ولما فصل سبحانه أحوال الفريقين ، وحض على التذكر{[31180]} تنبيهاً على أن كل ما في القرآن مما يهدي إليه العقل ، وذكر مآل{[31181]} المتذكرين فأفهم أن غيرهم إلى عطب ، لأنهم تولوا ما يضرهم لأنهم تبعوا شهواتهم ، وكان من المعلوم أنهم يعبدون{[31182]} غير مالكهم ، وأنه ما من عبد يخدم غير سيده بغير أمر سيده إلاّ عاتبه أو{[31183]} عاقبه ، هذا مركوز في كل عقل ؛ ذكر سبحانه ما يتقدم ذلك المآل{[31184]} من الأهوال في{[31185]} الأجل المسمى الذي أخفاه عنده وجعله من أعظم مباني{[31186]} هذه السورة ، وأبهمه في{[31187]} أولها ، وبيّن في{[31188]} أثنائها بعض{[31189]} أحواله مراراً في وجوه من أفانين البيان ، وهو يوم الحشر ، فذكر هنا سبحانه بعض{[31190]} أحوال الغافلين وبعض{[31191]} ما يقول لهم فيه وما يفعله معهم من عتاب وعقاب ، {[31192]} لطفاً بهم{[31193]} واستعطافاً إلى المتاب ، فقال جامعاً الفريقين { ويوم } أي اذكر في تذكرك يوم { يحشرهم{[31194]} } أي أهل ولايتنا وأهل عداوتنا { جميعاً } لا نذر منهم أحداً { يا{[31195]} } أي فنقول على لسان من نشاء من جنودنا لأهل عداوتنا تبكيتاً وتوبيخاً حين لا يكون{[31196]} لهم مدافعة أصلاً : { معشر الجن } أي المستترين الموحشين من{[31197]} مردة الشياطين المسلطين على الإنس ، وهم يرونهم من حيث لا ترونهم{[31198]} { قد استكثرتم } أي طلبتم{[31199]} وأوجدتم{[31200]} الكثرة { من الإنس } أي من إغواء{[31201]} المؤنسين الظاهرين{[31202]} حتى صار أكثرهم أتباعكم ، فالآية من الاحتباك : عبر بما يدل على الستر أولاً دلالة على ضده - وهو الظهور - ثانياً ، وبما معناه الاستئناس والسكون ثانياً دلالة على ضده وهو الإيحاش والنفرة - أولاً{[31203]} . { وقال } هو عطف على جواب الجن المستتر{[31204]} عن{[31205]} العامل في " يا معشر " الذي تقديره كما يهدي إليه الآيات التي{[31206]} تأتي{[31207]} في السورة الآتية في تفصيل هذه المحاورة : فقالوا : ربنا هم ضلوا ، لأنهم{[31208]} كانوا يستمعون بنا في نفوذهم وسماعهم الأخبار الغريبة منا ، فاستوجبوا العذاب بمفردهم ، وستر جواب الجن لأنه - مع كونه لا يخفى لدلالة المعطوف عليه- مناسب لحالهم في الاستتار مع شهرتهم ، وذكره{[31209]} بلفظ الماضي إشارة إلى تحقق وقوعه ، لأنه خبر من لا يخلف الميعاد ، والمراد بهذه المحاورة ضرب مما يأتي تفصيله بقوله{[31210]}
{ قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا{[31211]} }[ الأعراف : 38 ] - الآية ، وقوله { فقال الضعفاء{[31212]} للذين استكبروا{[31213]} إنا كنا لكم{[31214]} تبعاً } - الآية { أولياؤهم } أي الجن { من الإنس } أي{[31215]} الذين تولوهم بالاتباع والطاعة فيما دعوهم إليه من الضلال ، معترفين مستعطفين { ربنا } أيها المربي لنا المحسن إلينا{[31216]} { استمتع } أي طلب المتاع وأوجده { بعضنا ببعض } نحن بهم فيما قالوا ، وهم بنا في طاعتنا لهم وعياذنا بهم { وبلغنا } أي نحن وهم { أجلنا } وأحالوا{[31217]} الأمر على القدر فقالوا : { الذي أجلت لنا } وهو الموت الذي كتبته علينا و{[31218]} سويت بيننا في سوط قهره وتجرع كؤس حره{[31219]} وقره ، ثم هذا اليوم الذي كنا مشتركين في التكذيب به ، فاستوجبنا العذاب كلنا .
