نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱبۡتَلُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَآ إِسۡرَافٗا وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا} (6)

ولما نهى عن ذلك البذل للسفهاء أيتاماً كانا أو{[20566]} غيرهم ، بين{[20567]} أنه ليس دائماً بل ما{[20568]} دام السفه قائماً{[20569]} ، فمست الحاجة إلى التعريف بمن يعطي ومن يمنع وكيف عند الدفع ، ولما كان السفه أمراً باطناً لا يعرف إلا بالتصرف ولا سيما في المال ؛ بدأ{[20570]} سبحانه بتعليم ما يتوصلون به إلى معرفته فقال مصرحاً بالأيتام اهتماماً بأمرهم : { وابتلوا اليتامى } أي اختبروهم في أمر الرشد في الدين والمال في مدة مراهقتهم واجعلوا ذلك دأبكم { حتى إذا بلغوا النكاح } أي وقت الحاجة إليه بالاحتلام أو{[20571]} السن { فإن آنستم } أي علمتم علماً{[20572]} أنتم في عظيم تيقنه كأنكم تبصرونه{[20573]} على وجه تحبونه وتطيب أنفسكم به { منهم } أي عند بلوغه { رشداً } أي بذلك التصرف ، ونكره لأن وجود كمال الرشد في أحد يعز وقوعه { فادفعوا إليهم أموالهم } أي لزوال الحاجة إلى الحجر بخوف التبذير ، وأضافها إليهم بعد إضافتها أولاً إلى المعطين إشارة إلى أنه لا يستحقها إلا من يحسن{[20574]} التصرف فيها .

ولما كان الإنسان مجبولاً على نقائص منها الطمع وعدم الشبع لا سيما إذا خالط ، لا سيما إن حصل له إذن ما{[20575]} ؛ أدبه سبحانه بقوله : { ولا تأكلوها } أي بعلة استحقاقكم لذلك بالعمل فيها { إسرافاً } أي مسرفين بالخروج عن القصد في التصرف ووضع الشيء في غير موضعه وإغفال العدل والشفقة { وبداراً } أي مبادرين { أن يكبروا } أي فيأخذوها منكم عند {[20576]}كبرهم فيفوتكم{[20577]} الانتفاع بها ، وكأنه عطف بالواو الدالة على تمكن الوصف وتمامه إشارة إلى عدم المؤاخذة بما يعجز عنه الإنسان المجبول على النقصان مما يجري في الأفعال مجرى الوسوسة في الأقوال

" ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه " .

ولما أشعر النهي عن أكل الكل بأن لهم في الأكل في الجملة علة مقبولة ، أفصح به في قوله : { ومن كان } أي منكم{[20578]} أيها الأولياء { غنياً فليستعفف } أي يطلب العفة ويوجدها{[20579]} ويظهرها عن الأكل منها جملة ، فيعف{[20580]} عنه بما بسط الله له{[20581]} {[20582]}من رزقه{[20583]} { ومن كان فقيراً } وهو يتعهد مال اليتيم لإصلاحه{[20584]} ، ولما كان يخشى من امتناعه من الأكل منه التفريط فيه بالاشتغال بما يهمه في نفسه ، أخرج الكلام في صيغة الأمر فقال معبراً بالأكل لأنه معظم المقصود : { فليأكل بالمعروف } أي بقدر{[20585]} أجرة{[20586]} سعيه .

ولما كان ذلك ربما أفهم{[20587]} الأمان{[20588]} إلى الرشد{[20589]} بكل اعتبار ، أمر بالحزم - كما في الطبراني{[20590]} الأوسط عن أنس " احترسوا من الناس{[20591]} بسوء الظن " - فقال : { فإذا دفعتم إليهم } أي اليتامى { أموالهم } أي التي كانت تحت أيديكم لعجزهم{[20592]} عن حفظها { فأشهدوا عليهم } أي احتياطاً{[20593]} لأن الأحوال تتبدل ، والرشد يتفاوت ، فالإشهاد أقطع للشر{[20594]} ، وأنفع في كل أمر ، والأمر بالإشهاد أزجر للولي عن الخيانة ، لأن من عرف أنه لا يقبل عند الخصام إلا ببينة{[20595]} عف غاية العفة ، واحترز غاية الاحتراز .

