائن للمدين حتى المسيرة فلا يسترقه مقابل دينه الذي يعجز عن أدائه . قال سبحانه : ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إل ميسرة ) . وكان من عادة العرب الجاهلين إذا استقرض منهم الفقير مالا ولم يستطع أن يؤديه عند حلول أجله ، استرقه الدائن في مقابل دينه . لكن ذلك في الإسلام محظور البتة وعلى الدائن أن ينتظر حتى ميسرة المدين .
وعلى هذا فإن نظام الرق لا يلبث أن يتبدد ويتلاش مع مرور الزمن مادامت أسبابه وبواعثه قد أوقفت ، أو مادامت أبوابه التي تؤدي إليه قد أوصدت ، نتصور ذلك ونحن نتخيل نهرا كبيرا جاريا له روافد عديدة تمده بالأمواه من كل مكان حتى إذا تلاقت جميعا تمخضت عن نهر كبير جار . ولا سبيل إلى تجفيف هذا النهر الكبير إلا إذا عولنا عل تجفيف روافده وأسبابه . وتلك هي الحال بالنسبة للرق الذي كانت له دواع ومؤديات كثيرة قد عمد الإسلام من أول يوم لإيقافها وتحريمها كيما يتسنى لهذا النظام أن يتلاش ويضمحل .
وهي التحرير أي تحرير الرقاب المسترقة من إسار العبودية إلى حيث الانعتاق والحرية . وللإسلام في ذلك دوره العظيم فيما يتعلق بتحرير الرقيق نهائيا . وقد تجلى ذلك في دعوة الإسلام من أجل إعتاق العبيد حتى أقبل المسلمون جميعا في همة عظيمة ونخوة لا يحدها حد من أجل إعتاق العبيد لا لمطمع مادي أو دنيوي بل ابتغاء وجه الله ومرضاته .
وقد شرع الإسلام من أجل ذلك حكمين . أحدهما يفيد الوجوب المفروض وثانيهما يفيد المندوب المستحب ، وفي كلا الحكمين يكون المعتق مأجورا و له من ربه كبير المثوبة . أما حكم الوجوب المفروض فهو منتشر في جوانب شتى من السلوك والتصرفات التي تتعلق بمخالفات يرتكبها الناس في حياتهم كلما زلوا أو أخطأوا .
ومن جملة ذلك القتل الخطأ والحنث باليمين والظهار والجماع حال الصيام وغير ذلك من المخالفات . فإن من يجترح شيئا من ذلك فقد بات لزاما عليه أن يعتق رقبة .
أما حكم المندوب المستحب فهو ينتشر في كل جوانب الحياة بغير حدود . وهو حكم لا يتجاوز حد الندب والاستحباب وقد أهاب الإسلام بالمسلمين جميعا أن يسخوا في همة وتضحية في العتق . لقد هتف الإسلام بالمسلمين هتافا حانيا مؤثرا يخاطب الحس والوجدان ، وينفذ إلى القلب في صميمه كيما يسارعوا في نخوة عارمة لا تتردد من أجل تحرير العبيد . وقد استجاب المسلمون في مختلف الأزمنة والأمكنة لنداء الإسلام بالتحرير حتى كان الناس يتسابقون في سخاء وشهامة رفيعة على الإعتاق عن طيب خاطر . فكانت ظاهرة العتق للعبيد مثار اهتمام المسلمين واستباقهم المتزاحم على التحرير .
بمثل هذا التشريع يتبدد نظام الرق ويذوي ليتلاش رويدا رويدا . وتبعا لذلك فلسوف تنتهي مسألة الإماء أو الجواري . وهي مسألة لصيقة بنظام الرق أصلا . وليس بعد ذلك لمتحذلق مغرض أن يطعن في الإسلام طعنا يصمه بالكفر أو الردة ولا يجترئ على مثل هذا الطعن الغادر إلا معتد خصيم أو جاهل يلغط في نعيق كنعيق الغربان .
إن الإسلام فوق كل شبهة ، وهو يسمو على الطعون لو قدّر لبني ادم أن يقفوا عل هذا الدين في تشريعه وتصوره وفكره . وأن يعوه في تدبر وتبصر بعيدا عن التعصب والحقد والجهل .
وقوله : ( ذلك أدنى ألا تعولوا ) تعولوا من العول وهو الميل والجور والمعنى : أن الاكتفاء بواحدة أو ما ملكت أيمانكم أقرب إلى أن لا تميلوا عن الحق والعدل فتحيفوا وتظلموا . نقول : عال الميزان عولا إذا مال . وعال الحاكم في حكمه إذا جار . وقيل : تعولوا من العيلة وهي الفقر . مصدر عال يعيل فهو عائل أي فقير ، والجمع عالة . وقال الإمام الشافعي في تأويل ( ألا تعولوا ) : ألا تكثر عيالكم{[690]} .