ولما تم ذلك كان كأنه قيل : فما{[31220]} قال الله لهم بعد هذه المحاورة الغريبة التي{[31221]} هي ضرب من كلام أهل الباطن في الدنيا لجلج مضطرب لا حاصل له ؟ فقيل : { قال } أي المخاطب لهم عن{[31222]} الله { النار مثواكم } أي منزلكم جميعاً من غير أن تنفعكم{[31223]} الإحالة على القدر { خالدين فيها } أي إلى ما لا آخر له ، لأن الأعمال بالنية وقد كنتم على عزم ثابت أنكم على هذا الكفر ما بقيتم ولو إلى{[31224]} ما لا آخر له ، فالجزاء من جنس العمل .
ولما كان من{[31225]} المقرر أنه لا تمام لملك من يجب عليه شيء ويلزمه بحيث لا يقدر على{[31226]} الانفكاك عنه ، بين سبحانه أن ملكه ليس كذلك ، بل هو{[31227]} على غاية الكمال ، لا يجب عليه شيء بل كل فعله جميل ، وجميع ما يبدو منه حسن ، فعلق دوام عذابهم على{[31228]} المشيئة فقال : { إلا ما شاء } ولما كان القصد في هذه السورة إلى إظهار العظمة للغيرة على مقام الإلهية ، عبر بالاسم الأعظم فقال : { الله } أي الذي له رداء الكبر فلا يستطيع أحد أن يعترض عليه ولا أن يهم بذلك ، هيهات هيهات ! انقطعت دون ذلك الآمال ، فظلت{[31229]} ناكسة أعناق الرجال ، وبيده إزار العز ، فمن اختلج في سره أن يرفع ناكس عنقه ضربه بمقامع الذل ، وأنزله في مهاوي الخزي ، وقد تقرر أنه سبحانه لا يشاء انقطاع شيء من ذلك عنهم في حال من الأحوال ، ونطق الكتاب بذلك في صرائح الأقوال ، وفي سوقه معلقاً هكذا مع ما تقدم زيادة في عذابهم بتعليق رجائهم من انقطاع بلائهم بما لا مطمع فيه .
ولما كان في إظهار الجلال في هذا الحال من عظيم الأهوال ما لا يسعه المقال ، أتبعه اللطف بالمخاطب{[31230]} به صلى الله عليه وسلم فقال{[31231]} : { إن ربك } أي المحسن إليك برفع أوليائك وخفض أعدائك .
ولما كان السياق - في مثل هذه المقاولة في مجمع الحكم - للحكمة والعلم ، وكان النظر إلى الحكمة في تنزيل كل شيء منزلة أعظم ، قدم وصفها فقال : { حكيم } أي فلا يعذب المخلص ويترك المشرك ولا يعذب بعض من أشرك ويترك بعضاً { عليم * } أي بدقائق الأمور وجلائلها من الفريقين ، فلا يخفى عليه عمل أحد فيهمله لذلك .
قوله تعالى : { ويوم يحشرهم جميعا يمعشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولاؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثوكم خلدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم ( 128 ) وكذلك نولي بعض الظلمين بعضا بما كانوا يكسبون } .
قوله : { ويوم يحشرهم جميعا } يوم ، منصوب بفعل مقدر . وتقديره : اذكر يوم نحشرهم . وقيل : منصوب على الظرفية والعامل فيه مقدر . أي اذكر ، أيضا جميعا ، منصوب على الحال من الهاء والميم في { يحشرهم } {[1275]} .
في الآية يذكر الله بذلك اليوم المشهود الذي يجمع فيه عبدة الأوثان والأصنام . أولئك الذين اتخذوا الأنداد شركاء لله في الخضوع والعبادة – يجمعهم مع أعوانهم وأنصارهم من الشياطين الذين أغووهم والذين أوحوا لهم بالزخرف من الكلام المموه الخادع . هؤلاء جميعا يحشرهم الله يوم القيامة حشرا . والتعبير بالحشر يوحي بحال هؤلاء المحشورين المقبوحين من الشقاوة والتعس وانتفاء الكرامة والاعتبار . لا جرم أن الضالين المشركين من الشياطين وأتباعهم من البشر الفاسق مجموعون بين يدي الله في الآخرة ليجدوا هوان الحشر وما فيه من ضيق وإعانات وتحقير ومهانة .
