أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (105)

شرح الكلمات :

{ آمنوا } : صدقوا الله ورسوله واستجابوا لهما بفعل المأمور وترك المنهي .

{ عليكم أنفسكم } : ألزموا هدايتها وإصلاحها .

{ إذا اهتديتم } : إلى معرفة الحق ولزوم طريقه .

{ إلى الله مرجعكم جميعاً } : ضلاّلاً ومهتدين .

{ فينبئكم } : يخبركم بأعمالكم ويجازيكم بها .

المعنى الكريمة الكريمة :

ينادي الله تعالى عباده المؤمنين فيقول : { يا أيها الذين آمنوا } أي صدقوا بالله ورسوله ووعد الله ووعيده { عليكم أنفسكم } ألزموها الهداية والطهارة بالإِيمان والعمل الصالح وإبعادها عن الشر والمعاصي ، { لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } : أي أن ضلال غيركم غير ضار بكم إن كنتم مهتدين إذ لا تزر وازرة وزر أخرى ، كل نفس تجزى بما كسبت أو بما كسب غيرها ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ، ومن ضل فإنما يضل عليها إلا أن من الاهتداء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن ترك المؤمنون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يعتبرون مهتدين إذ بالسكوت عن المنكر يكثر وينتشر ويؤدِّي حتماً إلى أن يضلّ المؤمنون فيفقدون هدايتهم ولذا قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه خطيباً يوماً فقال : { يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآيية : { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم . . } الخ وإنكم تضعونها على غير موضعها ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب " وقوله تعالى : { إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون } فيه وعد ووعيد ، وعد لمن أطاع الله ورسوله ، ووعيد لمن عصاهما .

الهداية

من الهداية :

- وجوب إصلاح المؤمن نفسه وتطهيرها من آثار الشرك ولمعاصي وذلك بالإِيمان والعمل الصالح .

- ضلال الناس لا يضر المؤمن إذا أمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر .

- للعمل أكبر الأثر في سعادة الإِنسان أو شقائه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (105)

قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الذِّينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .

أنفسكم ، منصوب على الإغراء . أي احفظوا أنفسكم . كما تقول : عليك زيداً . يضركم ، رفع على الاستئناف . أو جزم على جواب الأمر ، وإنما ضمت الراء إتباعاً لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة والأصل لا يضرركم( {[1095]} ) .

وقيل في سبب نزول هذه الآية : إن المؤمنين كان يحزنهم ويؤزهم بقاء الكفار في كفرهم وضلالتهم فقيل لهم : { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } أي لا يضركم ضلال من ضل ولا فساد من فسد من الناس إذا كنتم أنتم مهتدين للحق . ولا يفهمن أحد أن في الآية ما يدل على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فهذا الفهم خاطئ مبطل : فإن من الحقائق الثابتة المقررة أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الفروض الدينية التي أوجبها الإسلام . ولا يعذر من وجيبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا من كان عاجزاً عن القيام بهذا الواجب الكبير . أو كان يظن أن كلامه غير ذي قيمة ولا تأثير البتة . أو كان يخشى على نفسه أن يحل به ضرر بالغ يسوغ له الترك .

وفي أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي التحريض البالغ على هذا المطلب العظيم ، أخرج الإمام أحمد عن قيس قال : قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } إنكم تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله عز وجل أن يعمهم بعقابه " .

وأخرج الترمذي عن أبي ثعلبة الخشني إذ سئل عن هذه الآية فقال : أما والله لقد سألت عنها خبيراً ، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحّاً مطاعاً وهوىً متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع العوام فإن من ورائكم أياماً الصابر فيهن مثل القابض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون كعملكم " .

قوله : { إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } ذلك وعد ووعيد من الله لكلا الفريقين . وخلاصته أن مصير المهتدين والضالين جميعاً إلى الله يوم القيامة . وحينئذ ينئبهم الله بما قدموه في الدنيا من أعمال الهداية والضلال فيجزي الصالحين المهتدين الثواب ويجزي الطالحين الضالين العقاب( {[1096]} ) .


[1095]:- البيان لابن الأنباري ج1 ص307 وتفسير النسفي ج1 ص306.
[1096]:- تفسير ابن كثير ج2 ص109 وفتح القدير ج2 ص84 وروح المعاني ج7 ص45، 46.