ولما كانوا قد سألوا عند نزول الآية عما من شأن الأنفس الصالحة الناظرة للورع المتحرك{[27604]} للسؤال عنه ، وهو من مات منهم وهو يفعلهما ، قال جواباً لذلك السؤال : { ليس على الذين آمنوا وعملوا } أي تصديقاً لإيمانهم { الصالحات جناح } فبين سبحانه أن هذا السؤال غير وارد لأنهم لم يكونوا منعوا منهما ، وكانوا مؤمنين عاملين للصالحات متقين{[27605]} لما يسخط الرب من المحرمات ، وقد بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " حرمت الخمر ثلاث مرات : قدم{[27606]} رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر ، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم{[27607]} عن ذلك{[27608]} ، فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم{[27609]} { يسئلونك عن الخمر والميسر } [ البقرة : 219 ] ، فقال الناس : لم يحرم{[27610]} علينا ، إنما قال :{[27611]} إن فيهما إثماً{[27612]} ، وكانوا يشربون الخمر حتى إذا{[27613]} كان يوم{[27614]} من الأيام صلى رجل من المهاجرين المغرب فخلط في قراءته ، فأنزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } [ النساء : 43 ] فكانوا يشربونها حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق ، فنزلت { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر{[27615]} والأنصاب والأزلام{[27616]} } [ المائدة : 90 ] ، فقالوا : انتهينا يا رب ! وقال الناس : يا رسول الله ! ناس قتلوا في سبيل الله أو{[27617]} ماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر وقد جعله الله رجساً من عمل الشيطان ! فأنزل الله { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح } [ المائدة : 93 ] ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم{[27618]} " ولا يضر كونه من رواية أبي معشر وهو ضعيف لأنه موافق لقواعد الدين ، وروى الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال : " كنت ساقي{[27619]} القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة رضي الله عنه وما شرابهم إلا الفضيخ :{[27620]} البسر والتمر ، وإذا منادٍ ينادي : ألا ! إن الخمر قد حرمت{[27621]} ، فقال لي{[27622]} أبو طلحة رضي الله عنه : اخرج فاهرقها ، فهرقتها{[27623]} ، فقال بعض القوم : قد قتل{[27624]} فلان وفلان{[27625]} وهي في بطونهم ؟ فأنزل الله تعالى { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح } على أنه لو لم يرد هذا السببُ كانت المناسبة حاصلة ، وذلك أنه تعالى لما أباح الطيب من المأكل وحرم الخبيث من المشرب ، نفى الجناح عمن يأكل ما أذن فيه أو يشرب{[27626]} عدا ما حرمه . فأتى بعبارة تعم المأكل والمشرب فقال : { فيما طعموا } أي مأكلاً كان أو مشرباً ، وشرط ذلك عليهم بالتقوى ليخرج المحرمات فقال : { إذا ما اتقوا } أي أوقعوا جميع التقوى التي تطلب منهم فلم يطعموا محرماً .
ولما بدأ بالتقوى وهي خوف الله الحامل على البعد عن المحرمات ، ذكر أساسها الذي لا تقبل{[27627]} إلا به فقال : { وآمنوا } ولما ذكر الإقرار باللسان{[27628]} ، ذكر مصداقه فقال : { وعملوا } أي بما أداهم إليه اجتهادهم بالعلم{[27629]} لا اتفاقاً{[27630]} { الصالحات ثم اتقوا } أي فاجتنبوا ما جدد عليهم تحريمه { وآمنوا } أي بأنه من عند الله ، وأن الله له أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ، وهكذا كلما تكرر تحريم شيء كانوا يلابسونه .
ولما كان قد نفى الجناح أصلاً ورأساً{[27631]} ، شرط الإحسان فقال : { ثم اتقوا وأحسنوا } أي لازموا التقوى إلى أن أوصلتهم{[27632]} إلى مقام المراقبة ، وهي الغنى عن رؤية غير الله ، فأفهم ذلك أن{[27633]} من لم يبلغ{[27634]} رتبة{[27635]} الإحسان لا يمتنع أن يكون عليه جناح مع التقوى والإيمان ، يكفر عنه بالبلايا والمصائب حتى ينال ما قدر له مما لم يبلغه عمله من درجات الجنان ، ومما يدل{[27636]} على نفاسة التقوى وعزتها أنه سبحانه لما{[27637]} شرطها في هذا العموم ، حث عليها عند ذكر المأكل بالخصوص - كما مضى فقال " واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون " ، وهذا في غاية الحث على التورع في المأكل والمشرب وإشارة إلى أنه لا يوصل إلى مقام الإحسان إلا{[27638]} به - والله{[27639]} الموفق ؛ ولما كان التقدير : فإن الله يحب المتقين المؤمنين ، عطف عليه قوله : { والله } أي الذي له صفات الكمال { يحب المحسنين } .
قوله تعالى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقُوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَّأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ } روى الإمام أحمد في سبب نزول هذه الآية بسنده عن ابن عباس قال : لما حرمت الخمر قال ناس : يا رسول الله ، أصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها فأنزل الله الآية وروى البخاري عن أنس قال : كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة فنزل تحريم الخمر فأمر منادياً ينادي . فقال أبو طلحة : اخرج فانظر ما هذا الصوت ! قال : فخرجت فقلت : هذا مناد ينادي : ألا إن الخمر قد حرمت . فقال : اذهب فأهرقها ، وكان الخمر من الفضيخ( {[1070]} ) . قال : فجرت في سكك المدينة . فقال بعض القوم : قتل قوم وهي في بطونهم . فأنزل الله عز وجل { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } الآية( {[1071]} ) .
وتأويل الآية أنه ليس على هؤلاء المؤمنين جناح في كل شيء طعموه من مستلذات المطاعم والمشارب قبل تحريمها إذا كانوا متقين ما حرم الله عليهم منها . { وَّأمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } أي وثبتوا على الإيمان والعمل الصالح { ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا } أي ثم ثبتوا على التقوى والإيمان { ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا } أي ثم ثبتوا على اتقاء المعاصي وأحسنوا أعمالهم . أو أحسنوا إلى الناس بالمواساة وبذل الخير لهم .
قوله : { وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ } وهم أهل الإحسان . وهذه أشرف الدرجات وأعلى المقامات .
وقيل : الاتقاء على ثلاث مراتب ، الأولى : الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول والتصديق والدينونة به والعمل . والثانية : الثبات على التصديق . والثالثة : الاتقاء بالإحسان والتقرب بالنوافل . وهو من قول ابن جرير الطبري .
ويستدل من الآية أيضاً على أن نبيذ التمر إذا أسكر سمي خمرًا فصار شربه حرامًا ، قليلا ً أم كثيرًا . وليس صحيحًا ما قيل من حصر التحريم في عصير العنب دون غيره من الأشربة . بل إن كل ما أسكر نوعه حرم شربه قليلا ً أو كثيرًا ، نيئاً أو مطبوخاً سواء كان من العنب أو من غيره من أنواع العصير . ويؤكد ذلك ما ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب على منبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا أيها الناس ، ألا إنه قد نزل تحريم الخمر يوم نزل ، وهي من خمسة : من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير . والخمر ما خامر العقل . وهذا أوضح ما يكون في معنى الخمر( {[1072]} ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.