ولما ذكر ما حرم من الطعام في كل حال ، وكان الصيد مما حرم في بعض الأوقات ، وكان من أمثل مطعوماتهم ، وكان قد ذكر لهم بعض أحكامه عقب قوله : { أحلت لكم بهيمة الأنعام } { وأحل{[27640]} لكم الطيبات } أخذ هنا في ذكر شيء{[27641]} من أحكامه ، وابتدأها - لأنهم خافوا على من مات منهم على شرب{[27642]} الخمر قبل تحريمها{[27643]} بأنه يبتليهم لتمييز الورع منهم من غيره - بالصيد في الحال التي حرمه عليهم فيها كما ابتلى{[27644]} إسرائيل في السبت ، فكان ذلك سبباً لجعلهم{[27645]} قردة ، ومنَّ سبحانه على الصحابة من هذه الأمة بالعصمة عند بلواهم بياناً لفضلهم على من سواهم ، فقال تعالى منادياً لهم بما يكفّهم{[27646]} ذكره{[27647]} عن المخالفة : { يا أيها الذين آمنوا } أي أوقعوا الإيمان ولو على أدنى وجوهه ، فعم بذلك العالي والداني { ليبلونكم الله } أي يعاملكم معاملة المختبر في قبولكم تحريم الخمر وغيره المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ، وذكر الاسم الأعظم إشارة بالتذكير بما له من الجلال إلى أن له أن يفعل ما يشاء ، وأشار إلى تحقير البلوى تسكيناً للنفوس بقوله{[27648]} : { بشيء من الصيد } أي الصيد في البر في{[27649]} الإحرام ، وهو ملتفت إلى قوله :{ هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله }[ المائدة : 60 ] وشارح لما ذكر أول السورة في قوله { غير محلي الصيد وأنتم حرم{[27650]} } ، وما{[27651]} ذكر بعد المحرمات من قوله :{ فكلوا مما أمسكن عليكم }[ المائدة : 4 ] ، ووصف المبتلى به بوصف هو من أعلام النبوة فقال : { تناله أيديكم } أي إن{[27652]} أردتم أخذه سالماً { ورماحكم } إن أردتم قتله ، ثم ذكر المراد من ذلك وهو إقامة الحجة على ما يتعارفه العباد بينهم فقال : { ليعلم الله } أي وهو الغني عن ذلك بما له من صفات الكمال التي لا خفاء بها عند أحد يعلم هذا الاسم الأعظم { من يخافه بالغيب } أي بما حجب به من{[27653]} هذه الحياة الدنيا التي حجبتهم عن أن يعرفوه حق معرفته سبحانه ، والمعنى أنه يخرج بالامتحان ما كان من أفعال العباد في عالم الغيب إلى عالم الشهادة ، فيصير تعلق العلم به تعلقاً شهودياً كما{[27654]} كان تعلقاً غيبياً لتقوم{[27655]} بذلك{[27656]} الحجة على الفاعل{[27657]} في مجاري عاداتهم{[27658]} ، ويزداد من له اطلاع على اللوح المحفوظ من الملائكة إيماناً ويقيناً وعرفاناً ، وقد حقق سبحانه معنى هذه الآية فابتلاهم بذلك عام الحديبية حتى كان يغشاهم الصيد في رحالهم ويمكنهم أخذه بأيديهم .
ولما كان هذا زاجراً في العادة {[27659]}عن التعرض{[27660]} لما وقعت البلوى به وحاسماً للطمع فيه بمن{[27661]} اتسم بما جعل محط النداء من الإيمان ، سبب عنه قوله : { فمن اعتدى } أي كلف نفسه مجاوزة{[27662]} الحد في التعرض له ؛ ولما كان سبحانه يقبل التوبة عن عباده ، خص الوعيد بمن استغرق الزمان بالاعتداء فأسقط الجار لذلك فقال : { بعد ذلك } أي الزجر العظيم { فله عذاب أليم * } بما التذَّ من تعرضه إليه لما عرف بالميل{[27663]} إلى هذا أنه إلى ما{[27664]} هو أشهى منه كالخمر وما معها أميل .
قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 94 ) يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلٌ ذَلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ } يخاطب الله عباده المؤمنين جميعاً من ذكر وأنثى بقوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ } جواب لقسم محذوف . ويبلونكم من الابتلاء وهو الاختبار . أي والله ليعاملنكم معاملة المختبر { بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ } من للتبعيض . أي ببعض الصيد . والمراد به مصيد البر . فاللام في الصيد للعهد .
فقد نزلت الآية في عمرة الحديبية حيث ابتلاهم الله تعالى بالصيد وهم محرمون إذ كانت الوحوش والطيور تغشاهم في رحالهم بكثافة وكانوا متمكنين من صيدها بأيديهم وبرماحهم فنهاهم الله عن ذلك ابتلاء . ومن شأن الله جلت قدرته أن يمتحن عباده المؤمنين بوجوه من الابتلاء ليميز القوي الصابر من الضعيف الخائر . أو يمحص الأتقياء الصابرين ويكشف المتخاذلين والمنافقين . أو ليجزي المؤمنين الثابتين مغفرة منه ورضواناً .
قوله : { تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ } الذي تناله الأيدي يراد به فراخ الطير وصغار الوحش . والذي تناله الرماح الكبار من الصيد .
قوله : { لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالغَيْبِ } أي ليتميز من يخاف عقاب الله الأخروي الغائب فيتقي الصيد ، ممن لا يخاف الله فيصيد . ولا ينبغي أن يفهم قوله : { لِيَعْلَمَ اللَّهُ } على ظاهره . فإن الله عالم من الأزل ولا يزال عالماً .
قوله : { فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي من تجاوز حد الله وتعرض للصيد بعد بيان أن هذا التشريع ابتلاء . وقيل : بعد ما بينه الله من التحريم والنهي عن الصيد { فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } المراد عذاب الدارين . فعذاب الآخرة يعلمه الله ويعلم كيفيته ومداه . أما عذاب الدنيا فهو أن يضرب ظهره وبطنه جلداً . وقيل : المراد عذاب الجلد في الدنيا فقط . وهو قول ابن عباس .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.