ولما كانت الأموال مظنة لميل النفوس ، وكان الحب{[20596]} للشيء{[20597]} يعمي ويصم ؛ ختم الآية بقوله : { وكفى بالله } أي الذي له الحكمة البالغة والقدرة الباهرة والعظمة التي لا مثل لها ، والباء في مثل هذا تأكيد لأن ما قرنت به هو الفاعل حقيقة لا مجازاً - كما إذا أمرنا{[20598]} بالفعل مثلاً { حسيباً * } أي محاسباً بليغاً في الحساب ، فهو أبلغ تحذيراً{[20599]} لهم وللأيتام من الخيانة والتعدي ومدّ العين إلى حق الغير .


[20566]:في ظ: الواجبة ـ كذا.
[20567]:في ظ "و".
[20568]:سقط من ظ.
[20569]:من مد، وفي الأصل وظ: لما. زيد من ظ ومد.
[20570]:من مد، وفي الأصل وظ: أبدا.
[20571]:في ظ "و".
[20572]:زيد من ظ ومد.
[20573]:في ظ: تتغيرونه.
[20574]:من مد، وفي الأصل: حسن، وفي ظ: أحسن.
[20575]:في ظ: بما.
[20576]:من مد، وفي الأصل: كبركم فيوفونكم، وفي ظ: كبركم فيوفوكم.
[20577]:من مد، وفي الأصل: كبركم فيوفونكم، وفي ظ: كبركم فيوفوكم.
[20578]:سقط من ظ.
[20579]:في ظ: يوجد.
[20580]:من مد، وفي الأصل وظ: فيفعا ـ كذا.
[20581]:سقط من ظ.
[20582]:من ظ ومد، وفي الأصل: رزقه من.
[20583]:من ظ ومد، وفي الأصل: رزقه من.
[20584]:من ظ ومد، وفي الأصل: لإخلاصه.
[20585]:من ظ ومد، وفي الأصل: يقد ـ كذا.
[20586]:في ظ: أجر.
[20587]:من ظ ومد، وفي الأصل: فهم.
[20588]:في ظ: الإيمان.
[20589]:في ظ ومد: الرشيد.
[20590]:من ظ ومد، وفي الأصل: الطيرفي ـ كذا.
[20591]:في ظ: التباس.
[20592]:في ظ: لعجزكم.
[20593]:من ظ ومد، وفي الأصل: احتياجا.
[20594]:من ظ ومد، وفي الأصل: للسر.
[20595]:من ظ ومد، وفي الأصل: بينة.
[20596]:زيد من ظ ومد.
[20597]:من ظ ومد، وفي الأصل: الشي.
[20598]:في ظ ومد: أمر.
[20599]:في ظ: تحذير.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱبۡتَلُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَآ إِسۡرَافٗا وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا} (6)

قوله تعالى : ( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا ) .

نزلت هذه الآية في ثابت بن رفاعة وفي عمه . فقد توفي رفاعة وترك ابنه صغيرا من بعده فأتى عم ثابت إلى النبي ( ص ) وقال : إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله ، ومتى أدفع إليه ماله ؟ فنزلت الآية{[695]} .

قوله : ( وابتلوا اليتامى ) أي امتحنوهم واختبروهم لتعلموا نجابتهم ومعرفتهم بالسعي في مصالحهم وضبط أموالهم ، ويكون ذلك عقب بلوغهم النكاح أي البلوغ أو الحلم .

قوله : ( فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ) الرشد معناه : الصلاح وإصابة الصواب ، وهو خلاف الغي والضلال والمراد به هنا : الصلاح في العقل والدين وحفظ المال{[696]} أي إن أبصرتم وأحسستم منهم صلاحا في العقل والدين وحفظ المال ولم تخشوا منهم تفريطا في المال وتبديدا فأعطوهم أموالهم التي كانت لهم بحوزتكم وتحت رعايتكم .

