البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكۡرَهُونَۚ وَتَصِفُ أَلۡسِنَتُهُمُ ٱلۡكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفۡرَطُونَ} (62)

ومعنى : ويجعلون ، يصفونه بذلك ويحكمون به .

وقال الزمخشري : ما يكرهون لأنفسهم من البنات ، ومن شركاء في رئاستهم ، ومن الاستخفاف برسلهم والتهاون برسالاتهم ، ويجعلون له أرذل أموالهم ، ولأصنامهم أكرمها ، وتصف ألسنتهم مع ذلك أنّ لهم الحسنى عند الله كقوله : { ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى } انتهى .

وقال مجاهد : الحسنى قول قريش لنا البنون ، يعني قالوا : لله البنات ولنا البنون .

وقيل : الحسنى الجنة ، ويؤيده : لا جرم أن لهم النار ، والمعنى على هذا : يجعلون لله المكروه ، ويدعون مع ذلك أنهم يدخلون الجنة كما تقول : أنت تعصي الله وتقول مع ذلك : أنك تنجو ، أي هذا بعيد مع هذا .

وهذا القول لا يتأتى إلا ممن يقول بالبعث ، وكان فيهم من يقول به .

أو على تقدير أنْ كان ما يقول من البعث صحيحاً ، وأنّ لهم الحسنى بدل من الكذب ، أو على إسقاط الحرف أي : بأن لهم .

وقرأ الحسن ومجاهد باختلاف ألسنتهم : بإسكان التاء ، وهي لغة تميم جمع لساناً المذكر نحو : حمار وأحمرة ، وفي التأنيث : ألسن كذراع وأذرع .

وقرأ معاذ بن جبل وبعض أهل الشام : الكذب بضم الكاف والذال والباء صفة للألسن ، جمع كذوب كصبور وصبر ، وهو مقيس ، أو جمع كاذب كشارف وشرف ولا ينقاس ، وعلى هذه القراءة أنّ لهم مفعول تصف ، وتقدم الكلام في لا جرم أن .

وقرأ الحسن وعيسى بن عمران : لهم بكسر الهمزة ، وأن جواب قسم أغنت عنه لا جرم .

وقرأ ابن عباس ، وابن مسعود وأبو رجاء ، وشيبة ، ونافع ، وأكثر أهل المدينة : مفرطون بكسر الراء من أفرط حقيقة أي : متجاوزون الحد في معاصي الله .

وباقي السبعة ، والحسن ، والأعرج ، وأصحاب ابن عباس ، ونافع في رواية ، بفتح الراء من أفرطته إلى كذا قدمته ، معدى بالهمزة من فرط إلى كذا تقدم إليه .

قال القطامي :

واستعجلونا وكانوا من صحابتنا . . . ***كما تعجل فراط لوراد

ومنه «أنا فرطكم على الحوض » أي متقدمكم .

وقال ابن جبير ، ومجاهد ، وابن أبي هند : مفرطون مخلفون متروكون في النار من أفرطت فلاناً خلفى إذا خلفته ونسيته .

قال أبو البقاء : تقول العرب أفرطت منهم ناساً أي خلفتهم ونسيتهم .

وقرأ أبو جعفر : مفرطون مشدداً من فرط أي : مقصرون مضيعون .

وعنه أيضاً : فتح الراء وشدها أي ، مقدمون من فرطته المعدى بالتضعيف من فرط بمعنى : تقدم .