قوله : { يمعشر الجن قد استكثرتم من الإنس } معشر الجن أي جماعتهم . والمراد بهم هنا الشياطين . والمعنى أن الله يقول لهذا الفريق المضل من الجن على سبيل التقريع والتوبيخ : لقد أضللتم كثيرا من الإنس بإغوائكم إياهم وإفسادكم لهم . وقيل : أكثرهم من إغوائهم وإضلالهم .
قوله : { وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض } استمتع من الاستمتاع وهو التلذذ والانتفاع{[1276]} والأولياء من الإنس يراد بهم الأتباع من الناس الذين أطاعوا الشياطين وساروا في سبيل الضلال الذي سيقوا إليه بإغواء الشياطين من الجن لهم . وكل فريق من الطرفين قد استمتع بالآخر . فاستمتاع الجن من الإنس أنهم تلذذوا بطاعة الإنس لهم ، إذ أطاعوهم فيما دعوهم إليه من الفسق والعصيان والغواية ومخالفة أوامر الله فضلا عن تعظيم الإنس لهم في استعاذتهم بهم . واتخاذهم لهم قادة ورؤساء . وأما انتفاع الإنس من الجن فهو أن الجن دلوهم على الشهوات وما يتوصل به إلى مختلف الأهواء والمنكرات . إلى غير ذلك من وجوه الشهوات الرخيصة التي تهبط لها وتتهاوى أمامهم عزائم الأنذال من الفاسقين والعصاة ، أتباع الشيطان في كل زمان .
قوله : { وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا } أي بلغنا الموت بعد كل الذي حصل من الاستمتاع والتلذذ بالشهوات والمحظورات وكل وجوه الحرام . وذلك بفعل التزيين والإغراء من الشيطان الذي أضلنا وأغوانا . وقيل : يقولون ذلك يوم القيامة إقرارا بذنوبهم ومعاصيهم بعد أن أطاعوا الشياطين واتبعوا الهوى والشهوات وكذبوا بالرسل والبعث . قالوا ذلك وهم تحيط بهم الأهوال والفظائع واليأس من كل جانب . لقد قالوا مقالتهم وهم في غاية الإحساس بالندامة والحسرة والإياس موقنين أنه لن يجديهم بعد ذلك ندم ولا توبة وأن مصيرهم المحتوم إلى الثبور وعظائم الأمور .
قوله : { قال النار مثوكم خلدين فيها } مثواكم : منزلكم . والمثوى معناه المنزل . ثوى بالمكان ، أي أقام فيه{[1277]} ويجوز أن يكون المثوى مصدرا بمعنى الثواء وهو الإقامة . وخالدين ، حال النار مكان إقامتكم في حال الخلود{[1278]} وذلك جواب فاصل وقاطع من الله لا معقب له من أحد . وهو أن النار منزلكم ومحل إقامتكم الدائم يوم القيامة ، إذ تثوون إليها ثواء اللابثين بغير فراق ولا مبارحة ، لا جرم أن النار لهي دار مقام للفاسقين من البشر الذين أضلهم الشيطان ليظلوا فيها يكابدون العذاب بكل ألوانه وصنوفه . نعوذ بالله من ذلك عوذا كبيرا .
قوله : { إلا ما شاء الله } الاستثناء منقطع ، فهو ليس من الخلود في النار . والمعنى أنهم خالدون في النار باستثناء المدة التي ما بين مبعثهم من قبورهم ومصيرهم إلى جهنم . أي باستثناء مقدار حشرهم في قبورهم ومقدار لبثهم في الحساب .
قوله : { إن ربك حكيم عليم } الله حكيم في معاقبة هؤلاء الفاسقين المعرضين ، أتباع الشياطين . حكيم في تعذيبهم وما لهم من المصير المهين . بل إنه حكيم في كل ما يصدر عنه من أفعال وأحكام . وهو كذلك عليم بما يستحقه هؤلاء العصاة من الجزاء .