ويؤخذ من هذه الآية أن دفع المال لليتيم إنما يكون بشرطين هما : إيناس الرشد ثم البلوغ . فإن وجد أحدهما دون الآخر لم يجز تسليم المال إليه . وذلك الذي عليه جمهور الفقهاء . لكن أبا حنيفة قد أسقط إيناس الرشد ببلوغ خمس وعشرين سنة . فإنه لو بلغ اليتيم خمسا وعشرين سنة وجب دفع المال إليه ولو لم يكن راشدا . وقد علّل أبو حنيفة ذلك بأنه ( الموصى عليه ) في مثل هذه السن يصبح جدا ولا يعقل أن يحجر على الجد . والراجح عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من بقاء الحجر عليه مادام غير راشد بالغا من السن ما بلغ . وذلك ما يقتضيه ظاهر الآية ( رشدا ) فلا معنى لدفع المال إليه ما دام مفرطا في المال ، وغير صالح في التصرف ؟

واختلف الفقهاء في لزوم الرفع إلى السلطان عند دفع المال إلى اليتيم أم أن ذلك موكول إلى اجتهاد الوصيّ فسه من غير حاجة إلى إبلاغ السلطان . فقد ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الرفع إلى السلطان ليثبت عنده رشد اليتيم ثم يدفع إليه ماله . وقال آخرون : إنه يكفي في ذلك اجتهاد الوصي ومعرفته بحال اليتيم إن كان قد بلغ الرشد أو لم يبلغ .

ولو أن الوصيّ سلّم اليتيم ماله بعد الرشد ثم عاد إليه السفه لتبذير أو سوء تدبير أو غيره فعل يعود إليه الحجر في ماله ؟ قال مالك والشافعي في أحد قوليه بعودة الحجر . وقال أبو حنيفة : لا يعود إليه الحجر لمجرد بلوغه عاقلا وذلك بدليل صحة إقراراه في الحدود والقصاص . واستبدال مالك والشافعي على عودة الحجر بقوله تعالى : ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ) وهذا هو الراجح والله أعلم{[697]} .

وقد ورد في بيان كلمة ( بالمعروف ) أقوال عديدة نقتصر منها على اثنين . فقال قوم : المقصود بالمعروف هو القرض يأخذه الوصي من مال اليتيم إذا احتاج إليه حتى إذا أيسر قضه إياه . وهو قول كثير من أهل العلم منهم عمر بن الخطب وعبد الله بن عباس والأوزاعي وغيرهم . أما القول الثاني : فلا قضاء على الوصيّ الفقير فيما يأكل بالمعروف ؛ لأن ذلك في مقابل حرصه وانشغاله بالعناية والاهتمام بمال المحجور . وهي طعمة من الله له . وقدر المعروف هنا أن يأكل ما يسد جوعته ويكتسي بما يستر عورته ولا يلبس الرفيع الفاخر من الحلل وغير ذلك . وذلك هو قول جمهور الفقهاء . وهو الراجح ، والدليل على صحة ذلك إجماع الأمة على أن الإمام الناظر لشؤون المسلمين لا يجب عليه دين عوضا عما أكل بالمعروف من أموال المسلمين .

قوله : ( فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا ) إذا دفع الوصيّ مال اليتيم إليه بعد البلوغ والرشد فعليه الإشهاد على ذلك وهو من قبيل التثبت وإزالة الشبهة والتهمة . وهذا الإشهاد مستحب عند فريق من أهل العلم . وقال آخرون : بل انه فرض لظاهر الآية والله أعلم .

والتعقيب المناسب في الآية أن يخوف الله عباده الأوصياء فلا يميلوا أو يقصروا ، فإنه سبحانه يجازيهم على أفعالهم أو ما تكنه صدورهم وكفى به محاسبا ومجازيا{[698]} .


[695]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 95.
[696]:- المصباح المنير جـ 1 ص 243 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 453 وتفسير النسفي جـ 1 ص 208 وتفسير القرطبي جـ 5 ص 37-40.
[697]:- البدائع للكساني جـ 7 ص 171 والمجموع جـ 13 ص 377 والمغني جـ 4 ص 518 وبلغة السالك على شرح الدردير جـ 2 ص 140.
[698]:- الكشاف للزمخشري جـ 1 ص 502 وتفسير الرزي جـ 9 ص 197 -199.