التفسير الحديث لدروزة - دروزة  
{أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَآءَكُمۡ ذِكۡرٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنكُمۡ لِيُنذِرَكُمۡۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ قَوۡمِ نُوحٖ وَزَادَكُمۡ فِي ٱلۡخَلۡقِ بَصۜۡطَةٗۖ فَٱذۡكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (69)

( 2 ) ذكر : تذكير وبلاغ ودعوة .

( 3 ) آلاء الله : نعم الله .

{ وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون( 65 ) قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين( 66 ) قال يا قوم ليس بي سفاهة1 ولكني رسول من رب العالمين( 67 ) أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين( 68 ) أو عجبتم أن جاءكم ذكر2 من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله3 لعلكم تفلحون( 69 ) قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر4 ما كان يعبد آباؤنا فائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين( 70 ) قال قد وقع عليكم من ربكم رجس5 وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين( 71 ) فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر6 الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين( 72 ) } [ 65-72 ] .

وهذه حلقة ثانية من السلسلة احتوت قصة رسالة هود عليه السلام إلى قوم عاد ، وعبارتها واضحة . وقد أشير إليها في سور سابقة وذكرنا في مناسباتها ما اقتضى من تعريف بهود عليه السلام وقومه عاد . ولقد تكررت في سورة آتية مرارا وفيها بيانات أخرى غير ما ورد في هذه الحلقة . وفي الطبري والبغوي وغيرهما سياق طويل عنهم على هامش هذه الحلقة معزو إلى السدي وابن زيد وابن وهب وغيرهم من علماء الصدر الأول ؛ حيث يفيد هذا أن سامعي القرآن من أهل بيئة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يتداولون أخبارهم جيلا عن جيل . ومما ذكروه أنهم كان لهم صنم اسمه صداء أو صمود وصنم آخر اسمه الهباء . وأن السماء أمسكت عنهم بسبب كفرهم حتى جهدوا وذهبوا إلى الاستغاثة عند الكعبة ثم رجعوا ، فظهرت لهم سحابة ظنوها الغيث ، وإذا فيها العذاب الذي جاءهم كريح شديدة مدمرة أهلكتهم ، ونجى الله هودا والذين آمنوا معه .

ومما ذكروه أن بلادهم هي أرض الشجر من بلاد اليمن مما يلي حضر موت إلى عمان ، أو أنها الأحقاف التي هي أيضا في القسم الجنوبي الشرقي من جزيرة العرب والأحقاف ذكرت في القرآن في سورة الأحقاف وفيها آيات تذكر ما وقع عليهم من عذاب { واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم21 } و{ فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم24 تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين25 } .

ولم نر ضرورة لإيراد ما أورده المفسرون من بيانات مسهبة أخرى لا تخلو من مبالغة وخيال لأن ذلك غير متصل بأهداف القصة . ومن جملة ذلك مثلا ما يفيد أن عادا كانوا يتكلمون باللغة العربية الفصحى مع أن هذه اللغة إنما استقرت على شكلها قبل البعثة بمدة غير طويلة ، وعاد إنما كانوا ألفين أو أكثر من السنين .

ولقد تعدد رواياتهم في صدد معنى ومدى جملة { وزادكم في الخلق بسطة } منها أنها بمعنى زادكم من نعمه من بين خلقه . ومنها أنه زادهم على غيرهم نسبيا في طول الأجسام وقوتها . ومنها أن قاماتهم كانت طويلة جدا حتى كان منهم من هو في مائة ذراع أو سبعين أو ستين وأقصرهم في اثنتي عشرة ذراعا .

والمتبادر أن التعبير متصل بالهدف القرآني فهو من جهة حكاية لتذكير هود قومه بنعمة الله عليهم دعما لدعوته . ومن جهة تنبيه لسامعي القرآني إلى أن من الذين كانوا قبلهم من كان أعظم منهم أجساما وأشد قوة فأخذهم الله بكفرهم وإنهم لن يعجزوه . وقد تكرر هذا في آيات عديدة مثل آية سورة غافر هذه : { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون82 } وآية سورة [ ق ] هذه : { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص36 } .

ولقد تكون زيادة بسطة أجسام عاد مما كان متداولا بين سامعي القرآن فذكر ذلك لتدعيم الموعظة والهدف القرآني . غير أن الجملة القرآنية لا تقتضي أن تكون أجسام قوم عاد خارقة للعادة . ولقد استعمل التعبير في القرآن في صدد وصف طالوت الذي اختاره نبي بني إسرائيل ملكا في آية سورة البقرة هذه : { وقال لهم نبيهم إن الله بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم247 } . ولقد ذكرت قصة اصطفاء النبي لطالوت في سفر صموئيل الأول{[979]} ووصف طالوت [ شاؤول ] بأنه من كتفه فما فوق كان أطول من كل الشعب . وليس هذا خارقا للعادة . وهذا كله يجعل أحد القولين الأولين عن مدى الجملة هو الأكثر ورودا واتساقا مع حقائق الأمور .


[979]:- الإصحاحان الثامن والتاسع.